أرشيف تلفزيون لبنان «كنز وطني» على منصة إلكترونية... قريباً

عادل مالك مع الرئيس السادات
عادل مالك مع الرئيس السادات
TT

أرشيف تلفزيون لبنان «كنز وطني» على منصة إلكترونية... قريباً

عادل مالك مع الرئيس السادات
عادل مالك مع الرئيس السادات

يحنّ معظم اللبنانيين لفترة الأبيض والأسود، ولـ«تلفزيون لبنان» إحدى أقدم محطات التلفزيون العربية، إذ أبصرت النور في عام 1959. وكبار السن منهم، بشكل خاص، يتذكرون بحنين شخصيات «أبو ملحم» و«أبو سليم» و«أبو المراجل» و«دعيبس» و«شوشو» وغيرهم من نجوم مسلسلات تلك الفترة. تلك الحقبة التي عاشوها وتناقلوا أخبارها مع أولادهم وأحفادهم، تذكّرهم بلبنان في عصره الذهبي. وعندما يخبرك أحدهم عن لحظات ساحرة ومبهرة عاشها تلفزيونياً في 21 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1967 تعرف سلفاً أنه يتكلم عن التاريخ الذي تلوّنت فيه برامج تلفزيون لبنان ومسلسلاته.
لقد كانت المذيعة مي عبد الساتر (منسّى) أول وجه إعلامي يظهر بالألوان الطبيعية على هذه الشاشة. وهو ما ذكره الإعلامي زافين قيومجيان في كتابه «أسعد الله مساءكم». ويومذاك ارتدت ثوباً برتقالياً مزركشاً ابتاعته خصيصاً للمناسبة، من تشكيلة «لوي فيرو» العالمية. ومعها دخلت المحطة عصر البث الملوّن، وحجزت مكانها بين أول 15 دولة في العالم تبث بالألوان.
واليوم، وعبر الشاشة نفسها يتابع كثيرون من اللبنانيين في الأمسيات الملاح، إعادات لتلك البرامج، بينها حوارية فنية وسياسية تعود لنجوم الشاشة خلال عقد الستينات مثل ليلى رستم ونجيب حنكش. وثمة مسلسلات لاقت نجاحاً منقطع النظير كـ«فارس بني عياد» و«حكمت المحكمة» و«المشوار الطويل» و«آلو حياتي» التي شكّل أبطالها كسميرة توفيق وإحسان صادق ووحيد جلال وشوشو وهند أبي اللمع، محطات مضيئة في تاريخ التلفزيون العربي عامة. وبالتالي، فأرشيف هذه المحطة غنيٌّ بمحتوى درامي وبرامجي يعدّ بآلاف الساعات المسجّلة. وهو لا يزال يستقطب هواة اكتشاف هذا الكنز الوطني الفريد.
أسئلة كثيرة يطرحها اللبناني اليوم حول مصير أرشيف تلفزيون لبنان. هل هو يُحفظ بأمان؟ ماذا يملك لبنان من مجمل محتوياته؟ هل تسرّبت من هذا الأرشيف شرائط ومحتويات معينة لا يمكن تعويضها؟ وهل من مخطط أو مشروع يتيح إعادة هذا الأرشيف، إلى الحياة والاستفادة منه مادياً على الصعيد الوطني؟
