فرنسا والإرهاب... ومأزق الساحل

بين أبرز التحديات الفقر وشكوك المواطنين بنيات «اللاعبين الكبار»

فرنسا والإرهاب... ومأزق الساحل
TT

فرنسا والإرهاب... ومأزق الساحل

فرنسا والإرهاب... ومأزق الساحل

حالة ارتباك تسود منطقة الساحل الأفريقي، فتنظيما «القاعدة» و«داعش» الإرهابيان مستمران في التوسع نحو مناطق جديدة، ودول الساحل الهشة والفقيرة لا تزال عاجزة عن المواجهة والوقوف وحدها. أما المجموعة الدولية بقيادة فرنسا، فتبدو خططها لمواجهة الإرهاب في الساحل مرتبكة، تقدم رِجلاً وتؤخر أخرى، بسبب الوضع العالمي المضطرب منذ أن ضربت جائحة «كوفيد - 19» المنظومة الدولية في الصميم.
تلك هي الصورة التي كرّستها القمة الأخيرة التي عقدها قادة دول الساحل وفرنسا في العاصمة التشادية نجامينا، يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين، والتي قرّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل أيام من انعقادها، الامتناع عن حضورها شخصياً، مكتفياً بالمشاركة عبر تقنية الفيديو من مكتبه داخل قصر الإليزيه في العاصمة باريس.
القمة، التي سبقتها تصريحات ماكرون حول خطة جديدة قد تقود إلى تقليص عدد الجنود الفرنسيين الموجودين في الساحل، لم تتخذ أي قرار بهذا الخصوص، وهكذا بقي العديد من الأسئلة عالقاً حول مستقبل الاستراتيجية العسكرية الفرنسية تجاه الساحل، وهي التي تدخلت عسكرياً في هذه المنطقة بطلب من دولة مالي خلال يناير (كانون الثاني) 2013 لمنع سيطرة تنظيم «القاعدة» على العاصمة باماكو في الجنوب، بعدما التنظيم بسط نفوذه عام 2012 على شمال البلاد.
أطلق الفرنسيون في مطلع عام 2013 عملية «سيرفال» العسكرية المكونة من 3 آلاف جندي، لضرب معاقل تنظيم «القاعدة» في شمال مالي، على ألّا تستمر العملية العسكرية لأكثر من سنة. وحقاً، نجحت «سيرفال» في مهمتها الأولى فانسحب مقاتلو «القاعدة» من المدن واختفوا وسط الصحراء الكبرى، ليظهر الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند في مدينة تمبكتو التاريخية المالية ظهور الفاتحين وسط احتفاء شعبي كبير.
بيد أن النصر الفرنسي لم يعمّر طويلاً؛ إذ سرعان ما نظم مقاتلو «القاعدة» صفوفهم وأطلقوا «حرب عصابات» طويلة الأمد. بل إنهم وسّعوا نطاق عملياتهم الإرهابية لتشمل، بالإضافة إلى مالي، كلاً من النيجر وبوركينا فاسو المجاورتين؛ ما أرغم الفرنسيين حينها على إنهاء عملية «سيرفال»، وإطلاق عملية جديدة تحت اسم «برخان» عام 2014، قوامها 4500 جندي. ومن ثم، وضعت باريس استراتيجية أمنية جديدة عمودها الفقري إطار إقليمي جديد هو «مجموعة دول الساحل الخمس»، التي ضمت موريتانيا، ومالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وتشاد.
منذ 2015، شكلت «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، بمختلف أفرعها، تحالفاً جديداً حمل اسم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين». وفي العام نفسه، دخل تنظيم «داعش» على الخط، ووصلت الحرب على الإرهاب ذروتها في المنطقة. وعندها، قررت فرنسا خلال العام الماضي رفع عدد جنودها في المنطقة ليصل إلى 5100 جندي، وأعلنت أن تنظيم «داعش» هو عدوها الرئيس في منطقة الساحل.
كانت فرنسا تنفق سنويا قرابة مليار دولار أميركي على أنشطتها العسكرية والتنموية في الساحل، بينما خسرت أكثر من خمسين جندياً، ولو أنها حققت مكاسب عسكرية مهمة، عندما حيدت المئات من مقاتلي «القاعدة» و«داعش»، وقتلت عدداً كبيراً من القادة، وبالذات، عبد المالك دروكدال، زعيم «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» ومؤسسه، منتصف العام الماضي.
رغم كل ذلك، بقي الوضع الأمني في تدهور مستمر، بل إن الاستخبارات الخارجية الفرنسية أعلنت الشهر الماضي أن تنظيم «القاعدة» وضع استراتيجية لتوسيع دائرة نفوذه لتشمل مناطق من غرب أفريقيا وخليج غينيا. كذلك، اتسعت دائرة الصراع العرقي في مالي وبوركينا فاسو، وتأزمت الأوضاع السياسية والاجتماعية في المنطقة، وأصبح الوضع بشكل عام أكثر صعوبة وتعقيداً، خاصة بعد الانقلاب العسكري العام الماضي في مالي، وانتخابات رئاسية تثير الجدل في كل من النيجر وتشاد وبوركينا فاسو.
وبالتالي، في ظل العجز الكبير لدى دول الساحل عن المواجهة العسكرية، والتحفظ الألماني (الأوروبي) على التورط العسكري في المنطقة، والموقف الأميركي غير الواضح حتى الآن، تجد فرنسا نفسها فيما يشبه «الفخ». فلا هي تستطيع الاستمرار في عملية عسكرية تكلفها خسائر مادية وبشرية كبيرة، ولا يمكنها – في المقابل – أن تنسحب من منطقة نفوذها التقليدي في أفريقيا لصالح تنظيمات إرهابية تستهدف مصالحها الاقتصادية الحيوية، وتشكل تهديداً لأمنها القومي، وأمن أوروبا والعالم.

