تلسكوب «ويب» الفضائي يعد علماء الفلك بمغامرات علمية عظيمة

ينطلق إلى أعماق الكون على ارتفاع نحو مليون ميل عن الأرض

تلسكوب «ويب» الفضائي يعد علماء الفلك بمغامرات علمية عظيمة
TT

تلسكوب «ويب» الفضائي يعد علماء الفلك بمغامرات علمية عظيمة

تلسكوب «ويب» الفضائي يعد علماء الفلك بمغامرات علمية عظيمة

داخل غرفة كبيرة ونظيفة للغاية في مركز غودارد للطيران الفضائي التابع لـ«ناسا» في مدينة غرينبيلت بولاية ميريلاند، يجتمع نحو 30 عاملا يرتدون سترات الوقاية البيضاء والنظارات الواقية والأحذية الزرقاء حول أجزاء من «آلة الزمن». ويجري تجميع تلك الأجزاء - وهي عبارة عن مرايا (عدسات) مغلفة بالذهب، ودروع مضادة لأشعة الشمس بحجم ملعب للتنس، وكاميرات حساسة تعمل بالأشعة تحت الحمراء - بتأن شديد لتصبح في النهاية تلسكوب جيمس ويب الفضائي James Webb Space Telescope. ويأمل علماء الفلك أن يساعدهم تلسكوب «جيمس ويب» في جمع الضوء الذي يقع على مسافة بعيدة للغاية من كوكب الأرض ويتحرك مبتعدا عنها.

* رؤية أعماق الكون
ظل الكون يتسع منذ الانفجار الكبير الذي شهد نشأته، ولكن العلماء يرجحون أنه إذا ما كان التلسكوب قويا بما فيه الكفاية، فإنه يمكنهم رؤية ميلاد المجرات الأولى، منذ ما لا يقل عن 13.5 مليار سنة. ويقول آفي ليوب، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة هارفارد الذي ساعد في التخطيط لمهمة التلسكوب ويب العلمية «إن ذلك يشبه علم الحفريات الأثرية. إننا نحفر عميقا في قلب الكون. ولكن مع تلاشي مصادر الضوء وابتعادها عنا، فإننا نحتاج إلى تلسكوب كبير مثل تلسكوب جيمس ويب».
واتخذ التلسكوب اسمه من اسم مدير سابق لوكالة ناسا، وسوف يكون التلسكوب الجديد الذي يبلغ قطره 21 قدما أكبر مائة مرة في قوته من التلسكوب الشهير هابل، الذي ابتدأ العمل في مداره عام 1990. ورغم أن التلسكوب هابل لم يكن أول تلسكوب فضائي، فإن الصور التي يلتقطها للأجسام البعيدة للغاية قد أذهلت الجمهور وأدت إلى إنجازات هائلة في علم الفيزياء الفلكية، مثل تحديد السرعة التي يتسع بها الكون.
سوف يكون التلسكوب ويب أكبر ويأخذ مداره في موقع أكثر إظلاما في الفضاء من التلسكوب هابل، مما يمكنه من التقاط الصور للمجرات المتلاشية. سوف تعمل الكاميرات الأربع العاملة بالأشعة تحت الحمراء على التقاط صور الضوء المتحرك سريعا مبتعدا عن كوكبنا والذي تحول من حالة الضوء المرئي إلى طيف الأشعة تحت الحمراء، مما يوصف بأنه «التحول الأحمر». والميزة التي يوفرها استخدام كاميرات الأشعة تحت الحمراء أن الضوء لا تحجبه سحب الغاز والغبار والتي قد تكون موجودة بين التلسكوب وبين الضوء.
وتغطي مرايا التلسكوب ويب أغلفة رقيقة من الذهب تعمل على امتصاص الضوء الأزرق وتعكس الضوء الأصفر والأحمر المرئيين، وسوف تعمل كاميرات التلسكوب على اكتشاف ضوء الأشعة تحت الحمراء وأجزاء مصغرة من الطيف المرئي. وبابتعاد الأجسام عن كوكبنا، فإن الطول الموجي للضوء يتحول من الضوء المرئي إلى ضوء الأشعة تحت الحمراء. وذلك هو السبب الكامن وراء مقدرة كاميرات التلسكوب ويب على رؤية الأشياء البعيدة للغاية والمتحركة بسرعة عالية مبتعدة عن كوكبنا.
وسوف تبحث الكاميرات أيضا في أجواء الكواكب التي تدور بالقرب من النجوم، والمعروفة باسم الكواكب الخارجية، من أجل الحصول على إشارات كيميائية للحياة عليها: مثل المياه، والأكسجين، وربما «التلوث الناتج عن الحضارات الغريبة».

