ترى مصادر أوروبية في باريس أن ما صدر عن اجتماع وزراء خارجية الدول الغربية الأربع المعنية مباشرةً بالملف النووي الإيراني، ومبادرة واشنطن لبدء محادثات مع الطرف الإيراني في إطار مجموعة 5+1، فضلاً عن الخطوتين الرمزيتين الإضافيتين المتمثلتين بالتخلي عن العقوبات الدولية التي سعت واشنطن إلى فرضها في سبتمبر (أيلول) الماضي، ورفع الحظر المفروض على الدبلوماسيين الإيرانيين المعتمدين لدى الأمم المتحدة «يفتح كوّة في جدار الأزمة»، بين طهران والدول الأخرى الموقِّعة على الاتفاق النووي و«يُطلق العمل الدبلوماسي من عقاله». وتضيف هذه المصادر أن «مصلحة إيران تكمن في الاستجابة لليد الغربية (والدولية) الممدودة والتوقف عن المزايدات ومحاولة الابتزاز والتهويل بوقف العمل بالبروتوكول الإضافي» الذي تهدد طهران باللجوء إليه بدءاً من 21 الجاري.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدر دبلوماسي فرنسي قوله إنه إذا مضت إيران في تعليق العمل بهذا البروتوكول الذي يتيح للمفتشين الدوليين زيارة المواقع التي يرتؤون زيارتها بعد إعلام السلطات بوقت قصير، فإنه سيكون هناك رد صارم»، ولكن من غير أن يعمد إلى تحديد طبيعته. كما أن البيان الرباعي المشترك «الأميركي، والفرنسي، والبريطاني، والألماني» الذي صدر ليل الخميس مع ختام اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع كان واضحاً في تحذير إيران من السير في طريق خطرة.
ولذا، فإن المصادر الأوروبية تعلق أهمية كبرى على الزيارة التي سيقوم بها اليوم مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية رافاييل غروسي، إلى طهران، لمحاولة إيجاد مَخرج لهذه المسألة المستعصية التي من شأنها، في حال إصرار إيران، وبعد الكلام عالي النبرة، الصادر عن الغربيين، أن تدفن الجهود الدبلوماسية وتفتح الباب لتصعيد كبير.
بيد أن هناك رهانات غربية على أن طهران الرازحة تحت عبء العقوبات الأميركية تبحث عن وسيلة للعودة إلى طاولة المفاوضات، بغضّ النظر عن التصريحات الرسمية لمسؤوليها التي تطالب بتراجع واشنطن عن كامل العقوبات حتى تقبل التخلي عن انتهاكاتها لالتزاماتها النووية المنصوص عليها في متن اتفاق عام 2015، وقال وزير الخارجية محمد جواد ظريف، أمس، إن بلاده مستعدة للعودة عن الخطوات التي اتخذتها «فوراً»، بعد سحب العقوبات الأميركية. وطالب ظريف، عبر «تويتر»، بأن ترفع «بشكل غير مشروط وفاعل كل العقوبات التي فُرضت أو أُعيد فرضها أو أُعيدت تسميتها من ترمب»، في رد فاتر على عرض مبدئي من واشنطن لإحياء المحادثات.
لكنّ مسؤولاً إيرانياً كبيراً قال لـ«رويترز» إن طهران تدرس عرض واشنطن إجراء محادثات. إلا أنه أضاف أن على الولايات المتحدة «العودة أولاً للاتفاق». وقال: «لم نسعَ قط لحيازة أسلحة نووية. إنها لا تمثل جزءاً من عقيدتنا الدفاعية... رسالتنا واضحة للغاية. ارفعوا العقوبات وافتحوا الطريق للدبلوماسية».
وفي السياق نفسه، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده: «لم يعد ثمة 5+1، الآن ثمة إيران و4+1 فقط». وأضاف: «البادرات لا بأس بها. لكن من أجل إحياء 5+1، على الولايات المتحدة أن تتحرك: ترفع العقوبات».
ولجأ مكتب «المرشد» علي خامنئي إلى تطبيق «إنستغرام»، لإعلان موقفه من الخطوة الأميركية. واقتبس حساب خامنئي من خطاب سابق له قبل أسبوعين، قال فيه إن «إلغاء شامل لجميع العقوبات والتحقق منها شرط الجمهورية الإسلامية للعودة إلى الاتفاق النووي».
لم تتأخر ردة فعل الاتحاد الأوروبي في تلقف الفرصة التي برزت أمس، لجهة إعادة إطلاق المحادثات بين مجموعة 5+1 وإيران. ولـ«وزير» خارجية الاتحاد جوزيب بوريل مسؤولية خاصة بوصفه رئيساً للجنة المشتركة الأممية - الإيرانية الخاصة بفض النزاعات والمنصوص عليها في الاتفاق. ولذا، فإن مسؤولين في مكتبه بدأوا العمل من أجل تنظيم اجتماع غير رسمي ويمكن وصفه بـ«التشاوري» وعلى مستوى كبار الموظفين وليس على المستوى الوزاري.
ونقل عن مسؤول كبير في الاتحاد قوله إن العمل جارٍ على ذلك ولكن «لم يتم تحديد إطار زمني له، إذ إن الأمر يعتمد على التطورات» في إشارة إلى ردة الفعل الإيرانية على العرض الغربي وعلى نتائج زيارة غروسي لطهران.
