تلسكوب «ويب» الفضائي يعد علماء الفلك بمغامرات علمية عظيمة

ينطلق إلى أعماق الكون على ارتفاع نحو مليون ميل عن الأرض

تلسكوب «ويب» الفضائي يعد علماء الفلك بمغامرات علمية عظيمة
TT

تلسكوب «ويب» الفضائي يعد علماء الفلك بمغامرات علمية عظيمة

تلسكوب «ويب» الفضائي يعد علماء الفلك بمغامرات علمية عظيمة

داخل غرفة كبيرة ونظيفة للغاية في مركز غودارد للطيران الفضائي التابع لـ«ناسا» في مدينة غرينبيلت بولاية ميريلاند، يجتمع نحو 30 عاملا يرتدون سترات الوقاية البيضاء والنظارات الواقية والأحذية الزرقاء حول أجزاء من «آلة الزمن». ويجري تجميع تلك الأجزاء - وهي عبارة عن مرايا (عدسات) مغلفة بالذهب، ودروع مضادة لأشعة الشمس بحجم ملعب للتنس، وكاميرات حساسة تعمل بالأشعة تحت الحمراء - بتأن شديد لتصبح في النهاية تلسكوب جيمس ويب الفضائي James Webb Space Telescope. ويأمل علماء الفلك أن يساعدهم تلسكوب «جيمس ويب» في جمع الضوء الذي يقع على مسافة بعيدة للغاية من كوكب الأرض ويتحرك مبتعدا عنها.

* رؤية أعماق الكون
ظل الكون يتسع منذ الانفجار الكبير الذي شهد نشأته، ولكن العلماء يرجحون أنه إذا ما كان التلسكوب قويا بما فيه الكفاية، فإنه يمكنهم رؤية ميلاد المجرات الأولى، منذ ما لا يقل عن 13.5 مليار سنة. ويقول آفي ليوب، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة هارفارد الذي ساعد في التخطيط لمهمة التلسكوب ويب العلمية «إن ذلك يشبه علم الحفريات الأثرية. إننا نحفر عميقا في قلب الكون. ولكن مع تلاشي مصادر الضوء وابتعادها عنا، فإننا نحتاج إلى تلسكوب كبير مثل تلسكوب جيمس ويب».
واتخذ التلسكوب اسمه من اسم مدير سابق لوكالة ناسا، وسوف يكون التلسكوب الجديد الذي يبلغ قطره 21 قدما أكبر مائة مرة في قوته من التلسكوب الشهير هابل، الذي ابتدأ العمل في مداره عام 1990. ورغم أن التلسكوب هابل لم يكن أول تلسكوب فضائي، فإن الصور التي يلتقطها للأجسام البعيدة للغاية قد أذهلت الجمهور وأدت إلى إنجازات هائلة في علم الفيزياء الفلكية، مثل تحديد السرعة التي يتسع بها الكون.
سوف يكون التلسكوب ويب أكبر ويأخذ مداره في موقع أكثر إظلاما في الفضاء من التلسكوب هابل، مما يمكنه من التقاط الصور للمجرات المتلاشية. سوف تعمل الكاميرات الأربع العاملة بالأشعة تحت الحمراء على التقاط صور الضوء المتحرك سريعا مبتعدا عن كوكبنا والذي تحول من حالة الضوء المرئي إلى طيف الأشعة تحت الحمراء، مما يوصف بأنه «التحول الأحمر». والميزة التي يوفرها استخدام كاميرات الأشعة تحت الحمراء أن الضوء لا تحجبه سحب الغاز والغبار والتي قد تكون موجودة بين التلسكوب وبين الضوء.
وتغطي مرايا التلسكوب ويب أغلفة رقيقة من الذهب تعمل على امتصاص الضوء الأزرق وتعكس الضوء الأصفر والأحمر المرئيين، وسوف تعمل كاميرات التلسكوب على اكتشاف ضوء الأشعة تحت الحمراء وأجزاء مصغرة من الطيف المرئي. وبابتعاد الأجسام عن كوكبنا، فإن الطول الموجي للضوء يتحول من الضوء المرئي إلى ضوء الأشعة تحت الحمراء. وذلك هو السبب الكامن وراء مقدرة كاميرات التلسكوب ويب على رؤية الأشياء البعيدة للغاية والمتحركة بسرعة عالية مبتعدة عن كوكبنا.
وسوف تبحث الكاميرات أيضا في أجواء الكواكب التي تدور بالقرب من النجوم، والمعروفة باسم الكواكب الخارجية، من أجل الحصول على إشارات كيميائية للحياة عليها: مثل المياه، والأكسجين، وربما «التلوث الناتج عن الحضارات الغريبة».

