إشكالية التجنيس بين الرواية والشعر والملحمة

«لبابة السر» لشوقي كريم نموذجاً

اللوح الأول من ملحمة جلجامش
اللوح الأول من ملحمة جلجامش
TT

إشكالية التجنيس بين الرواية والشعر والملحمة

اللوح الأول من ملحمة جلجامش
اللوح الأول من ملحمة جلجامش

تثير رواية «لبابة السر» للروائي شوقي كريم (2020) مجموعة من الإشكاليات منها: إشكالية تجنيس الرواية. فالرواية تهبط إلى القاع التاريخي لحضارة وادي الرافدين، وبشكل خاص في بابل وسومر، وتعيد بناء فضاء تأريخي تخييلي وافتراضي تتحرك فيه شخصيات الرواية، عبر تعالق خفي بين الماضي والحاضر، حتى لتتحول الرواية إلى مرموزة أليغورية تتخذ من التاريخ حاضنة لها، للتعبير عن سيرورة نسغ الاستبداد الممتد منذ أولى الحضارات وصولاً إلى العصر الحاضر، للوصول إلى «سر الأسرار» أو ما سماه المؤلف في عنوان الرواية «لبابة السر» في ملاحقة لتناسل أنماط الاستبداد والهيمنة والتحكم بمصائر الفرد العراقي عبر التاريخ.
تتخذ الرواية من بنية الميتاسرد إطاراً سردياً لها من خلال قصدية عملية التدوين على الرقم الطينية التي يقوم بها المدون أو «الرقّام» شوقياً، وهو اسم المؤلف الأول «شوقي» مكيفاً مع الأسماء التاريخية ليتنزل منزلة الآلهة، حتى ليذكرنا ببروميثيوس الذي سرق أسرار النار والمعرفة وسلمهما إلى الإنسان، أو بشخصية رسول الآلهة ومؤول خطاباتها (هرمس)، وربما ببطل رواية «أوراق معبد الكتبا» للروائي الأردني هاشم غرايبة المسمى «سفيان الثمودي»، رئيس النساخين في مملكة الأنباط في بترا.
كما أن الرواية عبارة عن متن مدون على رقم طينية كان يكتبها بانتظام الرقام (شوقياً) منذ نعومة أظفاره عندما كان حدثاً، إلى أن شبّ ونضج وراح يكتشف الحقائق والأسرار من خلال سلسلة الأسئلة التي كانت تحاصره، إلى أن حدث التحول الحاسم في شخصيته، وانكشفت له الرؤيا، بعد أن كان مجرد حدث تكنوقراط في مكاتب المعابد مطيع، ومنفذ لأوامر وتوجيهات الكهنة والآلهة كنموذج امتثالي إلى شاب ناضج متمرد رافض لكل هذا الإرث الكريه الذي أتاح حق الهيمنة على البشر واستغلالهم، وهو حق مزور وغير مشروع، ذلك أن البشر ليسوا بحاجة أصلاً إلى سلطة الكهنة، في ثورة فكرية وفلسفية رافضة لكل أشكال الميتافيزيقيا.
إن هذه النقلة في وعي البطل جعلت منه شخصية نامية ومتطورة. وقد أدى هذا الموقف المتمرد الرافض إلى تعريض المدون أو الرقّام (شوقياً) إلى صنوف من التعذيب والاستجواب، لكنه ظل حتى النهاية يحلم بغد أجمل لأرض السواد التي كانت دائماً عامرةً بالرجاء، وهذا ما اختتم به المدون كلمات الرواية الختامية:
«أنا شوقياً/ البابلي المنشأ... أدوّن ما يمكن تدوينه، لكني أبداً، أبداً أظل مشدوداً إلى فكرة قالها حلمٌ قد مضى:
- يا، لأرض السواد: كم أنت عامرة بالرجاء». (ص 46)