وحسب المسؤول فإن تحديد موعد «وربما أيضاً مكان الاجتماع الذي يُرجّح أن يكون فيينا أو جنيف» يقتضي القيام بمشاورات «وهذا يتطلب بعض الوقت».
من جانبها رحّبت موسكو بحذر بمبادرات الإدارة الأميركية الجديدة تجاه إيران في ما يتعلق بالعودة إلى الاتفاق النووي. وقال الناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف إن «التوقف عن الدعوة إلى فرض عقوبات أمر جيد (...) إنه حدث إيجابي» في إشارة إلى إلغاء إدارة جو بايدن قراراً أحادياً لسلفه بشأن إعادة فرض عقوبات دولية على إيران.
ترى مصادر دبلوماسية في باريس أن العقبة الرئيسية اليوم في انطلاق قطار العمل الدبلوماسي عنوانها «تسلسل الخطوات» التي يمكن أن تفضي، في وقت ما، إلى عودة طهران وواشنطن إلى الالتزام ببنود الاتفاق القديم. وتضيف هذه المصادر أن المطلوب «خطوات تمهيدية من الجانبين من شأنها إعادة بعض الثقة بينهما وإطلاق عمل الماكينة الدبلوماسية». والحال، أن طهران، وفق القراءة الغربية، ما زالت تراوح مكانها بينما واشنطن تحركت قليلاً.
والاختبار الأكبر للطرف الإيراني سيكون في مدى قدرته على التراجع، في مرحلة أولى عن خطوة التضييق على عمل المفتشين والتلطي وراء قانون صدر عن مجلس الشورى في 2 ديسمبر (كانون الأول) الماضي ثم قبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات.
ورغم أن الأوروبيين ينظرون إلى التهديد الإيراني الأخير على أنه يندرج في إطار «تجميع لأوراق الضغط» على إدارة الرئيس بايدن ولاستخدامها في مفاوضات لا بد أن تأتي لاحقاً، إلا أن وزير خارجية ألمانيا هايكو ماس قرع ناقوس الخطر ونبّه المسؤولين الإيرانيين من الاستمرار في «اللعب بالنار»، ما يفسّر الفقرة المتضمنة البيان الرباعي والتي تؤكد الالتزام الصارم بـ«منع إيران» من الحصول على السلاح النووي. وحسب مصدر فرنسي، فإن منع التفتيش يمكن أن يفتح الباب على مفاجـآت نووية إيرانية في المستقبل. وتذكر باريس أن الطرف الإيراني عمَد في الماضي إلى إخفاء الكثير من أنشطته النووية وسعى إلى محو بعضها الآخر وماطل في السماح لأعمال تفتيش في مواقع أخرى يظن أنه خاض فيها تجارب للنووي العسكري... إذا كانت البادرات الأميركية الثلاث قد فتحت الباب للعمل الدبلوماسي، لكنّ ثمة رأي أكثري يرى أن النجاح ليس الاحتمال الأكثر ترجيحاً.
وترى مصادر متابعة للملف النووي أن الصعوبة تكمن في أن الجانب الأميركي لن يكون بوسعه أن يتوقف عند تراجع إيران عن انتهاكاتها الكثيرة التي أفرغت الاتفاق من محتواه بل يريد أيضاً، كما الأوروبيين، معالجة البرنامج النووي لما بعد عام 2025، وهو ما لا تريده طهران، وتحجيم برنامجها الباليستي، الأمر الذي ترفضه قطعاً، إضافة إلىً وقف تدخلاتها في الإقليم.
والأكثر من ذلك، فإن الأربعة في بيانهم المشترك، أشاروا، في الفقرة السادسة من بيانهم المطوّل، إلى عزمهم «لاحقاً» على تعزيز الاتفاق النووي بـالتشاور مع دول المنطقة ومجمل الأسرة الدولية من أجل الاستجابة للمخاوف الأمنية الأوسع المرتبطة ببرامج الصواريخ «الإيرانية» وأنشطة إيران في الإقليم». وتخلص الفقرة المذكورة إلى تأكيد أن الأوروبيين والولايات المتحدة «عازمون على العمل الجماعي لتحقيق هذه الأهداف».
واضح أن ما حصل في الساعات الأخيرة، خطوة في مسار الألف ميل، والكثير يعتمد على إيران وعلى مدى استجابتها للمطالب الدولية وواقعيتها في التعامل مع ما يُنظر إليها على أنها «جبهة موحدة»، تضم الغربيين الأربعة ووراءهم كامل دول الاتحاد الأوروبي والإقليم وآخرين كثيرين... باب الدبلوماسية قد فُتح، فهل تسارع طهران إلى إغلاقه؟
عقبات على طريق العودة إلى المسار الدبلوماسي
طهران تردّ بفتور لكنها تدرس عرض واشنطن
وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا قبل اجتماع لبحث الملف الإيراني في باريس (الخارجية الألمانية)
عقبات على طريق العودة إلى المسار الدبلوماسي
وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا قبل اجتماع لبحث الملف الإيراني في باريس (الخارجية الألمانية)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة







