قبل عشر سنوات

قبل عشر سنوات
TT

قبل عشر سنوات

قبل عشر سنوات

في 28 فبراير (شباط) من عام 2011. بلغت الدبلوماسية الأميركية نقطة حاسمة وواعدة في جهودها لتحقيق السلام بين سوريا وإسرائيل. وصرح الرئيس السوري بشار الأسد آنذاك أنه يعتزم قطع العلاقات العسكرية مع كل من إيران، و«حزب الله»، وحركة «حماس»، مع تحييد كافة التهديدات الناشئة من سوريا والموجهة ضد إسرائيل، شريطة أن تلتزم إسرائيل بإعادة كافة الأراضي التي استحوذت عليها في يونيو (حزيران) من عام 1967 إلى السيادة السورية. وبعد مرور أيام من إبلاغه بالتزامات الرئيس السوري المشروطة، أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بجدية جهود الوساطة، ووجه الأوامر إلى فريقه بالمضي قدماً صوب المعاهدة، استناداً إلى مشروع المسودة الأميركية ذات الصلة.
بعد مرور أسبوعين، وبرغم كل شيء، بدأت تلك الفرصة تتحول إلى أمر مريع. فلقد فتحت قوات الأمن السورية النار على المتظاهرين السلميين في البلاد. ولقد أثارت حالة انعدام القانون الحكومية تساؤلاً جوهرياً: هل لا يزال بشار الأسد يملك الحق بالحديث باسم الأمة السورية في شأن قضية مهمة مثل إقرار السلام مع إسرائيل؟
اتسع نطاق المظاهرات في كافة أنحاء البلاد مع مواصلة قوات الأمن الحكومية في ممارسة أعمال العنف المميتة. وصارت إجابة السؤال واضحة للعيان: كلا، لم يعد بشار الأسد يملك هذا الحق المذكور. فإن مجريات انعدام القانون الحكومية قد عصفت تماماً بشرعيته الرسمية كرئيس للدولة السورية.
وبعد مرور عشر سنوات، لا تزال سوريا قابعة في أصل الخراب، ويستغل مواردها ضباط عسكريون روسيون يحصدون الأموال الطائلة من وراء تعاقدات يشرف عليها بشار الأسد والنشطاء الإيرانيون الذين يستخدمون سوريا كهمزة وصل برية مع تنظيم «حزب الله»، الوكيل الإيراني القوي في لبنان. وما يزال تنظيم «القاعدة» وشراذم تنظيم «داعش» الإرهابيين راسخة أقدامهم في البلاد التي شجع رئيسها من وجودهم وانتشارهم لاتخاذهم ذريعة للزعم بمحاربة الإرهاب فضلاً عن ممارسة إرهاب الدولة ضد المدنيين السوريين. وأسفر فساد الأسرة الحاكمة وحاشيتها، وانعدام الكفاءة في إدارة البلاد، عن دمار عميق لحق بالاقتصاد السوري. ونزح أكثر من نصف سكان سوريا لما قبل الحرب في داخل البلاد، وإلى خارجها كلاجئين. ولا يدري من أحد عدد المدنيين العزل الذين سقطوا صرعى الصراع المريع، وأغلبهم جراء القصف الدموي من المدفعية، والغارات الجوية، والبراميل المتفجرة من قوات بشار الأسد، تلك المجازر المتتابعة التي استكملتها الضربات الجوية الروسية المعاونة. إنها الزمرة الحاكمة العمياء تماماً عن معاناة الشعب السوري والتي جعلت من دمشق توصف بأنها «بيونغ يانغ» بلاد الشام بكل أسف.