وربما، لأن الروائي اختار التاريخ الرافديني البابلي والسومري تحديداً، في زمن التدوين على الرقم الطينية فقد وجد نفسه قريباً من نمط الكتابة في ذلك العصر، وبشكل أخص الشكل الملحمي، واللغة التأملية والتضرعية، فجاءت الرواية تحاكي البنية الملحمية، تحديداً في «ملحمة جلجامش»، حيث نجد تناصات كثيرة بين النصين، فضلاً عن استثمار لغة التراتيل والتضرعات والطقوس الدينية في المعابد البابلية والسومرية. إلا أن رواية «لبابة السر» لا تخرج عن إطار تجنيسها رواية «فنية حداثية» تأخذ من الأسلوب الملحمي ولغته، دون أن تصبح جزءاً منه. ففي الصفحات الأخيرة من الرواية نجد تراتيل تمجد البطل، بأسلوب ملحمة جلجامش «هو الذي جاء ليعرف سر الخلود، فغني باسمه يا بابل... هو الذي رأى كل ما يؤذي النفوس». (ص438)
في مغامرة بطل الرواية (شوقياً) للكشف عن «لبابة السر» ولبابة المعرفة، يتخلى عن منظوره العرفاني، الميتافيزيقي الذي فرضته الآلهة على الناس، وينتقل إلى منظور برهاني متمرد ورافض لسلطتها على البشر، من خلال الدعوة لتحرير البشر وعقولهم من أي سلطة من سلطات الاستبداد والهيمنة. وتتحقق هذه النقلة الفكرية الجذرية عبر طرح سلسلة من الأسئلة الفلسفية والوجودية عن معنى الوجود الإنساني، حيث تظل لازمة البطل المتكررة «أريد أن أعرف معنى وجودي» لازمة متكررة في كثير من حوارات البطل وتأملاته ومدوناته. كما يقذف البطل بأسئلة محرقة بوجه معلمه الذي يدعوه إلى امتلاك ناصية المعنى:
«لن يكون لخطوتك وقعٌ في صحراء المعرفة إن لم تكن مصحوبة بالمعنى». (ص 2)
«يعني ماذا معلمي... وأنا جالسٌ دونما معنى؟
معنى نفسك، معناها!». (ص 29)
وهكذا يجد البطل الشاب، الباحث عن المعرفة، نفسه وجهاً لوجه أمام المقولة السقاطية «اعرف نفسك». ولم تكن عملية الوصول إلى حافة الرؤيا سهلة، فقد مر البطل بصيرورة وعي جديدة ومعاناة ومكابدة فكرية وصوفية عميقة. إذْ جاءته لحظة الكشف والرؤيا بعد تكريس خاص بمباركة «ديموزي» و«عشتار» و«سين»:
«من أين أتتك الرؤيا يا فتى؟
- لا أدري معلمي، لكنني رأيت!». (ص 24)
ويمكن القول إن رواية «لبابة السر» تنفرد عن روايات المؤلف الأخرى وربما عن المتن الأكبر من الروايات العراقية، بانشغالها بهذا الهم الفلسفي، ما يمنحها خصوصيةً وتفرداً في هذا المجال. لكننا نأخذ على الرواية افتقادها إلى حبكة مركزية نامية ومتصاعدة، وبناءها على محور فكري وذهني وفلسفي حواري، دون وجود فعل أو حركة داخلية، وربما تحاوري من خلال إقامة سلسلة من الحوارات الثنائية بين بطل الرواية (شوقياً) مع شخصيات ثانوية منها معلمه، تذكرنا إلى حد كبير بمحاورات سقراط مع تلامذته في «جمهورية أفلاطون». ولذا فقد ظلت الحبكة ساكنة زمنياً ومكانياً إلى حد كبير، ولم نجد إلا زحزحة جزئية، وربما مكانية في تضاريس الحبكة.
كما أن الرواية، من الجهة الأخرى ظلت تزاوج بين لغة السرد ولغة الشعر الملحمي. فعلى مستوى السرد، يمكن أن نعد الرواية بوصفها مدونة كتابية سردية تضم أحد عشر رقيماً، وهو عدد الألواح التي تتكون منها «ملحمة جلجامش»، لكننا نكتشف رقماً أخرى تحمل أرقاماً أعلى موزعة عشوائياً داخل الرواية مثل الرقيم الرابع عشر. وفضلاً عن ذلك لا يمكن أن نتجاهل وجود عدد من العتبات النصية منها «توضيح المقصد» الذي يقصد منه الإيهام أو للتمويه على القارئ والإيحاء بأن النص الروائي لا يمت بصلة إلى الحاضر وشخصياته.
