الرواية... من مخيال البراءة إلى جحيم الحرب

لؤي حمزة عباس يفكك «شفرات الأشياء الصغيرة»

الرواية... من مخيال البراءة إلى جحيم الحرب
TT

الرواية... من مخيال البراءة إلى جحيم الحرب

الرواية... من مخيال البراءة إلى جحيم الحرب

الأشياء الصغيرة «اليومية»، وربما المهملة والهامشية، التي تحفل بها حياتنا هي ما تلفت انتباه القاص الروائي لؤي حمزة عباس في روايته القصيرة (النوفيلا) الموسومة «حقائق الحياة الصغيرة» (2021)، فالروائي لا يبحث عن الأشياء والأحداث الكبيرة، لكنه يمنح هذه الأشياء الصغيرة حجماً مكبراً، كأنه يضعها تحت عدسة مكبرة، حيث يروح يستنطقها ويستغور عالمها الداخلي، ويفكك شفراتها السرية، لكي تنبض بالحياة، وتمنح الفرصة للقارئ لأن يتلقاها بعفوية وبراءة، وربما يعيد اكتشافها وتأويلها وصولاً إلى أنساقها المغيبة التي تنقله من عالم الأشياء الصغيرة إلى فضاء الأشياء، والدلالات والأحداث الكبرى...

- الروائي الغائب
أحداث الرواية بكاملها تطل عبر منظور بطلها الصغير، غير المسمى، الطالب في المدرسة الابتدائية. ومن خلال سرد مبأر عبر ضمير الغائب الذي هو ليس جزءاً من السرد كلي العلم، بل هو شكل سردي موضوعي مبأر يسميه تودروف بـ«أنا الراوي الغائب»، حيث يمكن بسهولة استبدال الضمير الغائب «هو» بالضمير «أنا». ويلاحق بطل الرواية الصغير، عبر مخيال الطفولة البريء، أحداث عالمه الصغير الذي يتسع لاحقاً عندما يصبح جندياً ينام في خنادق الحرب وسواترها، بكثير من العفوية والبراءة، وأحياناً ينقل لنا مشاهد حياته من خلال «عين كاميرا» تدون بحيادية اللقطات المختلفة، وهو نهج يعتمده الروائي في أغلب قصصه ورواياته. وبطل الرواية في رؤيته وسرده مشبع بكم هائل من الحكايات الفولكلورية والقصص الخرافية والميثولوجية، من خلال حكايات جدته له أو من خلال الكتب التي يقرأها لجدته عن قصص الأنبياء، فضلاً عن قراءاته الخاصة وولعه بشكل خاص بالكتب التي تحدثه عن مدن العالم الساحرة، والتي حدثه عن بعضها ابن عمه البحار (سليم). وفجأة، يجد هذا البطل الصغير نفسه وقد أصبح جندياً في واحد من أنفاق الحرب المجنونة في شرق البصرة التي شنها صدام حسين لتأكل الأخضر واليابس، لكن وعي البطل الصغير البريء العفوي التلقائي، وربما الميثولوجي، يظل مهيمناً على وعي الجندي الصغير وهو يواجه آلة الحرب المرعبة.
ولم يكن البطل الصغير وحيداً في مواجهة العالم، بل كان يقف دائماً إلى جانبه صديقه جرذً ما، وغالباً ما يعامله معاملة المعرف بـ«أل التعريف» الدال على النوع، حيث يخاطبه ويصغي إليه، بل يستنجد به أحياناً للانتقام له من بعض زملائه الذين يعنفونه أو من بعض معلميه القساة، ومنهم المعاون عباس والمعلمون الذين يرتدون السفاري الزيتوني تشبهاً بالحزبيين في ذلك الوقت. كان يكتب للجرذان لتنتقم له، ثم يتوجه لأقرب فتحة من فتحات جحورها في حديقة المنزل أو تحت العتبة... ليرمي ما يكتب كلما ضايقه أحد الطلاب... ويكتب اسم الطالب أو المدرس عليها... ثم يلف الورقة ويرميها، وكأنه يحاكي سكان الكهوف القدامى في رسومهم البدائية داخل الكهوف وهم يصوبون سهامهم نحو طرائدهم، أو مثلما يفعل بعض السحرة للانتقام من شخص ما بكتابة اسمه والدعاء عليه لكي يحققوا فعل الانتقام.
ظل بطل الرواية طيلة حياته يشعر بالتماهي مع عالم الجرذ الصغير وهو يتذكر حكاية جدته. ولكن ما سر علاقة البطل بالجرذ؟ وهو سؤال أثاره البطل في حواره مع ابن عمه سليم، ولماذا الجرذ بالذات؟ وهو سؤال ظل مفتوحاً (ص 51).
يخيل لي أن البطل الصغير اختار الجرذ صديقاً وظلاً وتوأماً لكي يستطيع أن يحادثه ويبثه همومه، ربما بسبب نزعته الانطوائية وخشيته من الآخرين الذين قلما يقيم معهم حوارات واسعة. وربما يذكرنا هذا الاختيار برواية «كاتم الصوت» لمؤنس الرزاز، وبطلها يوسف الذي شعر بحاجته إلى شخص يقدم له اعترافاته، فاختار «سلافة» الصماء التي بدأ يبثها أسراره وهمومه. ويقدم الروائي مونولوجاً داخلياً للبطل المجند وهو يخاطب الجرذ: «أراقبك وأنت تتحرك، أستعيد مع كل حركة من حركاتك جانباً من حياتي... إنها أبواب حياتي التي قفزت فيها من الطفولة إلى الحرب» (ص 91). كأن البطل يشعر بأن عمره قد خطف مثل جرذ خائف عندما صار جندياً.
رواية لؤي حمزة عباس «حقائق الحياة الصغيرة» ليست مجرد ملاحقة لمراحل نمو بطل الرواية الصغير منذ أن كان فتى صغيراً في الدراسة الابتدائية حتى صار جندياً داخل جحيم الحرب، فهي ليست رواية التربية العاطفية التي كتبها غوستاف فلوبير، وليست مناسبة لتمييز مراحل «طقوس العبور» عبر المراحل العمرية المختلفة، بل هي أولاً وقبل كل شيء رواية عن الحرب، وعن الاستبداد والديكتاتورية. فالحرب تتقافز في الرواية، تماماً مثلما تتقافز الجرذان عبر التاريخ وفي خنادق الحرب، لكن الحرب لم تطل برأسها وثائقياً، وإنما من خلال أصدائها وصواريخها التي كانت تسقط على رؤوس الأبرياء وبيوتهم الآمنة، وتعيد تأسيس تقاليد عسكرة المجتمع وتدمير قيمه، كما نجد ذلك في إشاعة روح العنف والقسوة لدى الأجيال الجديدة من خلال قيام طلبة المدرسة الابتدائية بقيادة الطالب المشاكس شهاب الوحش بعملية اصطياد الجرذان والحيوانات الصغيرة، والتلذذ بتعذيبها وقتلها وحرقها. وهو مشهد ذكره بشخصية صدام حسين في طفولته، عندما كان يتلذذ بقتل الحيوانات الصغيرة، التي تومئ إلى شخصية عدوانية سادية.

