صندوق فيروز الأسود... لبنان كما صاغه شعراؤه الرومانطيقيون

بفضل الإنترنت بدأنا نسترجع ما فاتنا أن ننتبه إليه

عاصي ومنصور رحباني
عاصي ومنصور رحباني
TT

صندوق فيروز الأسود... لبنان كما صاغه شعراؤه الرومانطيقيون

عاصي ومنصور رحباني
عاصي ومنصور رحباني

لم يمنحنا الأخوان رحباني فرصة كافية لهضم ما أنتجاه تأليفاً وتلحيناً وتوزيعاً من أغانٍ يقارب عددها الألف، خلال فترة قياسية لا تزيد عن ربع قرن، وهي فترة عملهما مع فيروز، قبل انفصالها عن زوجها عاصي الرحباني عام 1978.
وقد لعب صوت فيروز شديد الندرة دوراً حاسماً في أن يصبح هذه الإنتاج الموسيقى الكبير جزءاً من طقوس الصباح الأساسية لأغلبية المشارقة الذين تفتحت أسماعهم على أغانيها التي تنقلها بعض الإذاعات العربية صباحاً.
ولست متأكداً ما إذا كان التعود على سماع فيروز صباحاً فقط إيجابياً أو سلبياً، فحالة الاستيقاظ الكامل تتطلب وقتاً أطول مما يسمح به تناول الفطور والاستعداد السريع للتوجه إلى العمل أو المدرسة أو الجامعة.
إضافة إلى ذلك، كانت تلك الحنجرة القادرة على التنقل بين الطبقات الصوتية بسلاسة نادرة والموسيقى المكثفة الغنية بآلات حساسة كالأكورديون والبيانو، والمحسوبة جملها اللحنية المتنوعة بالثواني، تجذبان المتلقي إليهما أكثر من الكلمات التي ترددها فيروز.
ومع دخول لبنان الحرب الأهلية عام 1975 لأكثر من عقد، ورحيل عاصي الرحباني عام 1986عن عمر 53 سنة فقط، تلاشت تلك السطور القليلة الباقية في ذاكرة الكثير من الأجيال الذين عاصروا الظاهرة الرحبانية في أفضل تجلياتها: أغاني فيروز.
في البحث الدؤوب عن هذا الكنز الذي لم يكن سهلاً توافره مطبوعاً قبل الثورة الرقمية وبروز الإنترنت وما رافقها من ظهور مواقع كثيرة مهتمة بهذا الشأن، بدأنا نسترجع ما فات علينا أن ننتبه إليه في وقته.
وأهم ما فاتنا في عدم الالتفات إلى كلمات أغاني فيروز هو فشلنا في اكتشاف جيل من الشعراء الرومانطيقيين اللبنانيين، كانوا قد تعلموا في المدارس التي يديرها الآباء خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر والعقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، ومن أوائلهم كان شعراء المهجر، أبرزهم جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة.
لعل جبران الذي أعادته عائلته إلى لبنان عام 1897 (وهو في سن الخامسة عشرة) ليتابع دراسة العربية التي لم يكن يتقنها في «مدرسة الحكمة»، يعتبر رائداً لهذه الحركة التي بلغت أوجها في أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر، وبدأت تتلاشى مع بدء القرن العشرين لتفتح الباب إلى الحداثة الفنية (modernism) في الشعر والرواية والرسم والنحت وغيرها.
ما يميز الحركة الرومانطيقية الأوروبية (الألمانية والفرنسية والإنجليزية) هو قوة حضور المبدع في عمله (على عكس الحركة الكلاسيكية التي سبقتها، حيث الشاعر أو الموسيقي أو الروائي يضع مسافة ما بين عواطفه ومشاعره وما يبدعه)، وحضور قوي للطبيعة بعناصرها الكثيرة المتداخلة مع عاطفة جامحة.
وقد ساعد تكون هؤلاء الشعراء اللبنانيين خلال سنوات دراستهم المعمقة لما أبدعه الشعراء الرومانطيقيون الفرنسيون مثل ألفريد دو موسيه وفيكتور هيغو وبودلير ولروتريامون، وللمعلقات، وما أنتجه كبار شعراء العصر العباسي، ما جعل قصائدهم تتمتع معاً بالبناء الكلاسيكي للقصيدة العمودية وبأسلوب معاصر يستثمر الإرث الشعري الغربي.
عنصر آخر أضافه هؤلاء الشعراء الذين ضمهم الرحابنة في ترسانة أغاني فيروز هو سعيهم المشترك لإعادة صياغة لبنان بتحويله إلى يوتوبيا مسورة بتمائمهم التي ستحميها من العالم الخارجي وأزماته وحروبه. وآخر خاصية في إنتاجهم هو أن بعضهم استثمر أيضاً اللهجة الشامية التي تعد الأقرب إلى الفصحى، مثل الشاعر سعيد عقل.
ولعلنا نبدأ بالأخوين رحباني اللذين أصرا على أنهما كيان إبداعي واحد: روحاً وعقلاً. ولا بد أن الكم الهائل من القصائد الغنائية التي نظماها بالفصحى والدارجة الشامية كانت بفضل تشبعهم بموروث الأجيال التي سبقتهم.
غير أنهما كانا حريصين أكثر على إنتاجهما بتحويله إلى أغانٍ تسمع أكثر من قصائد تقرأ.
في قصيدة «أحبك في صمتي الوارف» التي غنتها فيروز أول مرة عام 1958 نتلمس الخصائص الرومانطيقية بأحسن تجلياتها، مع تقليد لبناء الموشحات، حيث القافية تتغير في كل أربعة أبيات:
أحبكَ في صمتي الوارف وفي رفة الهدُب الخائفِ
وبي يا ملون عمري إليك حنين الكروم إلى القاطفِ
حنين الشحارير عند الغروب إلى رحلة الموسم الهاتف
ذرى بالندى والبريق تظل كنهر من الوهج الصائف
غير أن قصيدة «طريق النحل» تنحو منحى آخر وهي أيضاً بصوت امرأة تخاطب حبيبها، حيث يصبح النحل والسماء وزهور الغابة عناصر أولية في القصيدة:
إنت وأنا يا ما نبقى نوقف على حدود السهل
وعلى خط السما الزرقا مرسومة بطريق النحل
أنا ومتكية ع بابي مرقت نحلة بكير
غلت بزهور الغابة وصارت تعمل مشاوير