ومن هنا يمكننا الجزم بأن رواية «لبابة السر» هي رواية عن الحاضر العراقي، بقدر ما هي رواية عن الماضي، تحديداً عن الواقع العراقي الرافديني في عصور آشور وبابل وأوروك ونفر، والوركاء، وهي تهدف إلى الكشف عن جوهر أو «جرثومة» الاستبداد التي تناسلت وتواصلت عبر تاريخ العراق الطويل والمتمثلة في سلطة الآلهة والأرباب والكهنة على مقدرات الناس. وخلال ذلك تعلو صرخة بطل الرواية (شوقياً) لرفض هذه السلطة، لأن الناس ليسوا بحاجة إليها لتقرير مصيرهم، وإدارة شؤونهم بحرية، بعيداً عن أي تدخل عرفاني أو ميتافيزيقي، كأن المؤلف يطرح ميثاقاً جديداً للفصل بين سلطة الكهانة الميتافيزيقية وسلطة السياسة الزمانية، التي هي برهانية في جوهرها.
وفي هذه المدونة نرى هيمنة بنية السرد الروائي، المبأر، في الغالب من خلال السرد المدون على الرقم الطينية الذي دوّنه بطل الرواية شوقياً، الذي يتحدث فيه أحياناً بضمير المتكلم الأوتوبيوغرافي (أنا):
«كنت أبصر الأكباد تطير بتثاقل». (ص 13)
وقد يعمد المؤلف إلى توظيف ضمير الغيبة (هو) للحديث عن شخصية البطل بوصفه ذلك الفتى الذي يحترق بالسؤال، وهو توظيف فني مبأر يعبر عن «أنا الراوي الغائب» بتعبير تودوروف: «ولكن ليس ثمة من يسمع همس فتى يحترق بالسؤال، فتى كان ذات يوم صبي معلم يكتب حكايات الأزمنة الغابرة».
كما وجدنا مواضع كثيرة يهيمن فيها سرد الراوي العليم، غير المبأر، لكنها لم تؤثر على مركزية السرد المبأر للراوي المركزي بطل الرواية (شوقياً).
وإلى جانب هذه البنية السردية، نجد حضوراً قوياً لبنية الشعر، وبشكل خاص الشعر الملحمي، في صياغات فيها الشيء الكثير من الشعرية والخيال والأساليب البلاغية، ومنها الاستعارة والتشبيه والصورة والانزياح وما إلى ذلك. وإذا كانت بعض هذه المقاطع الشعرية تقيم تناصات واضحة، أسلوبياً ورؤيوياً، مع الشعر الرافديني، وبشكل خاص مع شعر ملحمة جلجامش و«نشيد الإنشاد»، فإن ثمة مستويات أخرى للخطاب الشعري تبرز في ثنايا الرواية تنطوي على مقاطع لقصيدة النثر، وأحياناً لشعر التفعيلة، فضلاً عن وجود أناشيد وأغانٍ متنوعة.
رواية شوقي كريم هذه مغامرة في الكتابة السردية حاولت أن تصنع شكلاً سردياً خاصاً بها، تزاوج فيه بين البنية السردية والبنية الشعرية، وبنية الملحمة الرافدينية، وتقيم في الوقت ذاته تعالقاً بين الحاضر والماضي، في لعبة سردية ماكرة، توهم القارئ، وتدفعه إلى التأمل والمراجعة لاكتشاف لعبة الإيهام هذه. ولذا فالرواية بحاجة إلى قارئ من نوع خاص يمتلك معرفة بتاريخ الحضارات العراقية القديمة، فضلاً عن تاريخ العراق السياسي وتناسل أشكال الاستبداد والقمع والعنف فيه. كما يتعين على هذا القارئ أن يدرك الفواصل الفنية بين الأجناس الأدبية وحدود تداخلها ويضع ذلك كله نصب عينيه، وهو يفك بصعوبة أسرار هذه اللعبة السردية مثلما حاول الروائي ذاته أن يفك الأسرار أو «لبابة السر» في محنة الوجع العراقي المتواصل عبر التاريخ.



تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
TT

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)

زيّن تمثال للشاعر المصري الراحل فؤاد حداد «بيت الشعر العربي» في القاهرة (بيت الست وسيلة)، بعد أن أزاح المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، الستار عن التمثال الذي أهداه لـ«بيت الشعر» الفنان المصري أسامة السروي.

جاء إهداء التمثال ضمن فعاليات صالون أحمد عبد المعطي حجازي الذي يقام في «بيت الشعر العربي»، وسط حضور كبير من الشعراء والمبدعين ومحبي الشعر في أمسية حملت عنوان أحد رواد شعر العامية المصرية «في حضرة فؤاد حداد» حضرها نخبة من الشعراء من بينهم أحمد عبد المعطي حجازي والشاعر أمين فؤاد حداد.

ويعد فؤاد حداد (1927 - 1985) من آباء شعراء العامية المصرية، ويأتي هذا التمثال تقديراً لقيمته بوصفه أحد أبرز رموز قصيدة العامية المصرية، وصاحب تجربة إنسانية ووطنية أسهمت في تشكيل ملامح الشعرية المصرية الحديثة، وتركت أثراً ممتداً في الوجدان الثقافي، وفق بيان لوزارة الثقافة، الاثنين.

احتفال في «بيت الشعر العربي» بتمثال فؤاد حداد (وزارة الثقافة)

ولد فؤاد حداد بحي الظاهر بالقاهرة لأب لبناني وأم سورية، وتعلم فى مدرسة الفرير ثم مدرسة الليسيه الفرنسيتين، واطلع على التراث الشعرى فى الكتب الموجودة بمكتبة والده، كذلك تعرف على الأدب الفرنسى، إثر دراسته للغة الفرنسية، مما أهله لبعض الترجمات الفرنسية، ويعد من رواد القصيدة العامية المصرية، وهو الجيل التالي في قصيدة العامية المصرية بعد بيرم التونسي.

كتب فؤاد حداد العديد من الدواوين الشعرية والأغاني التي قدمها عدد من المطربين، من أهم أعماله «المسحراتي» التي تغنى بها سيد مكاوى عام 1964، وكتب البرنامج الإذاعي «من نور الخيال وصنع الأجيال»، كما قدم لسيد مكاوي أيضاً أغنية «الأرض بتتكلم عربي»، فيما غنى له العديد من المطربين من بينهم محمد منير «الجيرة والعشرة»، وحنان ماضي «ما فيش في الأغاني كده ومش كده»، و«يالعروسة» و«صلينا الفجر فين» لعلي الحجار. وعرف بروحه المصرية الأصيلة واستلهامه التراث في الكثير من أعماله.

وقال المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية، إن إهداء تمثال فؤاد حداد لـ«بيت الشعر العربي» يحمل دلالة ثقافية عميقة، خصوصاً في هذا المكان التراثي الذي يجمع بين الفنون المختلفة ويحتفظ بقيمة معمارية وثقافية تتجاوز حدود المكان.

الفنان أسامة السروي يهدي «بيت الشعر» تمثالاً لفؤاد حداد (وزارة الثقافة المصرية)

وعدّ السطوحي «الالتقاء في هذا الفضاء بين الشعر بوصفه أحد الفنون، وبين التمثال الذي ينتمي إلى فن النحت، وبين جدران معمار تراثي قيم، يعكس طبيعة العلاقة التكاملية بين الفنون في التعبير عن روح الثقافة».