* اختبارات أولية
ولكن قبل حدوث أي من تلك الاكتشافات العلمية المبهرة، هناك قدر كبير من الاختبارات لا بد من إجرائها في محطة غودارد، في الغرفة النظيفة على مقربة من «غرفة التبريد».
سيتم إجراء الكثير من التجارب من حيث الضغط والاهتزاز والتجميد والالتواء لآلاف الأجزاء المفردة من التلسكوب في مجهود يهدف إلى التأكد من نجاة السفينة الفضائية ضمن مشروع إطلاق التلسكوب إلى الفضاء من قاعدة غويانا الفرنسية ومن البيئة الباردة المحيطة بالموقع المداري على بعد ما يقرب من مليون ميل من الأرض. وبالمقارنة، يدور التلسكوب هابل على بعد 375 ميلا من سطح الأرض، في المعدل.
يبلغ المشروع، الذي بدأ في عام 2004. ذروته في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2018، عند إطلاق التلسكوب على متن الصاروخ الأوروبي أريان 5 التابع لوكالة الفضاء الأوروبية. ومن الآن فصاعدا، سوف يعمل علماء وكالة ناسا على التقاط وتيرة العمل وتحديد المواعيد النهائية نحو الموعد النهائي للمشروع.
وفي فترة التسعينات، ساعد المهندس بول غايتنر، الشاب حينها، في إصلاح المطبات المصغرة في مرايا التلسكوب هابل الزجاجية، وهو عيب اكتشف عقب انطلاق التلسكوب إلى الفضاء. واليوم، يتأكد المهندس الذي يبلغ 52 عاما بنفسه من أن كل شيء في موضعه الصحيح لدى تجميع مكونات التلسكوب ويب في مركز غودارد. ولا يزال يعمل على اختبار الأجزاء المفردة، بما في ذلك كل وحدة من المرايا السداسية الثمانية عشر، وكذلك اللوحة الخلفية (والتي تصفها وكالة ناسا بأنها العمود الفقري الحامل للمرايا)، وأيضا كافة الأدوات العلمية التي يجري الانتهاء منها بحلول نهاية العام الحالي. ومع بداية عام 2015. سوف يتم تجميع مكونات التلسكوب والسفينة الفضائية الحاملة له سويا باستخدام غراء ومسامير ربط خاصة.
يقول المهندس غايتنر، الذي يشغل الآن منصب نائب مدير مشروع وكالة ناسا للشؤون الفنية: «لا جدوى من اختباره كنظام كامل. ولا يعني ذلك إلا اختبار مختلف المكونات والأجزاء وإقناع أنفسنا من خلال تلك الاختبارات والتحليلات أنه حين يتجمع سويا، فسوف يعمل».
أرسلت وكالة ناسا، في فترة التسعينات، رواد الفضاء لإصلاح مرايا التلسكوب هابل في عملية وصفت بالخطيرة والتي تطلبت 5 أيام من السير في الفضاء. ولكن ذلك لا يعتبر خيارا متاحا للتلسكوب ويب، فسوف يتخذ مداره في موضع بعيد للغاية.

