غارلاند يتعهد استئصال التطرف ومكافحة التمييز في أميركا

غارلاند مرشح بايدن لمنصب وزير العدل (إ.ب.أ)
غارلاند مرشح بايدن لمنصب وزير العدل (إ.ب.أ)
TT

غارلاند يتعهد استئصال التطرف ومكافحة التمييز في أميركا

غارلاند مرشح بايدن لمنصب وزير العدل (إ.ب.أ)
غارلاند مرشح بايدن لمنصب وزير العدل (إ.ب.أ)

تعهد مرشح الرئيس الأميركي جو بايدن لمنصب وزير العدل، ميريك غارلاند، في ملاحظات أعدها سلفاً للإدلاء بها أمام اللجنة القضائية لدى مجلس الشيوخ اليوم الاثنين، باستئصال التطرف السياسي المحلي ومكافحة التمييز في نظام العدالة الجنائية. بينما لمح البيت الأبيض إلى أنه غير مستعد للتخلي عن ترشيح التقدمية نيرا تاندين لمنصب مديرة «مكتب الإدارة والميزانية»، دافعاً في الوقت ذاته باتجاه تعيين رئيس بلدية شيكاغو السابق رام إيمانويل سفيراً لأميركا لدى اليابان، في خطوة تثير الخلاف مع التقدميين الذين رفضوا توليه منصباً رفيعاً كهذا.
ويظهر واضحاً أن الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي دخل بقوة للتأثير في المصادقات المطلوبة من مجلس الشيوخ على هذه التعيينات المرتقبة.
وقال غارلاند إنه «وقت مناسب لإعادة التأكيد على أن دور وزير العدل هو خدمة سيادة القانون وضمان العدالة المتساوية بموجب القانون»، مضيفاً أنه «وقت مناسب لتقدير أكثر من 115 ألف موظف مهني في الإدارة ووكالات إنفاذ القانون التابعة لها، والتزامهم خدمة قضية العدالة وحماية سلامة مجتمعاتنا».
ويواجه القاضي السابق لدى محكمة الاستئناف الأميركية، الذي تبدأ جلسات المصادقة على تعيينه اليوم، ضغوطاً شديدة من التقدميين لمقاضاة الرئيس السابق دونالد ترمب، وكتبوا أنه «إذا كنا نريد محاسبة ترمب وشبكته الإجرامية، فلا يمكننا الاعتماد فقط على القادة الديمقراطيين».
ومن المقرر أن يشير غارلاند إلى أعمال الشغب التي قام بها أنصار ترمب في مبنى «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) الماضي، مقارناً ما حدث بتفجير «أوكلاهوما سيتي» في أواخر التسعينات من القرن الماضي. وكتب في ملاحظاته: «بين عامي 1995 و1997، أشرفت على ملاحقة مرتكبي تفجير المبنى الفيديرالي بمدينة أوكلاهوما، الذين سعوا لإشعال ثورة من شأنها أن تسقط الحكومة الفيديرالية». وأضاف: «إذا تمت المصادقة، فسأشرف على محاكمة المتعصبين للبيض وغيرهم ممن اقتحموا مبنى (الكابيتول) في 6 يناير» الماضي. وسيؤكد كذلك أنه يخطط للتصدي للعنصرية المنهجية في عمل الشرطة، ومساعدة إدارة بايدن على إصلاح العدالة الجنائية. وأوضح أن قانون الحقوق المدنية لعام 1957 أنشأ قسماً للحقوق المدنية في الوزارة «مع مهمة دعم الحقوق المدنية والدستورية لجميع الأميركيين، لا سيما بعض الأكثر ضعفاً في مجتمعنا»، مشدداً على أن «تلك المهمة لا تزال عاجلة؛ لأننا لا نملك عدالة متساوية. لا تزال المجتمعات الملونة والأقليات الأخرى تواجه التمييز في السكن والتعليم والتوظيف ونظام العدالة الجنائية، وتحمل وطأة الضرر الناجم عن الجائحة والتلوث وتغير المناخ».

تاندين والخيارات البديلة
إلى ذلك، وفور إعلان السيناتور الديمقراطي جو مانشين أنه سيصوت ضد المصادقة على تعيين تاندين؛ الأمر الذي يعرض ترشيحها لخطر شديد، بدأت المناورات وراء الكواليس لأولئك الذين يسعون لأن يكونوا الخيار البديل، وبينهم المدير السابق للمجلس الاقتصادي الوطني جين سبيرلينغ وكبيرة الموظفين لدى حاكم كاليفورنيا آن أوليري.
ويؤخذ على تاندين مواقفها النارية ضد الجمهوريين، لا سيما في تغريداتها على «تويتر». وازدادت حظوظ تعيينها بعد سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ، لكن موقف مانشين بدد الآمال المعقودة على الغالبية الديمقراطية. وقال في بيان: «أعتقد أن تصريحاتها الحزبية العلنية سيكون لها تأثير سام وضار على علاقة العمل المهمة بين أعضاء الكونغرس والمدير المقبل لـ(مكتب الإدارة والميزانية). ولهذا السبب، لا يمكنني دعم ترشيحها».
ورغم هذا التطور، فإن الرئيس بايدن قال للصحافيين بعد رحلة إلى ميشيغن: «أعتقد أننا سنجد الأصوات للمصادقة على تعيين» تاندين، وهي أميركية هندية. ويرجح المراقبون أن يكون إصرار بايدن مرتبطاً بوعده بتشكيل حكومة متنوعة.
ويصر البيت الأبيض على أنه سيواصل الضغط من أجل المصادقة على تاندين. وعقد المسؤولون في الإدارة أكثر من 35 اجتماعاً مع أعضاء مجلس الشيوخ من الحزبين الديمقراطي والجمهوري. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض، جين ساكي، في بيان إن «نيرا تاندين خبيرة سياسية بارعة ستكون مديرة ممتازة للميزانية، ونتطلع إلى تصويت اللجنة الأسبوع المقبل، ومواصلة العمل من أجل المصادقة عليها من خلال التواصل مع كلا الطرفين».
ونظراً إلى المخاوف المحيطة بتعيين أي من سبيرلينغ أو أوليري، يمكن للبيت الأبيض أن يلجأ إلى ترقية الأميركية السوداء شالاندا يانغ، المرشحة أصلاً لتكون نائبة مدير «مكتب الإدارة والميزانية»، لمنصب المديرة لأنها تحظى أيضاً باحترام واسع النطاق من الحزبين في تلة «الكابيتول».

سفير واشنطن في طوكيو
في غضون ذلك، يقترح المسؤولون في إدارة بايدن تعيين إيمانويل سفيراً في طوكيو، علماً بأنه سبق أن طُرح اسمه لمنصب السفير لدى الصين، قبل أن يُعرض اسم المسؤول السابق بوزارة الخارجية نيكولاس بيرنز للمنصب نفسه في بكين.
وقاد إيمانويل الديمقراطيين إلى الغالبية في مجلس النواب عام 2006، وعمل من كثب مع رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي لإعادة الحزب إلى السلطة للمرة الأولى بعد الجمهوري نيوت غينغريتش. واعترف أحد مساعدي بايدن السابقين بأنه «إذا تم ترشيح رام، فسيكون لديه حلفاء أقوياء، لكن سيكون لديه منتقدون من اليسار واليمين».
وكتب إيمانويل مقالاً افتتاحياً في صحيفة «وول ستريت جورنال» الأسبوع الماضي بعنوان: «لماذا يحتاج جو بايدن إلى الحزبين؟»، داعياً الرئيس إلى النظر في «المخاطر السياسية المتمثلة في زيادة قوة الحزب الجمهوري» وتجميع أولويات الجمهوريين مع بعض مقترحاته السياسية الخاصة.
ويحتمل أن تكون جلسة الاستماع النهائية لإيمانويل قضية خلافية. فرغم أن عضو الكونغرس السابق لا يزال لديه حلفاء في تلة «الكابيتول» ويُنظر إليه على أنه معتدل، فإنه يرجح أن يعترض أعضاء من كلا الحزبين على فترته رئيساً لبلدية شيكاغو.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».