تدويل الحرب
كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صريحاً خلال المؤتمر الصحافي الختامي للقمة الثلاثاء الماضي؛ إذ أعلن أنه «فكّر» في جميع الخيارات والسيناريوهات، واصفاً الانسحاب الفوري بأنه «خطأ». إلا أنه مع ذلك ترك الباب مفتوحاً أمام انسحاب تدريجي يبدأ بعد فصل الصيف المقبل، من دون أن يحدد ملامح هذا الانسحاب التدريجي أو تفاصيل عنه.
يراهن الرئيس الفرنسي على قوة الكوماندوس الأوروبية «تاكوبا» التي شُكلت خلال العام الماضي بمبادرة فرنسية، وكان هدفها الأبرز رفع مستوى الانخراط الأوروبي إلى جانب فرنسا في الحرب على الإرهاب في الساحل، لا سيما، بعد الصعود القوي لتنظيم «داعش» في المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو... ذلك المثلث الذي يوصف بأنه «الخاصرة الرخوة لمنطقة الساحل» الأفريقي. إلا أن الخطة الفرنسية تواجه بعض الصعوبات. ذلك أن القوة الأوروبية «تاكوبا»، رغم مشاركتها في بعض العمليات العسكرية الميدانية العام الماضي، ما تزال في بدايات مرحلة التشكل. والسبب هو إحجام الدول الأوروبية عن الانخراط فيها، خاصة ألمانيا. وفي حين أعلنت دول أوروبية عن استعدادها لإرسال جنود (إستونيا، والسويد، والتشيك، والبرتغال، وإيطاليا، وصربيا، وهولندا، والدنمارك، واليونان، وبلجيكا، والمجر، والنرويج)، فإن الأمور تسير ببطء كبير.
الخطة الجديدة التي أعلن عنها الرئيس ماكرون تسعى إلى أن يصل قوام القوة الخاصة الأوروبية إلى ألفي جندي، بالإضافة إلى 500 جندي فرنسي، وأن تعمل في وحدات خاصة تجمع الأوروبيين مع جنود من دول الساحل، وهدفها الرئيسي دحر التنظيمات الإرهابية وإعادة نفوذ الدول إلى المناطق المحرّرة. وفي المستقبل القريب، من المقرر أن تحل القوة الأوروبية تدريجياً محل القوات الفرنسية، على أن يكون الهدف على المدى البعيد تسليم قيادة العمليات للقوة العسكرية المشتركة التي شكلتها دول الساحل الخمس. وللعلم، أعلنت تشاد هذا الأسبوع، أنها سترسل 1200 جندي إلى منطقة المثلث الحدودي، بين النيجر، ومالي، وبوركينا فاسو، للعمل إلى جانب الأوروبيين والفرنسيين، في حين يتأهب الاتحاد الأفريقي لإرسال قوة أفريقية قوامها ثلاثة آلاف جندي.
أيضاً، ما زال أمام هذه الاستراتيجية عقبات كبيرة، أبرزها النقص الحاصل في تمويل وتجهيز وتدريب القوة العسكرية المشتركة لدول الساحل، والتي يعد الاتحاد الأوروبي مموّلها الرئيسي (400 مليون يورو)، بالإضافة إلى بعض دول الخليج العربي. وفي المقابل، ترفض الولايات المتحدة الأميركية التعامل مع القوة على أنها «قوة إقليمية»، وتكتفي بتقديم مساعدات ثنائية للجيوش المحلية. أما فرنسا فهي شريك ميداني للقوة العسكرية المشتركة لدول الساحل، تؤمن الجانب الاستخباراتي والتقني، وتخطط للعمليات العسكرية النوعية.
الرئيس الفرنسي أعلن، من جهته، أن القوة العسكرية المشتركة لدول الساحل تتطلب 40 مليون يورو سنوياً، والسبيل الوحيد لتوفير هذا التمويل هو أن توضع هذه القوة العسكرية المشتركة تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وهذا أمر ظلت تعارضه إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب طيلة العامين الماضيين. إلا أن ماكرون أعرب عن أمله في أن تتغير الأمور خلال الأشهر المقبلة، بعدما وصل الديمقراطيون إلى البيت الأبيض، وبالأخص، بعد الرسائل الإيجابية التي بعثت بها إدارة الرئيس الجديد جو بايدن تجاه منطقة الساحل. وفي هذا السياق، قال مصدر دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط»، إن موقف الإدارة الأميركية الجديدة سيكون حاسماً في مستقبل المقاربة الأمنية الفرنسية تجاه منطقة الساحل، وربما يكون ترقب هذا الموقف الأميركي هو سبب «الضبابية» التي سادت قمة نجامينا الأخيرة.