- تناص مع «الأمير الصغير»
رواية لؤي حمزة عباس رواية تحتاج إلى قارئ خاص، ربما قارئ يمتلك روح طفل صغير برئ، مثل بطل الرواية ومخياله السحري الميثولوجي، وربما يمتلك أيضاً مخيال بطل رواية «الأمير الصغير» لأنطوان سانت أوكزبيري التي ذكرها لحبيبته الافتراضية (بلقيس)، وأخبرها عن هذا الأمير الصغير الذي يعيش بعيداً وحيداً على كوكبه: «تصوري أميراً وحيداً على كوكب بعيد، كل شيء صغير على كوكبه، وليس لديه سوى زهرة يرعاها، تحدثه ويحدثها»، حيث نكتشف أن هذا الأمير الصغير الذي كان بحجم نبتة صغيرة يعشق وردة، وكان يحادثها ويبثها همومه وأحلامه، لكنه في لحظة معينة يكتشف أنها قد خذلته عندما قررت أن تهجره وترحل بعيداً إلى كوكب آخر. وهذه الموتيفة الصغيرة ربما تذكرنا بعلاقة بطل الرواية الصغير بجارته (بلقيس) التي أحبها عن بعد من طرف واحد، ولم يجرأ على الاعتراف لها بحبه أو الاقتراب منها، مما دفعها إلى إقامة علاقة عاطفية مع ابن عمه البحار (سليم)، عندما فوجئ بهما وهما في موقف عاطفي ساخن، مما جعله يتهمهما بالخيانة لحبه غير المعلن، وهو أمرٌ قد ضاعف من غضبه، وربما دفعه إلى قتل الجرذ بحجر دون أن يحس بالأسف والحزن.
يخيل لي أن قصة أو (نوفيلا) «الأمير الصغير» كانت تمثل بصورة أو بأخرى النص الغائب للرواية الذي أقام معه المؤلف تناصات كثيرة، مثلما أقام تناصات أخرى مع العشرات من قصص الأطفال والحكايات الميثولوجية والشعبية، فضلاً عن تناصاته مع كتاب «الجرذ: والتاريخ الطبيعي والثقافي» تأليف جوناثان بيرت، ترجمة معن أبو الحسن، منشورات «كلمة» أبوظبي 2011.
وفي هذه الرواية، يرتفع الروائي لؤي حمزة عباس بمستوى منظوره السردي في التقاط نماذج الحياة اليومية الصغيرة التي تمثل هامشاً اجتماعياً، ويتجنب المتن المركزي الرسمي خاصة. ولكي يظل بعيداً عن المركز، نراه يعمد في الغالب إلى خلق أبطال صغار بمخيال بريء منفتح، ويمنحهم الفرصة لإعادة قراءة التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي لمدينة البصرة وأناسها، ربما كناية عن العراق نفسه. ولكي يعمق الإحساس بالبراءة، نراه يبتعد إلى حد كبير عن الإسقاطات السيكولوجية، ويحرص على تقديم منظر محايد موضوعي من خلال لقطات سريعة أشبه ما تكون بلقطات سينمائية وامضة، أو من خلال بناء بنية لمشهد روائي، ولكن غالباً عبر ترك «عين كاميرا» مفتوحة، من خلال منظور البطل المبأر الذي يتلقى إشارات العالم الخارجي وشفراته وعلاماته بعفوية وشفافية، ويتحول الوصف الروائي، خاصة في مظهره الشيئي الذي رسخته تقاليد «مدرسة النظر» في الرواية الفرنسية الجديدة، إلى عنصر مهم في تدعيم المنظور الموضوعي المحايد لمخيال البطل الصغير المنبهر بمرئيات العالم ورموزه وحكاياته.
لقد عمد الروائي إلى تجميد حركة الزمن عند مخيال البطل الصغير غير المسمى (كعادة المؤلف)، وكما فعل في روايته «مدينة الصور» التي بقي فيها بطل الرواية يمتلك وعياً طفولياً عندما أصبح شاباً، ويدفعنا إلى استذكار بطل سالنجر في «حارس حقل الشوفان» وليم كولفيلد. فرغم مرور الزمن الذي جعل من هذا الفتى الصغير جندياً في خنادق الحرب المجانية، فإن السرد المهيمن منذ بداية الرواية حتى نهايتها يتسم بوعي البطل الصغير ومخياله من فترات النضج اللاحقة، فقد كانت تومض بين فترة وأخرى، وظلت هي الأخرى محكومة إلى حد كبير بمخيال البراءة والعفوية والموضوعية الذي استهل به البطل الصغير سرده لحياته ولعالمه ومدينته البصرة.
لؤي حمزة عباس، روائي من طراز خاص، تعلم الشيء الكثير من محمود عبد الوهاب ومحمد خضير وفؤاد التكرلي، وحكايات الجدات، ومن تراث أدب الأطفال وكتب الفولكلور والميثولوجيا، فضلاً عن الرواية العالمية، واختار أن يكون حارس مخيال البراءة والطفولة والصدق بطريقة سردية باهرة.