كان دمار سوريا لا معنى له على الإطلاق. ويبدو أن الرئيس السوري، المفترض التزامه باستعادة الأراضي المحتلة من إسرائيل في مقابل إعادة تنضيد الاستراتيجية السياسية السورية، قد أطاح بكل شيء إلى الهاوية. ولأجل أي شيء؟ أجل، إنه يواصل رفقة حاشيته امتصاص ما تبقى من الدماء السورية لتغذية المنافع الشخصية المجردة. ولكن، هل الترؤس على أطلال من الحطام أفضل مما كان يمكن أن يكون؟ ألم تكن هناك وسيلة تتسم بالكرامة والسلمية بديلاً لبشار الأسد عن شن الحرب الشنيعة على شعبه؟ وهل كانت الفوائد الاقتصادية المحتملة للسلام منعدمة القيمة حقا؟
ربما يعد «التساؤل البديل» غير قابل للإجابة فعلاً. كان بمقدور الرئيس السوري، وقرينته السيدة الأولى الشهيرة للغاية، أن يذهبا سوياً إلى محافظة درعا في مارس (آذار) من عام 2011، وإعادة الأطفال المسجونين والمضروبين إلى ذويهم، وتقديم التعويضات إلى المظاليم، وإصدار الأوامر للقوات بالبقاء في الثكنات، مع ترافق كل تلك الجهود بمطالب حازمة لعودة النظام والاستقرار. غير أن حالة «اللاعنف»، والتعامل بأساليب اللياقة، والسخاء، واحترام كرامة الإنسان لم تكن على الإطلاق من بين أدوات بشار الأسد في التعامل مع أبناء شعبه.
ومن بين الاحتمالات القائمة أن بشار الأسد قد تعمد اللجوء إلى العنف بُغية إلغاء التزامات السلام المشروطة سابقاً والفرار من الوساطة الأميركية الجدية. ولم يجبره من أحد على التقدم بتلك الالتزامات. فلقد طرح الالتزام بها كلها خلال اجتماع استغرق 50 دقيقة. ويتساءل أحدنا ما إذا كانت لدى بشار الأسد، خلال الأسابيع التالية على تعهده بإعادة التوجيه الكامل للاستراتيجية السورية، أفكار أخرى بشأن ردة الفعل الإيرانية المحتملة مع التداعيات السياسية المحلية للسلام. وعلى أي حال، فلقد قدم لإسرائيل كل شيء ما عدا الأرض التي قال أنه يريد إعادتها إلى السيادة السورية. ومن شأن مسمى «مرتفعات الأسد” أن يكون أسما أفضل لمستوطنة جديدة تقيمها إسرائيل في الجولان من مسمى «مرتفعات ترمب».
وهناك احتمال آخر يفيد بأن قادة الأمن قد طلبوا من بشار الأسد توجيه الأوامر بالعنف ضد السكان، أو أنه وجه الأوامر من تلقاء نفسه، إثر خشيته أن يوصف بالرئيس الضعيف في مواجهة شعبه. ومع ذلك، فإن فكرة تفضيل الأسد لحالة «اللاعنف» بصفة خاصة تبدو متناقضة تماماً مع تصرفاته الواضحة منذ ذلك الحين. فلقد سمح باستخدام الأسلحة الكيماوية العسكرية ضد المدنيين، بما في ذلك الأطفال منهم. واستندت استراتيجيته للبقاء على رأس السلطة السياسية إلى ممارسة القتل الجماعي للمدنيين. ثم إنه روج للمتطرفين الإسلامويين أصحاب المنهج العنيف بأنهم أعداؤه المختارون. فهل كان لمثل هذه الشخصية أن تفكر في بديل إنساني آخر لإدارة الصراع قبل عشر سنوات مضت؟
