نسخ «كورونا» المتحور أشد عدوى وإثارة للقلق

صورة توضيحية لفيروس كورونا تظهر الشكل التاجي للفيروس (المركز الأميركي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها)
صورة توضيحية لفيروس كورونا تظهر الشكل التاجي للفيروس (المركز الأميركي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها)
TT

نسخ «كورونا» المتحور أشد عدوى وإثارة للقلق

صورة توضيحية لفيروس كورونا تظهر الشكل التاجي للفيروس (المركز الأميركي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها)
صورة توضيحية لفيروس كورونا تظهر الشكل التاجي للفيروس (المركز الأميركي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها)

مع ظهور نسخ متحورة عن فيروس «كورونا»، يزداد القلق حيال تحولات تمُت إلى مجال متخصص للغاية، وسط الأزمة الصحية الحادة الناجمة عن وباء «كوفيد – 19».
وعرضت وكالة الصحافة الفرنسية ما نعرفه حتى الآن عن هذه النسخ المتحورة.
ثمة في الوقت الحاضر ثلاث نسخ متحورة تثير قلقاً شديداً، ظهرت للمرة الأولى في إنجلترا وجنوب أفريقيا واليابان (ولو أن الإصابات سجلت لدى مسافرين وافدين من البرازيل، ما حمل على الإشارة إلى النسخة باسم «المتحورة البرازيلية»).
وبموازاة ذلك، ثمة فئة ثانية من المتحورات تراقبها الأوساط العلمية العالمية بسبب مواصفاتها الجينية التي قد تطرح إشكالية، غير أن انتشارها لا يزال محدوداً.
وأوضح مسؤول وحدة علم المجين التطوري للفيروسات ذات الحمض النووي الريبي في معهد باستور في باريس إتيان سيمون لوريار: «ستكشف لنا الأسابيع والأشهر المقبلة إن كانت تدخل في فئة المتحورات المقلقة للغاية التي تنتشر بسرعة كبيرة، أو أنها ستبقى متحورات تنتشر بدون إثارة الكثير من المخاوف».
وتصنف جميع هذه المتحورات في عائلات أو «سلالات»، فتحتل على ضوء التحولات التي مرت بها موقعاً محدداً في شجرة عائلة الفيروس الأصلي «سارس - كوف – 2».
واتسعت القائمة في الأسابيع الأخيرة، فرصدت على سبيل المثال سلالة أطلق عليها اسم «بي.1.525» في أسكوتلندا ونيجيريا وفرنسا وأستراليا، كذلك رُصدت نسخ متحورة أخرى في كاليفورنيا وزامبيا وأوغندا، وصولاً إلى فنلندا.
وظهور النسخ المتحورة لا يشكل مفاجأة على الإطلاق، فهذا تطور طبيعي، إذ يمر الفيروس مع الوقت بتحولات لضمان استمراره.
وأوردت الأجهزة الصحية البريطانية على موقعها الإلكتروني: «تم التعرف إلى أكثر من أربعة آلاف متحورة لسارس كوف - 2 عبر العالم».
ويشير المختصون الأميركيون وبينهم الخبير الحكومي أنطوني فاوتشي، في مقال نشر الأربعاء في مجلة «جورنال أوف ذي أميريكن ميديكال أسوسييشن» المتخصصة، إلى أن من بين هذه النسخ «وحدها نسبة ضئيلة تشكل مصدر قلق على الصحة العامة».
وما يبعث الخوف تحديداً هو التحولات التي تحملها هذه الفيروسات.
فالمتحورات التي ظهرت في إنجلترا وجنوب أفريقيا والبرازيل تتشارك التحول ذاته المعروف بـ«إن501واي» الذي يمكن أن يزيد قدرتها على نقل العدوى.
كذلك فإن النسختين المتحورتين اللتين رصدتا في جنوب أفريقيا والبرازيل تحملان تحولاً آخر يعرف بـ«إي484كاي»، يعتقد أنه يخفض المناعة المكتسبة إما من عدوى سابقة (ما يزيد احتمال الإصابة مجدداً) وإما من اللقاح.
ويصعب عموماً على الناس العاديين فهم تطور المتحورات وخصائصها، لا سيما أنها تعرف بأسماء محض تقنية لم يتم توحيدها على الصعيد الدولي. وعلى سبيل المثال، فإن المتحورة التي ظهرت في بريطانيا تعرف بـ«501واي. في1» أو «في أو سي202012/01» وهي من سلاسة «بي.1.1.7».
ويحذر العلماء من استخدام عبارات «النسخة المتحورة البريطانية» أو «الجنوب أفريقية» التي قد تكون مسيئة إلى الدولة المشار إليها.
وأوضح إتيان سيمون لوريار: «إننا على قناعة بأن النسخ المتحورة لديها قدرة أكبر على نشر العدوى، أقلها النسخة الإنجليزية، وبشكل متزايد الجنوب أفريقية».
لكن ذلك لا يستند في الوقت الحاضر سوى إلى بيانات وبائية، إذ يقيس الباحثون سرعة انتشار الفيروسات المتحورة ويستنتجون منها مدى قابليتها للانتقال.