80 ألف عمرة بالإنابة… مبادرة سعودية تفتح أبواب المناسك للعاجزين في رمضان

مبادرة «عمرة هدية» تتيح العمرة بالإنابة عن غير القادرين (جمعية هدية الحاج والمعتمر)
مبادرة «عمرة هدية» تتيح العمرة بالإنابة عن غير القادرين (جمعية هدية الحاج والمعتمر)
TT

80 ألف عمرة بالإنابة… مبادرة سعودية تفتح أبواب المناسك للعاجزين في رمضان

مبادرة «عمرة هدية» تتيح العمرة بالإنابة عن غير القادرين (جمعية هدية الحاج والمعتمر)
مبادرة «عمرة هدية» تتيح العمرة بالإنابة عن غير القادرين (جمعية هدية الحاج والمعتمر)

مع حلول شهر رمضان، تتجه أنظار ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة طلباً لأجر العمرة في أكثر مواسم العام روحانيةً، غير أن الرغبة في أداء المناسك لا تتاح دائماً للجميع. فبين المرض والعجز وتقدّم العمر، تبقى أمنية العمرة مؤجلة لدى كثيرين، أو حاضرة في ذاكرة أبنائهم الراغبين في أدائها عن ذويهم الراحلين. هنا تحديداً برزت مبادرة «عمرة هدية» التابعة لجمعية «هدية الحاج والمعتمر»، التي نجحت خلال السنوات الماضية في تنفيذ أكثر من 80 ألف عمرة بالإنابة عن عاجزين ومتوفين، ضمن نموذج يجمع بين العمل الخيري والتنظيم الرقمي.

المبادرة، التي أطلقتها الجمعية عبر متجرها الإلكتروني، تقوم على استقبال طلبات أداء العمرة عن شخص عاجز صحياً أو متوفى، قبل أن تنتقل الطلبات إلى فريق مختص يتولى متابعة التنفيذ وفق إجراءات تنظيمية وشرعية دقيقة.

المهندس تركي الحتيرشي الرئيس التنفيذي لجمعية «هدية الحاج والمعتمر» (الشرق الأوسط)

وقال لـ«الشرق الأوسط» الرئيس التنفيذي للجمعية المهندس تركي الحتيرشي، إن المشروع صُمم لتيسير أداء العمرة بطريقة موثوقة ومنظمة، موضحاً أن منصة التنفيذ تعتمد 3 مراحل توثيقية تبدأ بتحديد نية العمرة وبيانات الشخص المراد أداء المناسك عنه، ثم متابعة الأداء ميدانياً أثناء المناسك، وصولاً إلى مرحلة التحقق بعد الانتهاء من السعي، للتأكد من إتمام العمرة كاملة وبنية صحيحة.

ويؤدي العمرة، حسب الحتيرشي، طلاب علم متخصصون في العلوم الشرعية من الجامعات السعودية، من بينها جامعة أم القرى والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ممن سبق لهم أداء الفريضة عن أنفسهم، في إطار يضمن الالتزام بالأحكام الشرعية والتنظيمية في جميع مراحل التنفيذ.

ولا تقتصر تجربة الجمعية على العمرة فحسب؛ إذ تشمل كذلك حج البدل، حيث جرى تنفيذ آلاف الحجج خلال المواسم الماضية بعد استكمال التصاريح النظامية، فيما تتولى الجمعية إصدار التصاريح الخاصة بالحاج المنفذ للمناسك، سواء أُديت عن متوفى أو عاجز.

وفي موازاة العمل الخيري، تعمل شركة «هدية الخير لخدمات الحجاج والمعتمرين» بوصفها الذراع الاستثمارية والتنفيذية للجمعية، بهدف تعزيز الاستدامة المالية للمبادرات.

علاء القباص الرئيس التنفيذي لشركة «هدية الخير» (الشرق الأوسط)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» الرئيس التنفيذي للشركة علاء القباص، أن تأسيسها جاء لدعم مشاريع الجمعية عبر تنويع مصادر الدخل، مشيراً إلى نشاطها في مجالات الاستثمار العقاري وإدارة الأصول، إلى جانب الاستثمار في الشركات الناشئة والابتكار وريادة الأعمال.

وأضاف القباص أن أعمال الشركة تمتد إلى قطاع التصنيع، بما يشمل تصنيع الغذاء والهدايا التذكارية، إضافة إلى التوريد والاستيراد والتصدير، خصوصاً في مجال هدايا الحجاج والمعتمرين، مع شراكات صناعية داخل المملكة وخارجها، من بينها مصانع في تركيا، فضلاً عن مصانع في مكة المكرمة والمدينة المنورة، بهدف نقل منتجات تحمل هوية المكان إلى الأسواق العالمية.

وكشف القباص عن إطلاق الموقع الإلكتروني للشركة لعرض الهدايا والخدمات المرتبطة بالحج والعمرة، موضحاً أن الخدمات ذات الطابع الخيري، مثل العمرة أو الحج بالإنابة، تُنفذ بالتنسيق الكامل مع الجمعية، ويمكن استقبال طلباتها من داخل المملكة وخارجها وفق آلية شرعية وتنظيمية معتمدة.

