أفلام مخرجين صنعت السينما

تنتمي لثقافات مختلفة وتعكس أحداثاً إنسانية فارقة

أفلام مخرجين صنعت السينما
TT

أفلام مخرجين صنعت السينما

أفلام مخرجين صنعت السينما

يلقي الناقد السينمائي سمير فريد الضوء على مجموعة من المخرجين والأفلام التي قدموها، وكيف كسروا من خلالها هيمنة السينما الأمريكية وتمردوا عليها، وذلك عبر تجارب مدهشة تنتمي إلى ثقافات وبلدان مختلفة... الكتاب بعنوان «مخرجون واتجاهات في سينما العالم». وكان المؤلف قد دفع الكتاب للطباعة، لكن لم ينشر إلا بعد رحيله عام 2017، وأصدرته مجدداً الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة بمصر ضمن سلسلة «آفاق السينما».

«الندم» من الاتحاد السوفياتي السابق

يستهل سمير فريد كتابه بالحديث عن فيلم «الندم» للمخرج الروسي تنجيز أبولادزي الذي فاز بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان «كان» 1987، مشيراً إلى أنه أحد أهم الأفلام في السينما المعاصرة، ولم تكن صدفة أن اختير من بين كل الأفلام الممنوعة التي تنتمي لحقبة الاتحاد السوفياتي والتي صرح بعرضها في عهد الرئيس جورباتشوف.
وقد ولد أبولادزي في جورجيا وتخرج في معهد السينما عام 1952، وعبر 32 سنة أخرج 5 أفلام قصيرة و6 أفلام طويلة؛ منها «مكاننا» و«فرقة جورجيا» و«قلادة من أجل حبيبتي» و«الندم» 1984، كما فازت أفلامه بـ11 جائزة دولية؛ أولاها السعفة الذهبية لأحسن فيلم قصير في مهرجان كان 1956 عن فيلم «روج ماجدان». وحول خصوصية عالمه الفني تقول الناقدة السوفياتية لاتافراد ولايدزي: «إنها ليست مجرد أعمال فنية، لكنها أحداث ثقافية لا تعكس فقط اتجاهات الرسم والموسيقى والأدب، بل العمارة، لكنها تمهد الأرض لمزيد من التطور في الفنون».
تدور أحداث «الندم» عن عمدة مدينة ما في مكان ما. إنه ديكتاتور وطاغية يدعى «فارلام أرافيدزي»، من بين من يضطهدهم رسام يدعى شاندور باراتيللي هو وزوجته نينو لأنهما يقاومان طغيانه، خصوصاً عندما يتعرض المعبد القديم للخطر بإنشاء مصنع داخله. وإزاء رفض الفنان وزوجته الخضوع لفارلام يعتقلهما ويأمر بتعذيبهما فيموتان، من التعذيب وتقرر كتفيتان ابنتهما الانتقام لوالديها. يشير الفيلم إلى قضية الطغيان السياسي، ففارلام له وجه الديكتاتور السوفياتي ستالين وشارب هتلر وملابس موسوليني السوداء، فضلاً عن حبه لإلقاء الخطب من الشرفات المطلة على الميادين الفسيحة. ويبرز التطابق بين فارلام وستالين من خلال مكتبه الخشبي الذي يشبه مكتب ستالين كما نراه في الأفلام التسجيلية.

«معسكر» من السنغال

وعن عثمان سمبين الكاتب والروائي السنغالي، يرى سمير فريد أنه له الفضل في تحويل لغته الوطنية «الولوف» إلى لغة للأدب عبر إحيائها من جديد بعد سنوات من الاستعمار الفرنسي الاستيطاني الذي عمل على إفناء اللغة الوطنية في السنغال، كما فعل في الجزائر بالنسبة للغة العربية. وقد ترجمت بعض رواياته أخيراً إلى العربية في بيروت.
أخرج سمبين أفلاماً قصيرة تسجيلية وقصصية منذ عام 1963 إلى 1972، كما أخرج ستة أفلام روائية منها «فتاة سوداء»، و«اللامنتمي»، و«معسكر تيروي»، الذي أخرجه وكتبه مع ثير نوفاتي سو وصوره إسماعيل الأخضر حامينا ابن المخرج الجزائري المعروف محمد الأخضر حامينا، ويعبر الفيلم عن ذروة نضج مبدعه، ويعد درة التاج في السينما الأفريقية 1988.
يبدأ فيلم «معسكر تيروي» بمشهد مؤثر للحظة وصول القوات الأفريقية التي كانت تقاتل في فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية إلى ميناء داكار، ثم ترحيل هذه القوات إلى معسكر تيروي، وهو معسكر انتقالي قبل أن يعود كل مقاتل لبلدته. كانت هذه القوات من عدة دول كالسودان والسنغال وساحل العاج وتوغو والغابون. أفرادها مرهقون، ينتابهم إحساس خفي بالفرح، لكنه مكبل تحت مشاعر أخرى متناقضة أبرزها الخوف من المجهول. ورغم تشابه أحداث القصة مع عدد من الوقائع الحقيقية في حياة المخرج، فإنها ليست سيرة ذاتية للفنان، فهو لم يذكر اسمه في الحوار غير مرة واحدة على سبيل السخرية. ويأتي العمل بشكل عام كتعبير درامي عن العلاقة التاريخية بين الشرق والغرب، أو بالأحرى بين العرب والأفارقة من جانب، والغرب الاستعماري من جانب آخر.
ومن أجمل مشاهد الفيلم، وأكثرها إبداعاً مشهد «دياتا» وهو يدخل أحد مقاهي الحي الفرنسي في داكار ويضع ربطة العنق الخاصة بالجنود الأميركيين حتى تتصور صاحبة المقهى أنه أميركي، تحديداً أميركي أسود. وعندما تكتشف المرأة التي يبدو أنها تدير نشاطاً منافياً للآداب، أنه سنغالي تصيح: النجدة هنا رجل أسود!
ويوضح المؤلف أن المعنى هنا أن الأميركي الأسود ليس أسود، وإنما هو أميركي بالنهاية، أما السنغالي فهو أسود لأنه سنغالي.