يرد عثمان المجذوب، مدير الأرشيف في تلفزيون لبنان، على هذه الأسئلة في حديث لـ«الشرق الأوسط» ليؤكد أن «معظم محتويات أرشيف لبنان في الحفظ والصون»، و«أن مشروعاً كبيراً ينتظرها في المستقبل القريب». ويضيف: «لدينا نحو 50 ألف ساعة من المواد الأرشيفية لتلفزيون لبنان. وكنا محظوظين بأنها بقيت موجودة طيلة هذه السنين رغم الويلات والحروب التي شهدناها. وفي المقابل، لم يجر حفظها في أماكن خاصة وبحرارة معينة، ما أثّر على بعضها سلباً فتأثرت جودتها. ولكن منذ نحو 10 سنوات بدأنا بمشروع إنقاذ هذا الأرشيف، وتحويل أشرطته من (بيتاكام) و(2 إنش) إلى الديجيتال (الرقمنة). العملية مكلّفة وتلزمها تجهيزات خاصة وقطع غيار، إضافةً إلى عملية تنظيف يدوية لها. وكما هو معروف فإن أرشيف تلفزيون لبنان بين الأقدم من نوعه بين المحطات العربية في منطقة الشرق الأوسط. وحتى اليوم استطعنا إنقاذ 12 ألف ساعة بعد أن حوّلناها إلى تقنية الديجيتال الحديثة».
ويتابع المجذوب: «هذا إنجاز نفخر به، لا سيما أن هذه الساعات المسجلة تشمل 98% من المسلسلات والبرامج المعروفة في تلك الفترة». وعن مكان حفظ الأرشيف اليوم يقول: «إنها موجودة حالياً في مبنى خاص في منطقة سن الفيل بشرق بيروت. والمبنى مدعّم بالإسمنت وتحت حراسة أمنية على مدى 24 ساعة. كما نملك نسخاً احتياطية عن هذه الموجودات موزّعة في أماكن مختلفة درءاً لأي خسارة قد نتكبّدها، خارجة عن إرادتنا. وجزء من هذا الأرشيف موضوع في خزنة داخل مصرف لبنان». ويوضح المجذوب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن أرشيف تلفزيون لبنان «يشمل مراحل بث وعروضاً طويلة يعود تاريخها إلى بداية الستينات حتى اليوم... وهناك برامج كثيرة كانت تقدّم مباشرةً على الهواء، فلم تُسجَّل، ولذا فهي غير موجودة عندنا منذ البداية». وعمّا إذا كان هناك، ضمن الأرشيف، تسجيلات للحظات فصلية عن أحداث معينة، عُرضت في نشرات أخبار تلك الفترة يرد: «ما كان يجري تسجيل نشرات الأخبار أبداً. إذ بدأنا بهذا الأمر منذ نحو 5 سنوات فقط. ولذلك فلحظة إذاعة كميل منسّى مثلاً اغتيال جون كينيدي ووفاة جمال عبد الناصر وصعود الإنسان إلى القمر وغيرها من الأحداث الحلوة والمرّة غير محفوظة للأسف».
وحسب عثمان المجذوب، جارٍ حالياً التفكير في مشروع ضخم للاستفادة من هذا الأرشيف. ويشرح: «بصراحة لدينا مشروع استحداث منصة إلكترونية خاصة بأرشيف تلفزيون لبنان. وبذا نتيح لمن يرغب الاطلاع على برامج ومسلسلات حقب تاريخية مختلفة لهذه الشاشة، يتابعها عبر هذه المنصة. قد نكون تأخرنا بعض الوقت عن القيام بخطوة مماثلة، لكننا لم نشأ أن نبدأ في التخطيط لها ونحن غير مزوّدين بالمحتوى المطلوب. كذلك نحاول راهناً تخليص وتحويل أكبر كمية أشرطة ممكنة كي تكون جاهزة للعرض على هذه المنصة. فعملية تحويل الأشرطة إلى الديجيتال متعبة جداً لا سيما أن بعضها مهترئ، ويلزمه عمل مجهد لننظفه ونقوم بـ(مَنتجته). إنقاذ ساعة واحدة من هذا الأرشيف يتطلب منا نحو 48 ساعة من العمل، إلا أننا نعتقد أن هذه المنصة ستشهد رواجاً كبيراً عند اللبنانيين، لا سيما المهاجرين الذين يحبون استذكار تلك الفترة من تلفزيون لبنان».