وهذا لا يسمح بالتوصل إلى رقم مؤكد، إذ يمكن أن تتبدل النتائج بحسب القيود المفروضة في المناطق المعنية.
وتأكيداً على ذلك، أعلنت السلطات البريطانية، في بادئ الأمر، أن مدى انتشار المتحورة التي ظهرت في إنجلترا أكبر بـ50 إلى 70 في المائة، استناداً إلى ما سُجل محلياً، لكن مع عدم حصول فورة إصابات في بلدان أخرى، تحتم تعديل هذه التأكيدات.
وتعمل عدة فرق من الباحثين في العالم على تحليل الخصائص البيولوجية لهذه النسخ المتحورة، على أمل معرفة ما يجعلها تبدو أشد عدوى.
وأوضح مسؤول وحدة الفيروسات والمناعة في معهد باستور أوليفييه شوارتز الذي يقود إحدى هذه الفرق: «ثمة فرضيات يتحتم درسها. فقد تكون الشحنة الفيروسية أكبر، أو قد يكون الفيروس المتحور قادراً على اختراق الخلايا بسهولة أكبر أو يتكاثر بسرعة أكبر».
وطرح باحثون من جامعة هارفارد الأميركية فرضية أخرى، فاعتبروا أن الإصابة الناجمة عن الفيروس المتحور قد تستمر وقتاً أطول، وبالتالي يبقى المصاب معدياً لفترة أطول من الزمن مما لو كان مصاباً بالفيروس الشائع.
وإذا ما تأكد ذلك، «فقد يتطلب الأمر فترة عزل أطول من الأيام العشرة الموصى بها حالياً»، وفق ما كتب الباحثون في دراسة نشرت قبل فترة قصيرة.
لكن هذا النوع من الأبحاث يستغرق وقتاً وسيتطلب الأمر عدة أسابيع، بل ربما عدة أشهر للحصول على إجابات نهائية.
ويقول إتيان سيمون لوريار: «ما يمكن استنتاجه من الاختبارات، هو أن النسخة المتحورة الإنجليزية ليست مصدر قلق بتاتاً، في حين أن النسخة المتحورة الجنوب أفريقية تبعث على القلق».
وخلصت عدة دراسات مختبرية إلى نتيجة واحدة، وهي أن النسخة المتحورة التي ظهرت في جنوب أفريقيا تُضعف على ما يبدو فاعلية اللقاحات، ولا سيما بسبب التحور المعروف بـ«إي484كاي».
ونُشرت آخر دراستين، الأربعاء، في مجلة «نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين» الطبية، وأجراها علماء من فايزر/بايونتيك وموديرنا، المجموعتين اللتين صنعتا اللقاحين الرئيسيين المستخدمين في العالم.
وتظهر الدراستان أن كمية الأجسام المضادة الواقية التي ينتجها الجسد بعد حقنه بأحد اللقاحين، تتدنى حيال النسخة المتحورة التي ظهرت في جنوب أفريقيا، بالمقارنة مع المتحورة من إنجلترا أو الفيروس الاعتيادي، وهذا ما يوحي بأن الحماية تكون أضعف.
وحقق فريق البروفسور شوارتس دراسة من النوع ذاته أظهرت أنه «من الأصعب بكثير الوقاية من النسخة المتحورة التي ظهرت في جنوب أفريقيا مع الوقت».
كذلك لوحظ الأمر نفسه بالنسبة للقاحات أخرى، خصوصاً لقاح أسترازينيكا الذي عدلت جنوب أفريقيا عن استخدامه للسبب ذاته، ولقاحي نوفافاكس وجونسون أند جونسون.
غير أن العلماء يحذرون من الاستنتاجات المتسرعة وحتى لو كانت اللقاحات أقل فاعلية على النسخة المتحورة من جنوب أفريقيا، فهذا لا يعني أنها لن تكون فعالة إطلاقاً.
وتركز هذه الأبحاث فقط على ناحية واحدة من الاستجابة بعد التلقيح، وهي إنتاج الأجسام المضادة. وكتب البروفسور فاوتشي وزملاؤه في المقال: «إنها لا تقيم أنواعاً أخرى من المناعة المحتملة، مثل الخلايا اللمفاوية تي وبي»، وهو ما يعرف بالمناعة الخلوية.
وحذر المركز الأوروبي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها من أن «النسخ المتحورة التي قد تكون اللقاحات أقل فاعلية ضدها ستستمر على الأرجح في الظهور».
وإن كانت السلطات الصحية في العالم أجمع تدعو إلى تسريع حملات التلقيح قدر المستطاع في سباق مع النسخ المتحورة، فهي تطلب من مجموعات الأدوية العمل على لقاحات من الجيل الجديد يتم تكييفها لتحارب نسخاً متحورة جديدة.
كذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، هذا الأسبوع، وضع برامج تهدف إلى تعزيز عمليات تحديد التسلسل الجيني الضرورية لمتابعة تطور النسخ المتحورة ورصد النسخ الجديدة عند ظهورها.
وفي هذه الأثناء، يشدد العلماء على وجوب احترام تدابير الوقاية والتباعد الاجتماعي التي تبقى مهمة سواء لفيروس «كورونا» الشائع أو للنسخ المتحورة عنه.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended