مصارف لبنان تصطدم بصعوبات في تكوين أرصدة خارجية

تأكيد الاستجابة لزيادة الرساميل... و{المركزي} ينظر في تمديد المدد

مصرف لبنان يطالب بزيادة الرساميل وتكوين رصيد خارجي يتناسب مع حجم عمليات البنوك في تمويل الاستيراد (رويترز)
مصرف لبنان يطالب بزيادة الرساميل وتكوين رصيد خارجي يتناسب مع حجم عمليات البنوك في تمويل الاستيراد (رويترز)
TT

مصارف لبنان تصطدم بصعوبات في تكوين أرصدة خارجية

مصرف لبنان يطالب بزيادة الرساميل وتكوين رصيد خارجي يتناسب مع حجم عمليات البنوك في تمويل الاستيراد (رويترز)
مصرف لبنان يطالب بزيادة الرساميل وتكوين رصيد خارجي يتناسب مع حجم عمليات البنوك في تمويل الاستيراد (رويترز)

بدأ العد العكسي لانتهاء المهلة المعطاة للجهاز المصرفي اللبناني في نهاية الشهر الحالي من قبل حاكمية البنك المركزي، والقاضية بتحصين المراكز المالية عبر إعادة هيكلة الأموال الرأسمالية الخاصة وإعادة تكوين مراكز إيجابية لدى البنوك الدولية المراسلة في الأسواق الدولية. إضافة إلى معالجة الثغرات الائتمانية التي طرأت على محافظ التمويل والتوظيفات جراء القرار الحكومي بتعليق دفع مستحقات سندات الدين الدولية وفوائدها.
ورغم انكبابها على التزام التعليمات الصادرة عن السلطة النقدية، تصطدم المصارف العاملة بعقبات قانونية وإجرائية متنوعة في مقاربة بعض البنود ضمن المهلة المتاحة، وبالأخص لجهة البند المتعلق بأرصدة حساباتها الخارجية، وأيضا لجهة طلب الزبائن الذين نفذوا تحويلات إلى الخارج تفوق النصف مليون دولار بإعادة 15 في المائة من أصل المبلغ ورفع النسبة إلى 30 في المائة للأشخاص المعرضين سياسيا وكبار المصرفيين.
وبحسب معلومات لـ«الشرق الأوسط»، يرتقب أن تنظر حاكمية البنك المركزي في تمديد المهلة، مع اشتراط تبيان انخراط إدارات المصارف المتأخرة بتنفيذ البنود الأساسية المتعلقة بزيادة الرساميل وتكوين رصيد خارجي يتناسب مع حجم عملياتها في تمويل الاستيراد. كذلك الأمر بما يخص الشروع بحجز المخصصات المقابلة لأي فجوة ائتمانية محتملة وفقا للتصنيف الذي تعتمده لجنة الرقابة على المصارف.
وتتطلب الاستجابة التامة لتعاميم السلطة النقدية، بشكل خاص، ضخ زيادات مباشرة وفروقات إعادة تخمين أصول مملوكة أو عبر تحويلات طوعية لودائع وحجز مخصصات بقيمة مجمعة تتعدى 12 مليار دولار في مهلة أقصاها 6 أشهر تنتهي آخر فبراير (شباط) الحالي. وهي تضمن، عند الالتزام التام، زيادة الأموال الخاصة بنسبة 20 في المائة توازي نحو 4 مليارات دولار عبر تقديمات نقدية وعينية بما يشمل مشاركة المودعين وإعادة تخمين عقارات مملوكة، وضخ نسبة 3 في المائة من إجمالي ودائع كل مصرف لدى بنوك أجنبية أو ما يوازي نحو 3 مليارات دولار. فضلا عن حجز مخصصات متدرجة بنسبة 45 في المائة على محافظ البنوك من سندات الدين الحكومية بالعملات الصعبة، وبنسبة 1.89 في المائة على شهادات الإيداع الموظفة بالدولار لدى مصرف لبنان.
ورصدت «الشرق الأوسط» دعوات متتالية من قبل بنوك عديدة لعقد جمعيات عمومية استثنائية خلال العشر الأخير من الشهر الحالي، تهدف إلى إقرار زيادات رأسمالية وفقا للتعليمات الصادرة. لكن العقبة الأهم تكمن في صعوبة الاستجابة ضمن المهلة المحددة في التزام إعادة تكوين الاحتياط المودع خارجيا، حيث تبين أن بعض البنوك الكبرى أتمت عملية تعبئة الحسابات الخارجية، والبعض الآخر تعدى نسبة 2 في المائة ويحتاج إلى مهلة إضافية. بينما تواجه بعض البنوك الصغرى صعوبات حقيقية ضمن الجدول الزمني المتاح.