* تلسكوب كوني
قال المهندس غايتنر إن الجميع أفادوا من الخطأ في تلسكوب هابل، والذي ألقت وكالة ناسا باللائمة فيه على المقاول. أما الآن، فباتت الحاجة إلى الاختبار المستقل للأسطح البصرية واضحة. حيث أضاف: «إننا لا نستخدم ذات الأدوات التي تُستخدم في صناعة البصريات حتى تتأكد أن كل شيء على ما يرام».
تضمن هذا العام إجراء الكثير من اختبارات التبريد (وهي اختبار ردود الفعل عند درجات الحرارة شديدة الانخفاض)، وفيها يتم إنزال الهيكل الصندوقي الشكل الذي يضم الكاميرات بالأشعة تحت الحمراء - والمسمى نموذج الآلة العلمية المتكاملة (ISIM) - في غرفة فارغة يبلغ ارتفاعها 60 قدما لدى مركز غودارد. يتم إفراغ الغرفة من الهواء لمحاكاة الظروف في الفضاء، ويتم ضخ النتروجين السائل في الغرفة الداخلية وضخ الهليوم فائق البرودة في غرفة مصغرة داخلها. وتواجه حزمة الكاميرات الأربع درجات حرارة تبلغ 11 درجة كيلفن، وهي تساوي 262 درجة مئوية تحت الصفر (440 درجة فهرنهايت تحت الصفر).
يفسر المهندس غايتنر ذلك بقوله «إن أكبر إجهاد لا يأتي من اهتزاز السفينة الفضائية أثناء الإطلاق، بل من انكماش الجسم بأكمله حينما يتعرض للبرودة الفائقة، لذلك هناك قدر عظيم من الإجهاد على المفاصل وهي تحاول تمزيق نفسها بنفسها».
وقد اجتاز نموذج الآلة العلمية المتكاملة (ISIM) اختبار التبريد في شهر يوليو (تموز) ، ثم جرى تدفئته إلى درجة حرارة الغرفة ثم إزالته من غرفة التبريد في شهر أكتوبر (تشرين الأول). وهو يحتاج إلى التفكيك ثم إعادة التجميع مرة أخرى من أجل الاختبارات النهائية المقررة في العام المقبل. ويعني اختبار كل شيء مرتين أن تلسكوب ويب سوف يعمل كما يُفترض له أن يعمل، وفقا للمهندس غايتنر. ولكن الاختبارات الإضافية حقا مكلفة.
* خدمة «واشنطن بوست»
(خاص بـ {الشرق الأوسط})



نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات
TT

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

لطالما رغب المبرمج المصري عاصم صبري في نموذج ذكاء اصطناعي يُمثل ثقافته. لكن المشكلة تكمن في عدم عثوره على نموذج مثل هذا. ويقول صبري: «صناعة الذكاء الاصطناعي في مصر... غير موجودة». لذا قام ببناء نموذجه الخاص: «حورس»، نسبةً إلى إله السماء المصري القديم.

«حورس» على منصة «Hugging Face»

«حورس» للذكاء الاصطناعي

يقول صبري إن الهدف كان التوقف عن «الاعتماد على نماذج أخرى، مثل النماذج الأميركية أو الصينية»، والتوجه بدلاً من ذلك عن شكل النموذج الذي يُركز بشكل أكبر على الثقافة المصرية. ولجعل «حورس» يعمل، قام بتدريبه باستخدام وحدات معالجة الرسومات من «غوغل كولاب» Google Colab ومزودي خدمات سحابية آخرين، إلى جانب مجموعات بيانات مفتوحة المصدر. وقد حقق النموذج، الذي تم إصداره في أوائل أبريل (نيسان) الحالي، أكثر من 800 عملية تنزيل في أسبوعه الأول على منصة «Hugging Face».