ومع أن أداء العمرة متاح طوال العام، يؤكد القائمون على المبادرة أن شهر رمضان يظل الموسم الأعلى طلباً، في ظل سعي كثيرين إلى إهداء العمرة لذويهم، في تجربة تعكس تحول العمل الخيري المرتبط بالحج والعمرة نحو نماذج أكثر تنظيماً واستدامة، تجمع بين التقنية والأثر الإنساني في آن واحد.

Your Premium trial has ended


علماء يبتكرون طماطم برائحة «الفشار بالزبد»… خطوة لاستعادة نكهة مفقودة

 الفشار (بيكسلز)
الفشار (بيكسلز)
TT

علماء يبتكرون طماطم برائحة «الفشار بالزبد»… خطوة لاستعادة نكهة مفقودة

 الفشار (بيكسلز)
الفشار (بيكسلز)

في تطور علمي لافت، نجح باحثون في ابتكار أول نباتات طماطم في العالم تفوح منها رائحة «الفشار بالزبد»، عبر تعديل جينين رئيسيين في آنٍ واحد، في محاولة لمعالجة مشكلة كثيراً ما أزعجت المستهلكين والمنتجين على حدّ سواء: تراجع نكهة الطماطم في أثناء النقل والتخزين. وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وطوّر علماء صينيون الصنف الجديد باستخدام تقنية تحرير الجينات، مستهدفين تعزيز الخصائص العطرية للثمار دون المساس بإنتاجيتها أو صفاتها الزراعية الأساسية. وتُعد الطماطم من أكثر المحاصيل زراعةً واستهلاكاً عالمياً، وتحظى بمكانة خاصة في المطابخ المختلفة بفضل لونها الزاهي، وتعدد استخداماتها، وقيمتها الغذائية.

فقدان العبير بعد القطف

ويلعب العبير دوراً محورياً في الجاذبية الحسية للطماطم؛ إذ يؤثر مباشرةً في تفضيلات المستهلكين وقيمتها السوقية، غير أن الثمار تبدأ بفقدان رائحتها تدريجياً نتيجة تغيّرات أيضية تنطلق فور فصلها عن الساق؛ ما ينعكس تراجعاً ملحوظاً في النكهة خلال مراحل النقل والتخزين.

وفي هذا السياق، تمكن العلماء من إنتاج «طماطم فائقة العطر» عبر استخدام تقنية تحرير الجينوم «CRISPR/Cas9» لتعطيل جينين أساسيين مرتبطين بالمسار العطري في بعض أصناف الطماطم.

(الشرق الأوسط)

هندسة جينية دقيقة

عمد الباحثون أولاً إلى تعطيل جين يُعرف باسم «BADH2»، وهو اختصار لـ«بيتين ألدهيد ديهيدروجيناز 2»، في أحد أصناف الطماطم. وأظهرت التجارب أن إيقاف هذا الجين أدى إلى تراكم مركّب عضوي يُسمّى 2-أسيتيل-1-بيرولين (2-AP)، وهو المسؤول عن الرائحة الشهية الشبيهة بالفشار.

وبعد تحليل أشكال الجين، عثر الفريق على متغيرين هما «SlBADH1» و«SlBADH2»، وقاموا بتعطيل وظيفتيهما، وأظهرت السلالات الطافرة ارتفاعاً ملحوظاً في مستويات مركّب «2-AP»، ما عزّز الطابع العطري للثمار.

نكهة أفضل دون خسارة إنتاجية

بيّنت النتائج أن السلالات المعدّلة لم تختلف اختلافاً يُذكر عن النوع البري في الصفات الأساسية، بما في ذلك موعد الإزهار، وارتفاع النبات، ووزن الثمرة، ومحتوى السكريات (الغلوكوز والفركتوز والسكروز)، إضافةً إلى الأحماض العضوية مثل حمضي الستريك والماليك، وفيتامين C.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تحقق هدفاً طال انتظاره في قطاع تحسين المحاصيل، وتعزيز النكهة مع الحفاظ على الإنتاجية.

وقال بنغ تشنغ، وهو مؤلف مشارك في الدراسة، إن العمل الحالي يهدف إلى إدخال هذه السمة العطرية إلى الأصناف التجارية المتميزة، «بما قد يعزّز تعقيد النكهة، ويحسّن تفضيل المستهلكين وقيمتها السوقية»، مشيراً إلى أن الطموح هو تكرار تجربة النجاح التي حققتها أصناف الأرز العطري.