وأعلن الدكتور أسامة السروي أن تنفيذ التمثال استغرق أربعة أشهر، مؤكداً اعتزازه به لما يمثله فؤاد حداد من قيمة إبداعية استثنائية بالنسبة له.

وقال الشاعر سامح محجوب، مدير «بيت الشعر العربي»، إن فؤاد حداد حالة استثنائية في شعر العامية المصري، وهو من الآباء الكبار لفن الشعر، وجاءت أشعاره دائماً تمس نبض الشارع والبسطاء، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الاحتفاء بفؤاد حداد وإهداء تمثال له لـ«بيت الشعر العربي» يدل على القامة الكبيرة التي يمثلها هذا الشاعر في الحركة الشعرية المصرية، على كافة المستويات، سواء الفنية أو الأسلوبية، أو حتى على مستوى الوزن والقافية والصور الجديدة النابضة بالحياة.


«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
TT

«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)

انتقدت «لجنة الدراما» بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمصر، إقحام حياة الفنانين الشخصية في مسلسلات رمضان، إذ رصدت اللجنة عدداً من سلبيات بعض الأعمال التي وقعت في فخ إقحام حياة الفنانين ضمن السياق الدرامي، واستخدام الحوار في بعض المسلسلات لتبادل رسائل مبطنة، إلى جانب وجود مشاهد عنف غير مبررة درامياً.

وجاء بيان «لجنة الدراما»، الأحد، بالتزامن مع جدل «الأكثر مشاهدة»، و«التلاسن العلني»، بين بعض نجوم مسلسلات الموسم الرمضاني خلال الأيام الماضية، الذي تسبب في أزمة كبيرة انتقدتها نقابة «الممثلين» المصرية، ووصفتها بأنها «حالة تراشق»، و«مهاترات»، و«معارك وهمية» غير لائقة، هدفها السعي وراء «الترند»، وأن مثل هذه السلوكيات لا تليق بتاريخ ومكانة الفن المصري.

من جانبها، قالت رئيسة «لجنة الدراما»، الكاتبة والناقدة الفنية المصرية ماجدة موريس، إن اللجنة رصدت وجود بعض مشاهد من مسلسلات درامية تم إقحام حياة الفنانين فيها دون مبرر، حيث تبين أنها رسائل شخصية يتم تمريرها لأطراف أخرى، وذلك لأول مرة في تاريخ الدراما التلفزيونية التي بدأت منذ ستينات القرن الماضي.

وأكدت ماجدة موريس في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «الدراما يجب أن تكون بعيدة عن الحياة الشخصية، وأن تكون قائمة على سيناريو وكتابة جيدة، لأن المشاهد لا يشغله سوى الحكاية المحكمة التي تحتوي على رسالة توعوية أو محتوى ترفيهي».

وعدّت ما يجرى «مسؤولية فريق العمل كافة بداية من الكاتب والمخرج والمنتج، وغيرهم، ويجب الانتباه إلى هذه النقطة، وتجنب إقحام الحياة الشخصية، كما يجب على النجوم أنفسهم الانتباه لذلك، وتجنب الترويج لحياتهم على حساب الدراما».

جانب من اجتماع لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (فيسبوك)

وتعليقاً على أزمة «الأكثر مشاهدة»، أكدت ماجدة موريس أن الصراع الذي يجري على «السوشيال ميديا»، خلفه فرق إلكترونية تعمل على ترويج بعض المسلسلات، وأن «الأرقام التي يتم الإعلان عنها ليست دقيقة ولا تعكس الواقع، كما أن المشاهد نفسه لا يشغله هذه الصراعات، بل القصة الدرامية الجيدة»، على حد تعبيرها.