ويؤكد مدير عام «فرست ناشيونال بنك» نجيب سمعان لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه الغالب والمنطقي هو الالتزام من قبل مجمل البنوك. فإداراتها مقتنعة ذاتيا بالهدف المنشود وتدرك جيدا أن تمتين مراكزها المالية يصب ضمن استراتيجياتها لتقوية حصانتها ومصالحها في استعادة الأنشطة العادية عند تحقق الانفراجات الداخلية الموعودة، وبما يشمل أصلا الحفاظ على سمعتها وتواصلها مع البنوك الدولية المراسلة.
يضيف، وفقا لهذه المعادلة، فمن البدهي أن تلاقى توجيهات السلطة النقدية الناظمة بكل إيجابية طبقا لطبيعة العلاقات السائدة بين الطرفين، والتي زادت أواصرها في ظل المحن المالية الصعبة التي تضرب البلاد على مدى 16 شهرا متتاليا. كذلك يمكن فهم مغزى طلب جمعية المصارف تمديد المهلة، حيث استندت إلى تشريع تمديد المهل الذي أقره مجلس النواب مؤخرا. كما ترتكز إلى أسباب موضوعية وتنفيذية تعود إلى أسابيع الإقفال العام التي قررتها الحكومة تحت وطأة تفشي وباء كورونا.
واستغرب سمعان «ترويج تحليلات عن إفلاسات واندماجات ملزمة تجافي الحقيقة والموضوعية وتسيء إلى العلاقات بين طرفين أساسيين في القطاع المالي وجهودهما في احتواء الأزمات النقدية والمالية المتفاقمة». ونوه بتأكيد مصرف لبنان بأنه «لا يعرف حتى اليوم من هي المصارف التي ستنفذ التعميم ومن هي المصارف العاجزة عن ذلك. ونتعجب عندما نرى محللين يستبقون الوقائع مما يعني أن هنالك من يريد إفشال هذا التعميم. كما ليست هذه هي المحاولة الأولى التي تهدف لهذا الغرض كما رأينا ذلك في الماضي القريب».
وبيّن أن «الأخبار التي تداولتها بعض وسائل الأعلام والتواصل الاجتماعي عن مصير ومستقبل المصارف في لبنان، ذهبت إلى استنتاجات تكلمت فيها عن دمج وإفلاسات هي في الواقع غير صحيحة تماما وعارية من أي حقيقة. فمصرف لبنان، من خلال التعميم 154 الذي أصدره، منح المصارف فترة تمتد إلى آخر شهر شباط (فبراير) لتلبية مطالبه من زيادات في رأس المال وتكوين السيولة لدى المصارف المراسلة، وهذه المهلة لم تمر بعد».
واعتبر سمعان أن التحرك التلقائي لجمعية المصارف يصب حكما في مجرى التعاون الإيجابي مع البنك المركزي. فطلب شمول المصارف بقوانين تمديد المهل القانونية لا يتضمن أي إشارة أو احتمالات الشك لجهة التزامها بالتعاميم الصادرة وانخراط المصارف في تطبيقها. بل هي تطلب صراحة شمولها البدهي بالتشريع، بحيث «يشمل تعليق المهل المواد الإدارية والمدنية والتجارية، كما يشمل المهل القانونية لانعقاد الهيئات العامة العائدة للنقابات والجمعيات والتعاونيات وسائر الهيئات المنبثقة عنها».
وخلصت مطالعة قانونية رفعتها جمعية المصارف إلى حاكمية {المركزي} إلى أن «المهل المحددة في تعاميم مصرف لبنان لا سيما بموجب المادة 6 مكرر من التعميم رقم 44 والمادة 3 من التعميم الأساسي 154 تخضع للتعليق المنصوص عليه في مختلف قوانين تعليق المهل. وحتى ولو لم يصدر أي بيان رسمي عن مصرف لبنان حول (استحقاق) توفير نسبة الـ3 في المائة للمصارف المراسلة، فإن الاتجاه نحو تأجيل المهلة نظراً للإقفال العام الذي حصل في البلاد وإقفال المصارف وشمول تمديد المهل تلك الممنوحة في التعميم رقم 154».



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.