إحباط شعبي
على صعيد متصل، يجد صناع القرار في فرنسا ودول الساحل أنفسهم أمام ضرورة تسيير تعقيدات دولية شائكة بخصوص حرب طويلة الأمد، كلفتها المادية والبشرية باهظة. ويتوجب عليهم أيضا مواجهة رأي عام محلي أصبح يلعب دورا مهما في هذا الملف، خاصة في بعض دول الساحل التي ظهر فيها رأي عام مناهض للوجود العسكري الفرنسي والأجنبي. وكان بين أبرز المؤشرات وأحدثها المظاهرة التي سارت في العاصمة المالية باماكو الشهر الماضي، واستخدمت الشرطة القوة لتفريقها؛ لأنها كانت ترفع شعارات مناهضة للوجود العسكري الفرنسي في البلاد، وتصف فرنسا بأنها «قوة احتلال».
وهنا يفسر باكابيني كيتا، الباحث السياسي في دولة مالي، هذا التيار الشعبي المتصاعد ضد التدخل الفرنسي، بأنه «نابع مما يجري على الأرض؛ فالحرب على الإرهاب في هذه المنطقة بدأت منذ قرابة عشر سنوات، والناس هنا تحس بأن الوضع يتدهور، ليس هنالك أي تقدم على مستوى المعاش اليومي للسكان».
ويعتقد كيتا، أن الرأي العام في بعض دول الساحل، وخاصة في مالي، بدأ يتبنى وجهة نظر تقول، إن «فرنسا تدخلت ليس من أجل حماية المنطقة من خطر الإرهاب فحسب، وإنما لحماية مصالحها بالدرجة الأولى». وهنا يشير إلى مناجم اليورانيوم في شمال النيجر التي تستغلها شركة «آريفا» الفرنسية، واستثمارات شركة «توتال» النفطية الفرنسية. ويضيف كيتا، أن هنالك من يعتقدون أن «فرنسا تجعل من الإرهاب مبرراً للبقاء من أجل حماية مصالحها ونفوذها. بل إن بعض الماليين بات يتساءل عن مدى جديتها في القضاء على خطر الإرهاب»، على حد تعبيره.
من ناحية ثانية، رغم تصاعد الأصوات المناهضة للوجود العسكري الفرنسي، فهنالك من يعتقدون أن في الأمر بعض التضخيم الإعلامي، على غرار الدكتور المصطفى فاتي، الأستاذ الجامعي والباحث الموريتاني في مجال الأمن والاستقرار بمنطقة الساحل. فاتي يعتقد أن «أي وجود عسكري أجنبي إذا استمر لسنوات في منطقة معينة، يثير بعض الحساسية لدى السكان المحليين، وخصوصاً، حين تركز التغطية الإعلامية على العمليات المسلحة وأعداد القتلى. ولكن هذا لا يعكس بالضرورة رفضاً شعبياً حقيقياً، بقدر ما هو إحساس لدى البعض بأن الجانب العسكري هو المسيطر على الاستراتيجيات والمقاربات». ويضيف فاتي، أن سبب هذا الإحساس بالإحباط لدى الشعوب هو «غياب التغطية الإعلامية لما يتحقق من مشاريع تنموية. ففي حين يستحوذ الجانب العسكري على حيز أكبر من التغطية الإعلامية، لا يتكلم أحد عن إطلاق 18 مشروعاً تنموياً عملاقاً في منطقة الساحل خلال الأشهر الماضية».
ويعتقد الأستاذ الجامعي الموريتاني، أن المقاربة الأمنية المعتمدة من طرف فرنسا ودول الساحل «لم تفشل» في تحقيق أهدافها. ويؤكد أنها «إنما وضعت لتنفذ على المدى الطويل، ولا يمكن أن نحكم عليها الآن بالفشل؛ لأن تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الساحل ليس بالأمر الهيّن... والمنطقة شاسعة جغرافياً، وتتقاطع فيها تنظيمات تمارس الكثير من الأنشطة غير القانونية، ولا يمكن القضاء عليها في فترة وجيزة».
كذلك، يؤكد فاتي، أنه لولا التدخل الفرنسي والتعاون مع دول الساحل «لكانت الحركات المسلحة تسيطر اليوم على المدن الكبيرة، وتزعزع الأمن في المنطقة عموماً، لكن المقاربات الأمنية التي وضعتها فرنسا ومجموعة دول الساحل الخمس لعبت دوراً كبيراً في إرغام هذه التنظيمات على التقهقر، وتوقيفها بعيداً عن المدن الكبرى والعواصم والكثير من الأقاليم».