والآن، تنظر الإدارة الأميركية الجديدة فيما ينبغي فعله إزاء أطلال الحطام المحترقة في سوريا. ويحاول بشار الأسد - عبر مناوراته المكوكية المستمرة ما بين وزارة الخارجية الروسية، وكبار قادة الجيش الروسي، والحكومة الإيرانية - التوضيح لجميع الأطراف، لا سيما مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا، أن التسوية السياسية للأزمة السورية ليست من الخيارات المطروحة على أجندة أعماله السياسية. فذلك الرجل، الذي لم ينبس ببنت شفة من الندم أو الأسى على ما حل ببلاده وشعبه، ما يزال عاقداً العزم على الاحتفاظ بكرسي الرئاسة بصرف النظر تماماً عن الثمن. وحتى تلكم الزمرة التي أيدته على مضض عبر سنوات يدركون عن كثب حقيقة ذلك الثمن: تلك الأرواح التي جرى التضحية بها على مذبح الشراكات التجارية العائلية، ثم الخراب الاقتصادي السوري المشهود.
وبعد مرور عشر سنوات، لا يزال الأسد يأمل أن تتفاعل الحكومة الأميركية معه دبلوماسياً، بل وأن تنفق عليه وعلى حاشيته بتعاقدات وأموال إعادة الإعمار السخية. والرؤية الواضحة تفيد بأن تلك الآمال محض أوهام وخيالات.
يدرك عدد كبير للغاية من المسؤولين النافذين في فريق الرئيس جوزيف بايدن الجديد أن الخطوط الحمراء التي جرى محوها تماماً في عام 2013. فضلاً عن النصيحة الرئاسية في 2016. بأنه على العرب «مشاركة الجوار» مع إيران، قد ألحقتا الأضرار بالأمن الغربي، ودمرتا مصداقية الولايات المتحدة فيما وراء الملف السوري. إن الإدارة الأميركية الجديدة ستدرس خياراتها بعناية فائقة. ومن المستبعد بصورة كبيرة أن يكرر الرئيس بايدن نفس سلسلة الإخفاقات السياسية السابقة بالتخلي عن الانتقال السياسي السوري - الذي أقره مجلس الأمن الدولي - كأساس لسياسته المعتمدة حيال الأزمة السورية.
بعد عشر سنوات كاملة من المعاناة والعذاب الذي لا طائل من ورائه، ذلك الذي فرضه بشار الأسد بصورة جوهرية، سقط أكثر من 80 في المائة من المواطنين السوريين في هاوية الفقر، الأمر الذي أسفر عن القضاء شبه التام على الطبقة الوسطى الصغيرة، وإنما المنتجة، من الشعب السوري. فضلاً عن سقوط مئات الآلاف من الصرعى المدنيين. وتعرض عدد لا يُحصى من السوريين للتشوه والصدمات الجسدية والنفسية المريعة. وما يزال عشرات الآلاف الآخرين قابعين رهن غرف التعذيب التابعة لإدارة النظام الحاكم في سوريا. وكل ذلك بهدف وحيد يتمثل في المحافظة على الشراكة التجارية العائلية، تلك الأعمال التجارية التي ربما تكون قد ازدهرت وتطورت من الناحية السياسية إلى كيان أكثر شمولية وتمثيلاً إن كانت قد اتخذت خيارات عملانية وأكثر إنسانية قبل عشر سنوات من الزمان. ولكن، هل كانت الزمرة الحاكمة وحاشيتها قادرة فعلاً على اتخاذ تلك الخيارات من قبل؟ تشير الأوضاع السورية الراهنة في عام 2021 أن الإجابة هي الرفض التام.
- السفير فريدريك هوف، يحاضر في كلية بارد في نيويورك. وكان وسيطاً سياسياً بين سوريا وإسرائيل من عام 2009 حتى مارس (آذار) 2011. ثم عمل مستشاراً لدى وزارة الخارجية الأميركية بشأن الانتقال السياسي في سوريا حتى سبتمبر (أيلول) من عام 2012. وله كتاب قيد النشر حالياً حول وساطات السلام بين سوريا وإسرائيل.
- خاص بـ«الشرق الأوسط»



سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.


اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
TT

اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)

في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيداً عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة، وبمقاربة تضع الحوار الشامل خياراً وحيداً لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.

وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن، في خطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خياراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، بعيداً عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.

وأكد المجتمعون، في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية»، مشددين على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيداً من الانقسامات والصراعات الداخلية.

لقاء تشاوري في الرياض للقيادات الجنوبية أكد على نهج الحوار للتوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية (رويترز)

وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعماً واضحاً ومتطابقاً مع مطالب الجنوبيين المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.

وشدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقاً أصيلاً لهم وحدهم، وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجاً عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.

رعاية سعودية وفرصة تاريخية

البيان أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية، محذراً من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.

وفي هذا السياق، برزت دعوات واسعة داخل اللقاء، إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقضية، من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.

السعودية تقود مساراً يقوم على الحزم والمسؤولية الإقليمية للتوصل إلى حلول آمنة لقضايا اليمن المعقدة (رويترز)

ويشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.

وأشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيباً صادقاً ودعماً عملياً للقضية الجنوبية، مؤكداً أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي؛ بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقاً ووضوحاً عن أبعاد القضية الجنوبية، الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليمياً، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة، وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

القيادات الجنوبية شددت على رفض الإقصاء أو الاحتكار لموضوع القضية الجنوبية (رويترز)

كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عموماً، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عملياً على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل، مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتطبين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.

وفي الجانب الأمني، تلقى المجتمعون تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار، في مواجهة التهديدات التي تشكلها ميليشيات الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «القاعدة» و«داعش»، بما يعزز من قدرة الجنوب على حماية مكتسباته الوطنية.

دعوة للمشاركة والمسؤولية

دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي، إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية، ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأماناً للتوصل إلى حل سياسي شامل، يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.

كما وجّه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة، باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسياً لأي تسوية شاملة ومستدامة.

حشد من المتظاهرين في عدن المطالبين بإيجاد حلول للقضية الجنوبية (رويترز)

وفيما يتعلق بالمظاهرات التي تشهدها مدينة عدن بين الحين والآخر، أكد البيان أن هذه التحركات تعبّر في جوهرها عن مطالب شعبية مشروعة مرتبطة بالقضية الجنوبية والظروف المعيشية الصعبة، ولا يمكن اختزالها في دعم شخص أو مكون بعينه.

ويرى مراقبون أن توظيف هذه الاحتجاجات سياسياً من قبل بعض القيادات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ ضيق، أسهم في تشويه صورة الحراك الجنوبي، وأضعف مصداقية القضية أمام المجتمع الدولي، لا سيما في ظل اتهامات متداولة حول قضايا فساد وسوء إدارة ألحقت أضراراً مباشرة بحياة المواطنين.

رفض للنهج الفوضوي

في مقابل الإشادة بالدور السعودي، برزت داخل اللقاءات الجنوبية مواقف نقدية حادة تجاه دور أبوظبي في اليمن، حيث يرى مراقبون أن السياسات الإماراتية، القائمة على دعم أطراف بعينها، أسهمت في تعميق الانقسامات الجنوبية، وإطالة أمد الفوضى، وعرقلة الوصول إلى حل سياسي شامل.

من المرتقب أن يتوصل حوار القادة الجنوبيين في الرياض إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن (رويترز)

ويربط محللون هذا الدور بما تصفه تقارير دولية بنمط تدخل إماراتي مشابه في دول أخرى مثل السودان وليبيا والصومال، حيث أدت سياسات دعم الفصائل المحلية إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها، في حين تميزت المقاربة السعودية، وفقاً لهذه الرؤية، بالتركيز على دعم الدولة، والحوار، والاستقرار، والتنمية.

ويرى محللون أن استمرار أي تدخلات خارجية تحرّض على شق الصف الجنوبي، أو توظف القضية الجنوبية لخدمة أجندات إقليمية، قد يدفع الرياض إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة لحماية مسار الحوار، وضمان عدم تقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.


حضرموت وعدن... جهود متسارعة لتعزيز الأمن والخدمات

الخنبشي يدشن الرحلات الجوية من مطار الريان في المكلا (سبأ)
الخنبشي يدشن الرحلات الجوية من مطار الريان في المكلا (سبأ)
TT

حضرموت وعدن... جهود متسارعة لتعزيز الأمن والخدمات

الخنبشي يدشن الرحلات الجوية من مطار الريان في المكلا (سبأ)
الخنبشي يدشن الرحلات الجوية من مطار الريان في المكلا (سبأ)

تشهد محافظتا حضرموت وعدن خطوات متسارعة لتعزيز الأمن والاستقرار وتحسين الخدمات الأساسية للمواطنين، في ظل دعم القيادة اليمنية والحكومة والشركاء الدوليين.

تأتي هذه الجهود في إطار مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية التي مرت بها البلاد، وتعكس التزام السلطات بحماية مقدرات الدولة وتعزيز التنمية المحلية وتحقيق الاستقرار في المناطق الحيوية.

وفي هذا السياق، دشن عضو «مجلس القيادة الرئاسي» ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، الأحد، أولى الرحلات الدولية من وإلى مطار الريان الدولي، في إطار جهود تطبيع الأوضاع العامة وتفعيل أحد الشرايين الحيوية التي تخدم حضرموت والمحافظات المجاورة، بعد توقف المطار جرّاء الأحداث الأخيرة.