انحصار لغوي

ويُعدّ صبري واحداً من بين عدد متزايد من المطورين الذين يسعون لتصحيح خللٍ مزمن في مجال الذكاء الاصطناعي. فالنماذج تتقن الإنجليزية، وإلى حدٍّ أقل، الصينية، لكنها أقل كفاءةً بكثير في معظم اللغات الأخرى. واللغات التي تُصنّف على أنها لغات أقلية، هي في الواقع لغات الأغلبية العالمية. ومع ذلك، وبفضل طريقة تدريب النماذج (على كميات هائلة من البيانات المُستخرجة من الإنترنت)، بالإضافة إلى اقتصاديات صناعة التكنولوجيا، تبقى الإنجليزية هي اللغة المهيمنة.

فجوة اللغات

في عام 2023، نشرت الباحثة علياء بهاتيا، بالتعاون مع زميل لها في مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، دراسةً تُشير إلى أن اللغات غير القياسية «ضاعت في الترجمة» بسبب تأثيرات التنعيم والحوافز التجارية التي تُشكّل شركات التكنولوجيا الكبرى. ففي خضمّ التهافت على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، أعطت الشركات الأولوية لدعم اللغة الإنجليزية، ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية بيانات التدريب، ولم تبذل جهداً يُذكر لسدّ هذه الفجوة.

لسنوات، عزّزت الاعتبارات الاقتصادية هذه المشكلة. فتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي مُكلف، ولا تملك الشركات حافزاً يُذكر لتطوير نماذج تدعم مجموعات لغوية أصغر حجماً دون عائد واضح.

نماذج محلية

وقد بدأ هذا الوضع بالتغيّر أخيراً، أدى صعود نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، بالتزامن مع تشديد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لحدود الرموز الرقمية، إلى فتح المجال أمام الشركات الصغيرة. يقول صبري: «قبل عامين، لم يكن الذكاء الاصطناعي بمثل هذه الكفاءة، ولم تكن نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. أما الآن، فيمكننا بناء نماذجنا الخاصة من الصفر».

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات. وتشير بهاتيا إلى أن «بعض العوائق لا تزال قائمة فيما يتعلق بالحوسبة، والبنية التحتية، والتمويل»، وهو ما يمثل مجتمعاً «عائقاً كبيراً». ومع ذلك، فإن التقدم واضح.

من اميركا اللاتينية إلى آسيا

وما يتبلور ليس نظاماً بيئياً رسمياً بقدر ما هو شبكة عالمية غير رسمية من النماذج ذات التركيز المحلي: Apertus السويسرية، و Latam-GPT في أميركا اللاتينية، وN-ATLaS النيجيرية، و Sahabat-AI الإندونيسية، وSEA-LION السنغافورية، وGreenMind الفيتنامية، وOpenThaiGPT التايلاندية، وTeuken 7B الأوروبية. يقدم كل منها بديلاً للنماذج السائدة من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«علي بابا».

جهود شعبية

لا تزال بعض الجهود شعبية، مثل جهود صبري. بينما تحظى جهود أخرى بدعم مؤسسي. وعلى سبيل المثال، يُعدّ مشروع «أبيرتوس» ثمرة تعاون بين جامعتين سويسريتين والمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة، الذي ساهم بأكثر من 10 ملايين ساعة معالجة رسومية، أي ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات في الحوسبة التجارية.

إلا أن معظم المشاريع تعمل على نطاق أصغر بكثير من ذلك. ومع ذلك، فإن القدرة على تدريب ونشر نماذج محلية بتكلفة منخفضة نسبياً تُغيّر قواعد اللعبة. فقد سجّلت نسخة مُحسّنة من برنامج «لاما 3.2» التابع لشركة «ميتا»، الذي تم تدريبه على 14,500 زوج من الأمثلة القانونية الهندية، ما يزيد قليلاً على 1000 عملية تنزيل منذ أوائل أبريل (نيسان). وهذا جانب مُتخصص، لكنه ذو أهمية. وكان من الصعب تبرير الاستثمار فيه اقتصادياً حتى وقت قريب.