الرأي العام الفرنسي
ولكن، ماذا عن الرأي العام الفرنسي؟
أمام الضرر الذي بدأ يلحق بصورة فرنسا، وحجم الخسائر المادية والبشرية التي تلحق بها في منطقة الساحل، دخل الرأي العام الفرنسي على الخط، وبدأ يهتم بالعملية العسكرية الفرنسية في الساحل الأفريقي، لا سيما، في ظل ركود الساحة الداخلية الفرنسية وتركيز الإعلام على الملف وتخصيص له مساحة واسعة من التغطية، ومن ثم، ربطه بالمستقبل السياسي للرئيس ماكرون الذي يعدّ لخوض انتخابات رئاسية حاسمة.
هنا، يقول الباحث المالي باكابيني كيتا، إن المعطى الجديد هو أن «الفرنسيين بدأوا يعارضون التدخل العسكري لبلادهم في منطقة الساحل، وبعض استطلاعات الرأي تشير إلى أن 51 في المائة من الفرنسيين يعارضون هذا التدخل». ويضيف الباحث المالي - الذي درس وأقام طويلاً في فرنسا – قائلاً، إن «الفرنسيين الذين يطالبون بسحب قواتهم من منطقة الساحل، لا يرون إلا الجانب المتعلق بالخسائر البشرية والمادية والمعنوية التي تتكبدها بلادهم في هذه الحرب. غير أنه ليست لديهم بقية المعلومات المتعلقة بحماية المصالح الفرنسية؛ لأن السلطات لن تكشف حقيقة وجودها العسكري؛ إذ ليست كل الحقائق للكشف والمصارحة»، على حد تعبيره.
ويتابع كيتا موضحاً، أن «دول الساحل ضحية صراع جيو - استراتيجي كبير، تخوضه القوى العالمية العظمى، بشكل غير مباشر. وفرنسا في قلب هذا الصراع، لحماية مصالحها في ظل صعود قوى أخرى في المنطقة، على غرار الصين وروسيا. وسكان الساحل هم من يدفعون الثمن، بينما تقف الحكومات المحلية عاجزة عن لعب أي دور».