* اختبارات أولية
ولكن قبل حدوث أي من تلك الاكتشافات العلمية المبهرة، هناك قدر كبير من الاختبارات لا بد من إجرائها في محطة غودارد، في الغرفة النظيفة على مقربة من «غرفة التبريد».
سيتم إجراء الكثير من التجارب من حيث الضغط والاهتزاز والتجميد والالتواء لآلاف الأجزاء المفردة من التلسكوب في مجهود يهدف إلى التأكد من نجاة السفينة الفضائية ضمن مشروع إطلاق التلسكوب إلى الفضاء من قاعدة غويانا الفرنسية ومن البيئة الباردة المحيطة بالموقع المداري على بعد ما يقرب من مليون ميل من الأرض. وبالمقارنة، يدور التلسكوب هابل على بعد 375 ميلا من سطح الأرض، في المعدل.
يبلغ المشروع، الذي بدأ في عام 2004. ذروته في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2018، عند إطلاق التلسكوب على متن الصاروخ الأوروبي أريان 5 التابع لوكالة الفضاء الأوروبية. ومن الآن فصاعدا، سوف يعمل علماء وكالة ناسا على التقاط وتيرة العمل وتحديد المواعيد النهائية نحو الموعد النهائي للمشروع.
وفي فترة التسعينات، ساعد المهندس بول غايتنر، الشاب حينها، في إصلاح المطبات المصغرة في مرايا التلسكوب هابل الزجاجية، وهو عيب اكتشف عقب انطلاق التلسكوب إلى الفضاء. واليوم، يتأكد المهندس الذي يبلغ 52 عاما بنفسه من أن كل شيء في موضعه الصحيح لدى تجميع مكونات التلسكوب ويب في مركز غودارد. ولا يزال يعمل على اختبار الأجزاء المفردة، بما في ذلك كل وحدة من المرايا السداسية الثمانية عشر، وكذلك اللوحة الخلفية (والتي تصفها وكالة ناسا بأنها العمود الفقري الحامل للمرايا)، وأيضا كافة الأدوات العلمية التي يجري الانتهاء منها بحلول نهاية العام الحالي. ومع بداية عام 2015. سوف يتم تجميع مكونات التلسكوب والسفينة الفضائية الحاملة له سويا باستخدام غراء ومسامير ربط خاصة.
يقول المهندس غايتنر، الذي يشغل الآن منصب نائب مدير مشروع وكالة ناسا للشؤون الفنية: «لا جدوى من اختباره كنظام كامل. ولا يعني ذلك إلا اختبار مختلف المكونات والأجزاء وإقناع أنفسنا من خلال تلك الاختبارات والتحليلات أنه حين يتجمع سويا، فسوف يعمل».
أرسلت وكالة ناسا، في فترة التسعينات، رواد الفضاء لإصلاح مرايا التلسكوب هابل في عملية وصفت بالخطيرة والتي تطلبت 5 أيام من السير في الفضاء. ولكن ذلك لا يعتبر خيارا متاحا للتلسكوب ويب، فسوف يتخذ مداره في موضع بعيد للغاية.

* تلسكوب كوني
قال المهندس غايتنر إن الجميع أفادوا من الخطأ في تلسكوب هابل، والذي ألقت وكالة ناسا باللائمة فيه على المقاول. أما الآن، فباتت الحاجة إلى الاختبار المستقل للأسطح البصرية واضحة. حيث أضاف: «إننا لا نستخدم ذات الأدوات التي تُستخدم في صناعة البصريات حتى تتأكد أن كل شيء على ما يرام».
تضمن هذا العام إجراء الكثير من اختبارات التبريد (وهي اختبار ردود الفعل عند درجات الحرارة شديدة الانخفاض)، وفيها يتم إنزال الهيكل الصندوقي الشكل الذي يضم الكاميرات بالأشعة تحت الحمراء - والمسمى نموذج الآلة العلمية المتكاملة (ISIM) - في غرفة فارغة يبلغ ارتفاعها 60 قدما لدى مركز غودارد. يتم إفراغ الغرفة من الهواء لمحاكاة الظروف في الفضاء، ويتم ضخ النتروجين السائل في الغرفة الداخلية وضخ الهليوم فائق البرودة في غرفة مصغرة داخلها. وتواجه حزمة الكاميرات الأربع درجات حرارة تبلغ 11 درجة كيلفن، وهي تساوي 262 درجة مئوية تحت الصفر (440 درجة فهرنهايت تحت الصفر).
يفسر المهندس غايتنر ذلك بقوله «إن أكبر إجهاد لا يأتي من اهتزاز السفينة الفضائية أثناء الإطلاق، بل من انكماش الجسم بأكمله حينما يتعرض للبرودة الفائقة، لذلك هناك قدر عظيم من الإجهاد على المفاصل وهي تحاول تمزيق نفسها بنفسها».
وقد اجتاز نموذج الآلة العلمية المتكاملة (ISIM) اختبار التبريد في شهر يوليو (تموز) ، ثم جرى تدفئته إلى درجة حرارة الغرفة ثم إزالته من غرفة التبريد في شهر أكتوبر (تشرين الأول). وهو يحتاج إلى التفكيك ثم إعادة التجميع مرة أخرى من أجل الاختبارات النهائية المقررة في العام المقبل. ويعني اختبار كل شيء مرتين أن تلسكوب ويب سوف يعمل كما يُفترض له أن يعمل، وفقا للمهندس غايتنر. ولكن الاختبارات الإضافية حقا مكلفة.
* خدمة «واشنطن بوست»
(خاص بـ {الشرق الأوسط})



«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