نجوم خالدون في الذاكرة
يتذكر اللبنانيون «نجوم» تلفزيون لبنان في فترته الذهبية من إعلاميين وفنانين ويعدّون بعضهم رموزاً وطنية لا تُنسى. ولعل بين هؤلاء كميل منسّى وجان خوري وسعاد قاروط العشّي وعرفات حجازي وعادل مالك وشارلوت وازن الخوري وجاك واكيم. هؤلاء كانوا يطلون مساء كل يوم يقرأون نشرات الأخبار من على ورق يكتبون عليه المحتوى. فيومذاك ما كانت شاشات القراءة للتلقين المباشر «تيليبرومبتر» موجودة بعد. وأيضاً بين هؤلاء من معدّي الأخبار الرياضية ومقدميها أمثال ناصيف مجدلاني ولبيب بطرس.
أيضاً، شكّلت مذيعات الربط محطة أساسية في تلفزيون لبنان، إذ كان المشاهد اللبناني متعلقاً بهن، يتفاءل باستضافتهن عبر شاشته الصغيرة مساء كل يوم. وتعد الإعلامية كابي لطيف واحدة من المذيعات اللواتي تركن أثرهن الطيب لدى المشاهد اللبناني. وحينذاك حققت قفزة نوعية في أسلوب إطلالتها وقراءتها للخبر، إذ كانت عندما تطل تتسمّر العيون على الشاشة، وتراقب هذه الصبية الشقراء النابضة بالحياة والجمال. وحقاً سرقت كابي انتباه المشاهد بنفحتها الشبابية وبصوتها الدافئ منذ إطلالاتها الأولى على هذه الشاشة. وهي تتذكّر تلك الحقبة في حوار مع «الشرق الأوسط»، فتقول: «كنت في السابعة عشرة من عمري عندما دخلت تلفزيون لبنان، وبدأت العمل فيه. وكان ذلك في عام 1973. كان نجوم كثر يلمعون في سماء هذه المحطة أمثال ليلى رستم ونهى الخطيب سعادة وعادل مالك وإلسي فرنيني وشارلوت وازن الخوري وجاندارك أبو زيد وغيرهم. انبهرت بأجواء التلفزيون فكنت أراقب وأتعلم بصمت، وهو ما أسهم في صناعة شخصيتي الإعلامية التي ولدت من رحم تلفزيون لبنان. كنت أتفرج على هؤلاء النجوم وأحاول أن أتعرف إليهم أكثر فأكثر. ثم زوّدني عملي مع الراحل رياض شرارة في برنامج (ناس ونغم) بخبرة كبيرة. كان الناس يتجمهرون أمام مبنى المحطة في الحازمية (شرق بيروت) بالمئات كي يتسنى لهم المشاركة في هذا البرنامج. والمسلسلات، كما البرامج، كانت تقدّم مباشرةً على الهواء. ولا أنسى كيف كنت أقف وراء زجاج الاستديو أراقب الأستاذ عادل مالك يقدم برنامجه (سجلّ مفتوح)، وكذلك الأمر بالنسبة للراحل نجيب حنكش. كان الإعلام يُصنع مباشرةً أمام عيني وكنت منبهرة بما يحصل أمامي».
أكثر ما تتذكره كابي لطيف، التي هاجرت من لبنان إلى فرنسا منذ عام 1986 عملية تأهيل المذيعين: «كانوا يوجّهوننا ويعلّموننا قواعد الإطلالة والأداء في لقاءات نُجريها مع مدير البرامج في تلك الفترة ألبير كيلو وكذلك مع كلود صوايا وإبراهيم قعوار. لم تكن الأمور تجري إلا وفقاً لنهج معين تتبعه المحطة على المستوى المطلوب. وكان التواضع سيد الأجواء بين جميع الزملاء فلا صراعات داخلية تشوب العلاقات بيننا. كل ما كان يشغلنا هو حب المهنة والتفاني بها... كذلك احترام المشاهد كان ضرورة، فهو صاحب القرار الأول والأخير في وضع برمجة المحطة كي تلائم تطلعاته. أمور كثيرة شكّلت ركيزة لشخصيتي الإعلامية، وأنا محظوظة كوني عشت تلك الفترة مع الكبار».
أيضاً من الوجوه التي تحولت إلى رمز من رموز تلفزيون لبنان المذيعة سعاد قاروط العشّي، حتى إن جيلاً من الإعلاميين المعاصرين تأثر بها وحاول تقليدها فكانت قدوة له. وتقول لـ«الشرق الأوسط» في حوار معنا: «تلفزيون لبنان محطة أساسية في حياتي المهنية. إنه يعني لي الكثير... كان بيتي وعائلتي وشغفي. كبرت وترعرعت في أحضانه، تبادلنا العطاءات لنحو 30 سنة. دخلته وأنا في التاسعة عشرة من عمري، فتحول إلى ركيزة لمهنتي». وعمّا إذا هي راضية اليوم عن اللغة العربية وطريقة إلقائها من مذيعي نشرات الأخبار؟ تردّ: «سأكون صريحة وأقول إن الساحة لا تخلو من أربابها في هذا المجال. لكن هناك فوضى كبيرة في أسلوب التقديم واحترام اللغة، وقلّة تعرف قيمتها».
نجوم تلفزيون لبنان لم يمروا مرور الكرام، لا على المشاهدَين، اللبناني والعربي، ولا على الساحة الإعلامية ككل. نخبة من هؤلاء رحلوا أمثال عرفات حجازي ونهى الخطيب سعادة وإيلي صليبي. وبينهم من يعاني من المرض كعادل مالك، وآخرون يعيشون بين أفراد عائلاتهم وصار عندهم أولاد وأحفاد.
جاندارك أبو زيد أحد الوجوه التلفزيونية المعروفة في تلفزيون لبنان منذ الستينات، بادرتنا عندما التقيناها: «علاقة مميزة كانت تربطنا بعضنا ببعض، ولا نزال حتى اليوم نتواصل. كل ذكرياتنا كانت جميلة فيها الكثير من الألفة والودّ. تلفزيون لبنان مدرسة علّمت أجيالاً من الإعلاميين الذين تفرّقوا إثر إقفاله وتوزّعوا على مراكز مرموقة في صروح إعلامية كثيرة. فوقفوا وراء نجاحها واستمراريتها وكانوا بمثابة عمودها الفقري». وأردفت: «كان تلفزيون لبنان قدوة للساحة الإعلامية العربية. يأتي فنانون من مختلف البلدان ليصنعوا مجدهم من خلاله». وعن أكثر الإعلاميين الذين كانوا يلفتونها في تلك الفترة، قالت: «الراحل إيلي صليبي كان مميزاً بقلمه وحضوره وصوته. تربطني بعائلته علاقة وطيدة وأنا عرّابة أولاده».



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.