الساحل... متاهة الأزمات
> يبلغ تعداد سكان منطقة الساحل أكثر من مائة مليون نسمة، يعيش أكثر من نصفها على دولار واحد لليوم. وهي تصنف واحدة من أفقر بقاع العالم، مع ارتفاع صاروخي في النمو الديمغرافي، وتغير مناخي يزيد من انتشار الفقر ويدفع سكان الريف نحو الهجرة، كل ذلك يتزامن مع تداعيات جائحة «كوفيد - 19» والأزمة الأمنية الخانقة.
وخلال قمة نجامينا أعلن «تحالف الساحل» الذي أسس قبل ثلاث سنوات، ويضم 24 من الشركاء والمموّلين، على لسان رئيسته وزيرة الخارجية الإسبانية أرانتشا غونثاليث لايا، أن 17 مليار يورو ستوجه للاستثمار في قرابة 900 مشروع تنموي بمنطقة الساحل، هدفها الرئيس تحسين الأوضاع المعيشية للسكان.
كذلك، نشر التحالف تقريراً قال فيه، إن استثماراته خلال السنوات الثلاث الماضية مكّنت نصف مليون مزارع ومنمٍ في المنطقة من الحصول على دعم لتطوير أنشطتهم، ونصف مليون شاب استفادوا من التكوين المهني، وأكثر من نصف مليون نسمة حصلوا على خدمة الكهرباء، وأكثر من مليون ونصف المليون نسمة حصلوا على خدمة الصرف الصحي. أيضاً، وفر الدعم الاستثماري لأكثر من خمسة ملايين ونصف المليون إنسان الماء الصالح للشرب، وحصل أكثر من ثلاثة ملايين طفل على التلقيح، واستفادت أكثر من 1200 منظمة مجتمع مدني من الدعم والتكوين.
ولكن، رغم كل الأموال التي تصرف على الجانب العسكري والتنموي، يعتقد آبا كاسامبارا، وهو ناشط سياسي ومدني في منطقة موبتي بوسط مالي، أن فرنسا والمجموعة الدولية تجاوزت الجذور الحقيقية للأزمة، وضيعت الكثير من الجهد في الحل العسكري ودعم حكومات ينخرها الفساد. ويشرح «لو كانت المجموعة الدولية، وفرنسا بشكل خاص، جادة في حل الأزمة الأمنية في منطقة الساحل، وهي التي تتحكم في سلطات هذه الدول وتختار الرؤساء والوزراء وكبار المسؤولين والضباط... لو كانت جادة لتوجهت نحو معالجة أزمة الحكامة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والديمقراطية. إذ إن معظم المنخرطين في صفوف التنظيمات الإرهابية شباب محبطون من الأوضاع الصعبة وتعرضوا للغبن الاجتماعي، إنهم ضحية فشل الدولة وعجزها وفسادها».
ويضيف الناشط السياسي المالي، أن المفارقة الكبيرة هي أنه مع كل قمة لدول الساحل «نسمع الجميع يتحدث عن تعبئة المجموعة الدولية حول الحرب على الإرهاب في الساحل، ولكن لا أحد يتحدث عن تعبئة المجموعات المحلية الموجودة على الأرض». ويتابع مشيراً إلى أن سكان بعض المناطق في وسط مالي «بعدما فقدوا الأمل في الدولة، أطلقوا مبادرات محلية مكّنت من استعادة مستوى معين من الأمن، فعادت الأسواق إلى الانتعاش، وأصبحت العديد من الطرق سالكة. إنها مبادرات محلية نابعة من السكان، وتعالج الأزمة بأدوات محلية كانت تستخدم منذ عدة قرون، ولكن لا أحد من صناع القرار يفكر فيها اليوم»، على حد تعبيره.
وهنا، يعرب الدكتور المصطفى فاتي، الأستاذ الجامعي والباحث الموريتاني في مجال الأمن والاستقرار بمنطقة الساحل، عن اعتقاده بأن «على المجموعة الدولية ودول الساحل طرح مقاربة قائمة على أدوات محلية لتجاوز الأزمة الأمنية في الساحل، وتأسيس أكاديمية ثقافية تعزز الأمن والاستقرار في منطقة الساحل، هدفها تكوين وسطاء من أجل السلام، يقودون مبادرات السلم والأمن في مجتمعاتهم... وعلى أن تكون لهؤلاء رؤى وتصورات لحل المشاكل سلمياً وبأدوات محلية، واستخدام الإرث التاريخي في مواجهة التنظيمات المتطرفة».



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.