وأكد الخنبشي أن إعادة تدشين الرحلات الدولية ستُخفف بشكل مباشر من معاناة المواطنين وتُسهّل تنقلاتهم، مشيداً بجهود قوات أمن المطار في حماية الصالات والمعدات الأساسية، الأمر الذي أسهم في استكمال الاستعدادات وإعادة افتتاح المطار وفق المعايير المعتمدة.

عضو «مجلس القيادة الرئاسي» سالم الخنبشي يتفقد المواقع المتضررة في مطار الريان (سبأ)

وثمّن المحافظ جهود الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد وقيادة المطار في تسريع أعمال التأهيل والتفعيل، كما أشاد بدور قوات «درع الوطن» في تأمين المطار فور وصولها، ما عزز استقرار العمل رغم الظروف الصعبة التي مرت بها المحافظة.

وذكر الإعلام الرسمي أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، الخنبشي، تفقد المواقع العسكرية في مطار الريان الدولي التي تعرضت لأضرار وأعمال نهب خلال الأحداث السابقة بالمحافظة، بحضور قيادات قوات «درع الوطن»، وعدد من القيادات العسكرية والأمنية.

وأكد الخنبشي اهتمام قيادة الدولة والسلطة المحلية بالحفاظ على مقدرات الدولة، وتعزيز الأمن والاستقرار وحماية المنشآت الحيوية، مشيداً بالدور البطولي الذي قامت به «وحدات قوات النخبة الحضرمية» في تأمين محيط المطار وصالات القدوم والمغادرة.

وشدد على أهمية استمرار الجاهزية الأمنية والعسكرية لحماية المنشآت السيادية، بوصفها ركيزة أساسية لدعم حركة النقل الجوي وخدمة المواطنين.

الخدمات والرواتب

وفي العاصمة المؤقتة عدن، أكد وزير الدولة ومحافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، أن السلطة المحلية تُمثل منظومة عمل متكاملة تعتمد على التنسيق المؤسسي والعمل الجماعي، وليس الجهود الفردية، مشيراً إلى أن جوهر عملها يتمثل في خدمة المجتمع، وتلبية احتياجات المواطنين.

جاء ذلك خلال ترؤسه أول اجتماع مع مديري مديريات المحافظة لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة وآليات تعزيز الأداء الإداري والخدمي، وتوجيه الجهود نحو تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

وشدد المحافظ -حسب الإعلام الرسمي- على ضرورة أن يركز البرنامج الاستثماري لعام 2026 على المشروعات ذات الأثر المباشر في حياة المواطنين، مع تحديد الأولويات وفق معايير واقعية تعكس الاحتياجات الفعلية للمجتمع المحلي.

محافظ عدن وزير الدولة في الحكومة اليمنية يشدد على تحسين الخدمات (سبأ)

وأكّد شيخ أهمية الالتزام بالمسؤوليات القانونية والإدارية، وتعزيز العمل بروح الفريق الواحد، وترسيخ الشفافية والانضباط الوظيفي، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تكاتف الجهود لتحقيق تطلعات المواطنين وتعزيز دور السلطة المحلية بوصفها جهة خدمية وتنموية فاعلة.

في سياق آخر، وجّه رئيس مجلس الوزراء اليمني، شائع الزنداني، الأحد، البنك المركزي اليمني ووزارة المالية لتسريع إجراءات صرف الرواتب المتأخرة لموظفي الدولة في القطاعين المدني والعسكري والمتقاعدين والشهداء والجرحى، بشكل عاجل، استناداً إلى دعم مالي جديد من السعودية بقيمة 90 مليون دولار، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد الزنداني على ضرورة التحرك وفق جدول زمني واضح وسريع للبدء في عملية الصرف دون تأخير، مؤكداً أهمية توظيف الدعم الخارجي بما يخدم الأولويات العاجلة، مثل الرواتب واستقرار العملة وتحسين الوضع المعيشي، مشيداً بالدعم الكبير الذي تقدمه السعودية، مؤكداً أنه يمثل موقفاً تاريخياً في مساندة اليمن وشعبه.