توسيع السوق

يشير هذا الإقبال المبكر إلى وجود سوق أوسع من السوق السائد. كما أنه يطرح تساؤلاً أمام كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. تقول بهاتيا: «ما تقدمه هذه البدائل هو دليل على إمكانية بناء أنظمة تمثل بشكل أفضل أغلبية المستخدمين واللغات في العالم، طالما أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى ترغب فعلاً في الاستفادة من هذه التجارب والتعلم منها».

* مجلة «فاست كومباني».


«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي
TT

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

لطالما قورن الذكاء الاصطناعي بالذكاء البشري، لكن هذه المقارنة قد لا تكون الأنسب؛ فما يُجيده الذكاء الاصطناعي حالياً يُمكن أن يُساعد في التنبؤ بالوظائف التي قد يحلّ محلّها.

تلميذ رياضيات متفوق

يمكنك أن تقول اليوم ما تريد عن إمكانية وصول الذكاء الاصطناعي يوماً ما إلى ذكاء الإنسان. على سبيل المثال أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل تلميذاً مُتفوقاً في الرياضيات؛ ففي الصيف الماضي، أجاب نظام ذكاء اصطناعي من تطوير «غوغل» و«أوبن إيه آي» إجابة صحيحة على خمسة من أصل ستة أسئلة مُعقدة في أولمبياد الرياضيات الدولي، وهي مُسابقة سنوية لأفضل طلاب المدارس الثانوية في العالم.

قصور وسذاجة

مع ذلك، قد يكون المنطق السليم للذكاء الاصطناعي ما زال قاصراً بعض الشيء؛ فبعد بضعة أشهر، لاحظ أنورادها ويرامان، مهندس برمجيات في سريلانكا، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تُعاني في الإجابة عن سؤالٍ بسيطٍ للغاية، قد يبدو مُضحكاً للبعض. فعندما أخبر عدداً من برامج الدردشة الآلية أنه بحاجة إلى أخذ سيارته بهدف تصليحها في ورشة تبعد 50 متراً فقط، وسألها إن كان عليه المشي أم القيادة، نصحته البرامج بالمشي!

«الذكاء المتذبذب»

إنّ الطريقة الغريبة التي يبدو بها الذكاء الاصطناعي عبقرياً في لحظة، وغبياً في أخرى، هي ما يُطلِق عليه الباحثون والمهندسون والاقتصاديون مصطلح «الذكاء المتذبذب» (jagged intelligence) (حرفياً «الذكاء المسنّن» أي غير الانسيابي - المحرِّر) . وهم يستخدمون هذا المصطلح لتفسير سبب تقدّم الذكاء الاصطناعي بسرعة في بعض المجالات، كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، بينما لا يزال يُكافح لتحقيق تقدّم في مجالات أخرى.

قد يُساعد هذا المصطلح، الشائع الاستخدام بين مُطوّري الذكاء الاصطناعي ومُحلّلي آثاره، في إعادة صياغة النقاش الدائر حول ما إذا كانت هذه الأنظمة تُصبح بذكاء البشر، أو حتى أذكى منهم.

أفضل... وأقل ذكاء

ويرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي شيء مختلف تماماً؛ فهو أفضل بكثير من البشر في بعض المهام، وأقل ذكاءً بكثير في مهام أخرى. كما يُمكن أن يُساعد فهم نقاط القوة والضعف هذه الاقتصاديين على فهم أفضل لما يعنيه الذكاء الاصطناعي لمستقبل العمل؛ إذ وبينما يوجد سببٌ للقلق لدى المُبرمجين المبتدئين بشأن وظائفهم على سبيل المثال، فليس من الواضح - على الأقل في الوقت الراهن - كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على أنواع العمل الأخرى.

لكن مُراقبة المجالات التي يبدأ فيها الذكاء الاصطناعي بتحقيق تحسينات سريعة قد تُساعد في التنبؤ بأنواع الوظائف التي ستتأثر بهذه التقنية.