وأصدرت «لجنة الدراما» بيانها، عقب مناقشة أعمال النصف الأول من موسم رمضان، لافتة إلى وجود طفرة في عناصر الإنتاج الدرامي، مثل الديكور والتصوير والموسيقى التصويرية والإضاءة والمونتاج.

وأشادت اللجنة بتوجه عدد من المسلسلات إلى إعلاء قيمة اللجوء إلى العدالة في إطار قانوني، من بينها «عين سحرية»، و«الست موناليزا»، و«وكان يا ما كان»، و«حد أقصى»، بعد أن كانت ظاهرة «أخذ الحق باليد»، قد انتشرت في مواسم درامية سابقة، كما أشادت اللجنة بتناول الأعمال الدرامية لقضايا وطنية وقومية واجتماعية، وأبرزها القضية الفلسطينية، عبر مسلسل «صحاب الأرض».

وأشارت اللجنة في بيانها، إلى وجود ضعف في بعض السيناريوهات، خصوصاً في الأعمال التي تمتد إلى 30 حلقة، إلى جانب انتشار ظاهرة الكتابة أثناء التصوير، وضغط الوقت وسرعة وتيرة التصوير للحاق بمواعيد العرض، مما أدى إلى وقوع عدد من الأخطاء التقنية والتنفيذية.

ولفتت اللجنة إلى غياب واضح للأعمال المكتوبة عن «الروايات»، و«الأعمال الأدبية»، إلى جانب غياب الأعمال الكوميدية المتميزة.

من جهته، أكد الناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الدراما حالياً تعاني من ظاهرة «الترند»، حيث يحاول الجميع أن يكونوا في الصدارة، وأن ما يحدث في الوقت الحالي لم يكن في السباق؛ بل كانت المسلسلات الجيدة تحظى بالاهتمام دون الحاجة إلى اللجوء لمثل هذه الأمور غير المبررة.

وأضاف الجمل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض الأعمال الدرامية حالياً تعاني من تخبط كبير، حيث يتم اختراع أخبار وقضايا، وتسريب فيديوهات، وصراعات لتصدر (الترند)، وغياب المؤلف الحقيقي هو السبب في هذه الحالة».


أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
TT

أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)

رحل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً، نتيجة تدهور حالته الصحية. ولم يحضر جنازته سوى قلة من زملائه. فكتب المنتج إيلي معلوف، الذي كان من بينهم: «لا أعرف ماذا أكتب... عجبي أم عتبي؟ أين الوفاء لمن صنع هوية الدراما التاريخية، وصنع أبطالاً على المسرح والخشبة؟ وفي مأتمه ستة أشخاص».

ويُعدُّ غندور أول من كتب حلقة تلفزيونية لبنانية مدتها ساعة ونصف الساعة، ضمن سلسلتي «كانت أيام» و«أديب وقصة». وقد تجاوزت أعماله المائة، بين مسلسلات تلفزيونية وأعمال مسرحية وإذاعية وسينمائية، فضلاً عن أعمال وثائقية عُرضت على شاشات لبنانية وعربية. وطبع الشاشة الصغيرة بأعمال درامية حفرت في ذاكرة اللبنانيين، وأسهم في صناعة نجوم الزمن الجميل للدراما، من بينهم أنطوان كرباج، ونبيه أبو الحسن، وفيليب عقيقي، وإيلي صنيفر.

كتب غندور حبكات درامية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأرض الوطن، وصبغ مؤلفاته بتاريخ لبنان، ناقلاً وقائع من ذاكرته الاجتماعية والسياسية إلى الشاشة، ومحوَّلاً أحداثاً مفصلية إلى حكايات إنسانية قريبة من الناس.