ويأمل العلماء أن تمهّد هذه الخطوة الطريق أمام جيل جديد من الخضراوات ذات جودة حسية أعلى، تعيد إلى موائد المستهلكين نكهاتٍ افتقدوها طويلاً.


نوع نمل بلا ذكور ولا عاملات في اليابان... مستعمرة من ملكات فقط

ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
TT

نوع نمل بلا ذكور ولا عاملات في اليابان... مستعمرة من ملكات فقط

ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
ملكات تولد من ملكة (شترستوك)

وقع علماء على نوع نادر من النمل، موطنه اليابان، يتميَّز بكونه النوع الوحيد الذي يخلو من كلّ من فئتي العاملات والذكور، ويتألَّف حصراً من الملكات.

في العادة، تتكوَّن مستعمرات النمل من إناث قادرة على التكاثر تُعرف كذلك بالملكات، وعاملات غير قادرات على التكاثر، بالإضافة إلى ذكور تموت بعد التزاوج بمدّة وجيزة.

وثمة حالات شاذة عن هذا النمط معروفة، منها مستعمرات تتكوَّن من نمل طفيلي من دون عاملات، وبعضها لا يحتوي على ذكور.

وعلى امتداد أكثر من 4 عقود، اشتبه باحثون في أن النملة الطفيلية النادرة «تمنوثوراكس كينوموراي» لا تُنتج سوى الملكات، لكن لم يكن هناك دليل على ذلك حتى الآن.

الآن، قدَّمت دراسة جديدة نقلتها «الإندبندنت» أول دليل على وجود نوع من النمل يخلو من كلّ من العاملات والذكور، ويتألَّف حصراً من الملكات.

وسبق أن وثَّق علماء أنّ النملة الطفيلية «تمنوثوراكس كينوموراي» تخدع عاملات من نوع وثيق الصلة بها، «تمنوثوراكس ماكورا»، لحملهن على قتل ملكتهن الأم.

وجاء هذا بمثابة اكتشاف مفاجئ، ففي مستعمرات النمل يقضي النمل العامل حياته كلّها في رعاية الملكة، والبحث عن الطعام، والدفاع عن العشّ، وتربية صغار النمل.

ويُعدّ قتل النمل لملكته أمراً نادر الحدوث في الطبيعة، إذ تُشكّل الملكة عنصراً أساسياً لبقاء المستعمرة.

وتُظهر أحدث الدراسات أن نملة «تمنوثوراكس كينوموراي»، علاوة على قتلها للملكة المضيفة، تتكاثر لا جنسياً كذلك عن طريق إنتاج نسخ مستنسخة منها، وتخدع النمل العامل الناجي من المستعمرة المضيفة لحمله على تربية النسل.

وفي إطار البحث الأخير، جمع العلماء 6 مستعمرات تضمّ ملكات «تمنوثوراكس كينوموراي»، وتولّوا تربيتها في صناديق داخل المختبر.

وتمكّن الباحثون من تربية 43 ملكة من نوع «تمنوثوراكس كينوموراي» في المختبر، وكشف فحص النمل لاحقاً عدم وجود ذكور.

وتابعوا دراسة هذه الملكات في ظروف المختبر لمراقبة عملية وضع البيض بانتظام.

ووجد العلماء أنّ البيض يتطوَّر إلى ملكات جديدة من دون أن يُخصَّب من ذَكَر نمل.

بعد ذلك، حلَّلوا ملكات النمل تحت المجهر، ووجدوا أنّ أعضاء التزاوج لديها غير مستخدمة، ممّا يشير إلى أنّ النسل كلّه مستنسخ.

وبعد مراقبة مستعمرات ومجموعات متعدّدة من هذا النوع، أكد الباحثون أنّ هذا النوع يفتقر تماماً إلى فئتَي العاملات والذكور.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة بدورية «كارنت بيولوجي»: «تشير بياناتنا بالتالي إلى أنّ دورة حياة نملة (تمنوثوراكس كينوموراي) تتميَّز بمزيج فريد من التطفُّل من دون عاملات والتكاثُر العذري، أي القدرة على إنتاج إناث من بيض غير مخَّصب».

ويأمل الباحثون عبر دراسات لاحقة في فَهْم الظروف التي تُفضي إلى فقدان العاملات والذكور في هذا النوع من النمل.