وقال ويرامان: «يختلف أداء هذه الأنظمة، وليس من السهل التنبؤ بموعد عجزها عن أداء مهام يستطيع الإنسان القيام بها».

الدماغ البشري: ترابط المعارف وقدرات حل المشكلات

وقد صاغ مصطلح «الذكاء المتذبذب» أندريه كارباثي، أحد الباحثين المؤسسين لشركة «أوبن ايه آي»، والرئيس السابق لقسم تكنولوجيا القيادة الذاتية في شركة «تسلا»، وأحد أبرز المعلقين على صعود الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2024: «بعض الأشياء تعمل بكفاءة عالية (وفقاً للمعايير البشرية)، بينما تفشل بعضها الآخر فشلاً ذريعاً (أيضاً وفقاً للمعايير البشرية)، وليس من السهل دائماً التمييز بينهما».

وكتب أن هذا يختلف عن الدماغ البشري، «حيث تترابط كثير من المعارف وقدرات حل المشكلات ترابطاً وثيقاً وتتحسن بشكل خطي معاً، من الولادة إلى البلوغ».

التأثير على الوظائف

منذ أن بدأت «أوبن أيه آي» في مجال الذكاء الاصطناعي. مع ازدهار قطاع التكنولوجيا في عام 2022، تذبذبت تصريحات المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا بين التحذير من أن ابتكاراتهم الجديدة قد يكون لها تأثير مدمّر على وظائف ذوي الياقات البيضاء، والتقليل من شأن تأثيرها طويل الأمد على التوظيف.

حتى الآن، وخارج قطاع التكنولوجيا، لا توجد سوى أدلّة متفرقة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح سبباً في فقدان الوظائف. ولكن بالنظر إلى سرعة تطور هذه التكنولوجيا، يرى العديد من خبراء التكنولوجيا أن مسألة استبدال الذكاء الاصطناعي لأنواع أخرى من العاملين في وظائف ذوي الياقات البيضاء ليست مسألة «هل سيحدث ذلك؟»، بل «متى سيحدث؟».

قبل بضع سنوات فقط، كانت هذه الأنظمة لا تزال في بداياتها، تُظهر مهارات برمجية بدائية للغاية. يقول أليكس إيماس، الخبير الاقتصادي في كلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو: «لقد شهدت هذه الأنظمة تحسينات هائلة. في كل مرة يُطرَح فيها إصدار جديد رئيسي، يُفاجأ الناس بقدراته الهائلة». لكن التكنولوجيا التي تُضيف إلى ما يمكن للعاملين القيام به دون استبدالهم لها سوابق كثيرة، وهذا ما يتوقعه بعض باحثي الذكاء الاصطناعي والاقتصاديين.

أهمية العنصر البشري

منذ ستينات القرن الماضي، كانت الآلة الحاسبة الجيبية قادرة على الجمع والطرح والضرب بسرعة تفوق سرعة الإنسان بكثير. لكن هذا لم يكن يعني أن الآلة الحاسبة يمكن أن تحل محل المحاسب. أما الآن؛ فبإمكان أنظمة مثل «كلود» من أنثروبيك و«كودكس» من «أوبن إيه آي» كتابة برامج حاسوبية بسرعة أكبر بكثير أيضاً. لكنها لا تجيد فهم كيفية اندماج كل جزء من الرموز الكومبيوترية في تطبيق برمجي أكبر؛ فهي تحتاج إلى مساعدة بشرية في ذلك.

يقول الدكتور إيماس: «إذا كانت الوظيفة تتضمن مجموعة من المهام المختلفة - ومعظم الوظائف كذلك - فستتم أتمتة بعض المهام، بينما لن تُؤتمت أخرى. وفي هذه الحالة، قد يتوفر للعامل وقت أطول للقيام بأمور أهم».