سبق وكرّمته وزارة الإعلام بجائزة «رائد الدراما التاريخية» (فيسبوك)

كما عُرف بقدرته على مزج التاريخ بالدراما، فاستعاد في نصوصه محطات من التراث اللبناني وسِيَر شخصيات تركت بصمتها في المجتمع. وكان حريصاً على تقديم أعمال تُبرز الهوية اللبنانية وتوثِّق تفاصيل الحياة اليومية للناس، فبدت نصوصه أشبه بمرآة تعكس تحوّلات المجتمع وتقلباته عبر العقود. ومن أشهر مؤلفاته «بربر آغا»، و«أخوت شاناي»، و«أربع مجانين وبس»، و«رصيف البارزيانا» وغيرها. كما قدَّم للمسرح أكثر من عمل، بينها «طانيوس شاهين»، و«المير واستير»، و«القبقاب». وكانت له تجربة سينمائية لافتة من خلال فيلم «كلنا فدائيون» عام 1969.

وفي مسلسل «دويك»، من بطولة الراحل عبد الله حمصي المعروف بـ«أسعد»، حفظ اللبنانيون تحية هذه الشخصية الريفية الشهيرة للعاصمة: «صبّحِك بالخير ستنا بيروت».

نقيب الممثلين نعمة بدوي، الذي كانت تربطه علاقة وطيدة بالراحل، أشار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه لا يمكن توجيه العتب لمن غابوا عن جنازة غندور. وقال: «في ظل الحرب التي يشهدها لبنان لا أستطيع لوم أحد لعدم مشاركته في وداع كاتب رائد. لكنني أحمل في قلبي غُصَّة لأنه رحل في جنازة خجولة بحضور محدود وغياب رسمي. فأنطوان غندور كان سيِّد النص الدرامي التاريخي على الشاشة والخشبة، وعرف كيف ينقل تاريخ لبنان إلى أجيال متعاقبة بأسلوب سلس ومشبَّع برائحة التراب. وكان يجدر بنا تقديره بما يليق بقامته الفنية. لكن البلاد برمتها منشغلة بالحرب، كما أن رحيله جاء على عجل، حتى إن ولديه لم يتمكنا من الوصول إلى لبنان لوداعه، إذ يقيمان في دول الخليج».

رحيل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً (فيسبوك)

وكان الراحل أنطوان غندور قد ابتعد في السنوات الأخيرة عن الساحة بسبب تدهور حالته الصحية. وفي آخر ظهور له، خلال تكريمه من قبل «التجمع الوطني للثقافة والبيئة والتراث» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، بدا متعباً وجالساً على كرسي متحرك أثناء تلقيه درعه التكريمي على خشبة مسرح جوزيف أبو خاطر.

ويستذكر النقيب نعمة بدوي مشواره مع الكاتب الراحل قائلاً: «تربطني به علاقة وثيقة. وكان أول من كسر حاجز بيروت الشرقية والغربية عندما طلب مني أداء بطولة مسرحية (المير واستير). يومها تعرَّض لانتقادات لأنه اختار ممثلاً من غير بيئته لتجسيد دور الأمير بشير الشهابي. لكنها كانت خطوة جريئة منه، اعتبرها جسراً لإعادة التواصل بين البيروتَين (بيروت الشرقية وبيروت الغربية) في فترة الحرب».

وُلد غندور في بلدة عين علق المتنية عام 1942، ومنذ طفولته المبكرة مال إلى القراءة والكتابة. ولم يكن قد بلغ العشرين من عمره عندما فقد والدته جميلة مراد. درس في مدرسة في جونية قبل أن ينتقل إلى جامعة الحكمة، حيث تابع دراسة علم النفس لعامين. تزوّج من زينب عازار ولهما ولدان، فادي وكريستيان. ومن أولى كتاباته سلسلة القصص «تحت شجرة الزيزفون».

نال جوائز عدة عن أعماله، بينها «صدفة» عام 2003 من بطولة تقلا شمعون، وبيار داغر، كذلك مسلسل «سقوط زهرة البيلسان» من بطولة إبراهيم مرعشلي، وجلنار شاهين، وفيليب عقيقي، وإخراج إيلي سعادة. وحاز عنه أيضاً جائزة التلفزيون الأولى في الكويت، وجائزة الحوار في جامعة الدول العربية، وعُرض على شاشة تلفزيون لبنان عام 1981.