«أناس الأرز» من كمبوديا

ويستعرض الكتاب فيلم «أناس الأرز» أول فيلم من كمبوديا يعرض في مسابقة مهرجان «كان»، كما أنه أول فيلم روائي لمخرجه ريتي بان في الوقت نفسه، حيث يثبت بهذا العمل أنه صاحب موهبة حقيقية ورؤية مختلفة. اعتقل ريتي عام 1975 وهو في الحادية عشرة من عمره عندما استولى «الخمير الحمر» على الحكم في بلاده، لكنه تمكن من الهرب إلى فرنسا 1979 وحصل على اللجوء السياسي ودرس في معهد «ايديك»، وأخرج ثلاثة أفلام تسجيلية قبل أن يخرج فيلمه الروائي الأول «أناس الأرز».
أخذ ريتي سيناريو «أناس الأرز» عن رواية معروفة للكاتب الماليزي شانون أحمد، لكن بينما تدور الرواية في قرية من قرى ماليزيا وعن سكان من المسلمين غيّر ريتي المكان من ماليزيا إلى كمبوديا وجعل سكانها من البوذيين وهم الأغلبية الساحقة في كمبوديا. وهذا التغيير منطقي تماماً لأنه يريد أن يصنع فيلماً عن الأرض التي ينتمي إليها والشعب الذي يعرفه.
ويشير فريد الى أن قصة الفيلم نموذجية بمعنى أنها لا تتضمن كثيراً من الأحداث الدرامية، وبذلك تعطي الفرصة للتعبير بمفردات اللغة السينمائية الخالصة. إنها قصة الفلاح بوف الذي يعيش مع زوجته في منزل صغير من منازل إحدى قرى كمبوديا، حيث يزرع الفلاحون الأرز ويعيشون على حصاده، كما أنه طعامهم المفضل إن لم يكن الوحيد إلى جانب الأسماك التي يصطادونها من النهر.
يعاني بوف من الفقر مثل غيره من الفلاحين، ولكنه يعاني أيضاً من كثرة أطفاله وكلهن من البنات، ويجاهد الرجل ليل نهار وتعاونه زوجته، لكنه يمرض ويموت وتحاول أرملته أن تحل محله، لكنها تفشل وتفقد عقلها وتحاول الابنة الكبرى سوكا أن تحل محل والديها وتراعي أخواتها وتستمر الحياة بصعوبة هائلة.
ويلفت المؤلف إلى أن الفيلم مثل كل الأفلام السينمائية الكبيرة لا يطرح معانيه من خلال الأحداث، وإنما أساساً من خلال أسلوبه في التعبير عنها، وهو أسلوب واقعي كلاسيكي صارم يقوم على التناسق والاتزان في التكوين والإيقاع والسيطرة التامة على أحجام اللقطات والعلاقة بين الصوت والصورة.

«مناخات» من تركيا

وفي حديثه عن السينما التركية، يستشهد سمير فريد بقول لنجيب محفوظ: «إن فناناً سينمائياً واحداً كبيراً يكفي لوضع السينما المصرية أو أي سينما على خريطة الفن السابع في العالم»، وهو يذكر هذا القول عند مشاهدته فيلم فنان السينما التركي نوري بلجي سيلان الذي عرض في مهرجان 2006 عام وعنوانه «مناخات» إنتاج فرنسي - بلجيكي مشترك. ويقول فريد إن سيلان، هو أول مخرج يضع السينما التركية على خريطة السينما العالمية منذ الراحل يلماظ جوناي الذي فاز بالسعفة الذهبية 1982 عن فيلمه «الطريق». لكن بينما كان جوناي مخرجاً واقعياً، فإن سيلان مخرج ذاتي الطابع إذا صح التعبير، فهو ينتمي إلى صناع «سينما التأمل» مثل المصري شادي عبد السلام والتونسي ناصر خمير والسويدي المعلم الأكبر إنجمار برجمان والروسي أندريه تاركوفسكي، حيث يتم التعبير بلغة السينما وحدها وليس بترجمة السيناريو من لغة الأدب إلى لغة الشاشة، حيث يستحيل التعبير عن معانيه إلا بلغة السينما. لا شيء يحدث بالمعنى الدرامي التقليدي بين الأستاذ الجامعي عيسى وزوجته «بحر» مصممة الديكور في التلفزيون. الفيلم يبدأ وهما في إجازة صيف في مدينة كاس، ومن خلال المسافات التي تفصل بينهما في الكادرات ونظرات كل منهما التي نراها بمعزل عن نظرات الآخر ندرك أن العلاقة بينهما كزوجين قد تحطمت. «إننا لا نعرف أسباباً محددة لذلك. هناك إشارة إلى فارق السن بينهما، ولكن لا تبدو هذه هي المشكلة الحقيقية من خلال السياق. إنها المسافات بين البشر والذاتية التي تجعل كل إنسان وحيداً في عالمه الداخلي».



الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». لم يلحظ النقاد أنّ الحارث ليس مجرد ناقل للأحداث بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي

والأخلاقي في آن واحد


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.