في الشهر الماضي، أطلق فرانسوا شوليه، الباحث البارز في مجال الذكاء الاصطناعي، اختباراً رقمياً جديداً يُسمى «ARC-AGI 3»، ويطلب الاختبار حلولاً لمئات الألغاز الشبيهة بالألعاب دون تقديم أي تعليمات لحلها. يستطيع أي شخص عادي غير مُدرَّب حل جميع الألغاز، لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تعجز عن إتقان أي منها، وفقاً لاختبارات أجراها شوليه.

يقول خبراء مثل شوليه إنه بمجرد أن يُدرك الناس أن الذكاء الاصطناعي ذكاء غير مُتطوّر، فإنهم يُطوّرون فهماً أفضل لكيفية تطوّر الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة، وما قد يكون له من تأثير على سوق العمل. ويقول الدكتور إيماس: «سيعتمد هذا على المهام التي يُؤتمتها، وكيف ومتى».

حدود نتاجات الذكاء الاصطناعي

إن نظم الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود» و«تشات جي بي تي» تتعلم مهاراتها، من خلال تحديد الأنماط في البيانات الرقمية، بما في ذلك مقالات ويكيبيديا، والأخبار، وبرامج الحاسوب، وغيرها من النصوص المُجمّعة من الإنترنت.. لكن هذا لا يكفي.

لا تُمثّل الإنترنت سوى جزء ضئيل من المعرفة البشرية، فهي تُسجّل ما يفعله الناس في العالم الرقمي، ولكنها تحتوي على معلومات قليلة نسبياً عمّا يحدث في العالم المادي.

لا تخطيط ولا أفكار جديدة

وهذا يعني أن هذه الأنظمة قادرة على كتابة رسائل البريد الإلكتروني، والإجابة عن الأسئلة، والتعليق على أي موضوع تقريباً، وتوليد رموز برمجية. ولكن نظراً لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُعيد إنتاج الأنماط التي تجدها في البيانات الرقمية، فإنها لا تُجيد التخطيط المُسبق، أو توليد أفكار جديدة، أو التعامل مع مهام لم تُصادفها من قبل.

* لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً بل مجموعة واسعة من المهارات المختلفة*

يقول شوليه: «لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً، بل يمتلك مجموعة واسعة من المهارات المختلفة».

والآن، تُعلّم شركات مثل «أنثروبيك» و«أوبن ايه آي» هذه الأنظمة مهارات إضافية باستخدام تقنية تُسمى التعلّم المُعزّز. فمن خلال حلّ آلاف المسائل الرياضية، على سبيل المثال، يُمكنها تعلّم أيّ الطرق تُؤدي إلى الإجابة الصحيحة وأيّها لا تُؤدي إليها.

«نعم» في الرياضيات... «لا» في الكتابة الإبداعية

يُجدي هذا الأسلوب نفعاً في مجالاتٍ كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، حيث تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي تحديد السلوك الجيد والسيئ بوضوح؛ فإجابة المسألة الرياضية إما صحيحة أو خاطئة، وكذلك الأمر بالنسبة لبرنامج الحاسوب، فإما أن يجتاز اختبار الأداء أو يفشل.

لكن التعلم المعزز لا يُجدي نفعاً في مجالاتٍ كالكتابة الإبداعية أو الفلسفة أو حتى بعض العلوم، حيث يصعب التمييز بين الجيد والسيئ.

يقول جوشوا غانز، الخبير الاقتصادي في كلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو: «البرمجة - التي يُبدي الجميع حماساً لها حالياً - لا تُمثل كل ما يفعله الذكاء الاصطناعي. ففي البرمجة، يسهل استخدام حلقة التغذية الراجعة لتحديد ما يُجدي وما لا يُجدي».

تطور التكنولوجيا

أما بالنسبة للمستخدمين؛ فغالباً ما يصعب عليهم تحديد ما يُجيده الذكاء الاصطناعي وما لا يُجيده. وعندما يُدرك الناس تماماً نقاط قوة وضعف الأنظمة، تتغير التكنولوجيا.

قال الدكتور غانز: «إنّ عدم استقرار الذكاء الاصطناعي يعني أن المشكلات قد تنشأ من أي مكان. هناك ثغرات، ولا نعرف دائماً أين تكمن». لكن العامل الحاسم هو أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. فالعديد من نقاط الضعف التي أشار إليها الدكتور كارباثي وآخرون في عامي 2024 وبداية 2025 لم تعد موجودة. وستكتشف الشركات أوجه قصور أخرى وتعمل على إصلاحها أيضاً... لذا فان «ثغرات التكنولوجيا تتقلص»، كما قال الدكتور إيماس.

* خدمة «نيويورك تايمز».


منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
TT

منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»

يبدو أن الجميع يطمح للسيطرة على الفضاء. ولكن المشكلة تتمثل في أنه وكلما زاد عدد الأقمار الاصطناعية التي تطلقها الجيوش وتعتمد عليها، ازدادت الحاجة إلى نظام رقابي فعَّال لحماية تلك الأقمار، كما كتبت لورين سي. ويليامز(*).

منصة دعم فضائية

وهنا يأتي دور نظام جديد لقمر اصطناعي مزود بذراع آلية قادرة على تزويد الأقمار بالوقود اللازم: منصة«ميدنايت» من شركة «إم دي إيه» MDA Midnight الكندية هذه، التي كُشف عنها النقاب في ندوة الفضاء في كولورادو هذا الأسبوع. وقالت هولي جونسون، نائبة رئيس قسم الروبوتات والعمليات الفضائية في الشركة، لموقع «ديفنس وان»: «يستطيع هذا القمر الاصطناعي المزوَّد بذراع آلية، الاقتراب من السفن الفضائية الأخرى لفحصها، ومراقبة محيطها، واستكشاف الأجسام المقتربة، والدفاع ضد التهديدات المحتملة عند الحاجة».

التزويد بالوقود بسلامة

وأضافت جونسون أن هذه المنصة تستطيع أيضاً تزويد الأقمار الاصطناعية الأخرى بالوقود باستخدام ذراعه مع الحفاظ على مسافة آمنة من القمر الاصطناعي الذي يحتاج إلى التزويد بالوقود، وضمان استمرارية عمله.

وتابعت: «يتصل الذراع بواجهة تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود، بينما ستعوِّض الروبوتات معدلات الانحراف النسبي لهاتين المنصتين، لتأمين تزوبد القمر الاصطناعي بالوقود بسلاسة تامة».

10 آلاف قمر اصطناعي

وأضافت جونسون: «هناك مساعٍ حثيثة للحصول على مزيد من المعلومات حول الأجسام الموجودة في الفضاء - بما في ذلك ما يزيد عن 10 آلاف قمر اصطناعي - وما تقوم به، ومن يملكها، وأي تهديدات محتملة... ولكن الجزء المفقود من الوعي بالمجال الفضائي كان القدرة على اتخاذ أي إجراء حيال ذلك».

التنافس مع الصين

يأتي إطلاق هذا المنتج بعد أن أعرب الجنرال ستيفن وايتينغ قائد القيادة الفضائية الأميركية عن مخاوفه بشأن تجارب الصين الأخيرة في تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود؛ كما شدَّد في الآونة الأخيرة على ضرورة القدرة على نقل الأقمار الاصطناعية.

وقال وايتينغ أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الشهر الماضي: «ما يقلقني هو أنه إذا طوَّروا هذه القدرة، فسيكون لديهم القدرة على المناورة لتحقيق التفوق كما فعلت الولايات المتحدة لعقود - براً وبحراً وجوَّاً - حيث استخدمنا المناورة لصالحنا». وأضاف: «نحن بحاجة إلى تطوير قدراتنا الخاصة في حرب المناورة لضمان قدرتنا على الاستفادة من المزايا التي طوَّرتها القوات المشتركة على مدى عقود في الفضاء، كما فعلنا في مجالات أخرى».

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «ترييون ميديا».