- الشعراء الرواد
من أوائل الأغاني التي شدتها فيروز ومن ألحان الأخوين رحباني كانت للشاعر بشارة الخوري (الأخطل الصغير)، وفيها يصبح النسيم كائناً بشرياً حياً يخاطبه الشاعر ليعبر عما يختلج في أعماقه:
أين من مقلتي الكرى يا ظلام أنصف الليل والخلِيون ناموا
مسحت راحة الكرى أعين الناس فنامت ونام فيها الغرامُ
وأنا تذكر الضياء عيوني مثلما يذكر الغصونَ الحمامُ
يا نسيم الدجى اللطيف احتملني لي عهد عند النسيم لزامُ
كلنا ناحل فأنت براك الله لكن أنا براني السقامُ
لعل سعيد عقل (1911 - 2014) كان الأكثر تأثيراً على الأخوين رحباني وظل مواظباً على نظم القصائد لفيروز بالدارجة والفصحى. في قصيدة «هموم الحب» (على بحر الرمل) تتشابك عناصر الطبيعة في نداء الفتاة لمحبوبها بالاستجابة لها، لكنها تضع شروطاً أصعبها أن يجمع الجزر من البحار خرزاً لقلادتها:
لاعِب الريشة واهوَ واضفر العمر ورودْ
واهوَني من ليس يهوى لم يزر هذا الوجودْ
لك هذا الريح عودٌ والغمامات وترْ
دع تُبددْكَ الجرود وليجمعْك القمرْ
وفي قصيدة أخرى، حيث الفتاة تخاطب حبيبها، طالبة منه الابتعاد عنها قليلاً، لأن الحب ما زال تجربة بكراً لا تعرفه تماماً، كأنها صفحات متجددة من «نشيد الإنشاد»:
بْحِبك ما بعرف هِن قالولي
مِن يومها صار القمر أكبر
ع تلالنا وصارت الزغلولة
تاكل ع ايدي اللوز والسكر
أما ميشال طراد (1912 - 1998) فيعد رائد الشعر العامي في لبنان، وهو الوحيد من بين أبناء جيله الشعراء الذي كتب بالدارجة الشامية فقط، لكنه في الوقت نفسه، استثمر ثقافته الواسعة، حيث أدخل عناصر الطبيعة والميثولوجيا الإغريقية في أعماله الشعرية، ناهيك عن تأثره بالشعراء الفرنسيين الرومانطيقيين الكبار. وقد ترجمت دواوينه الشعرية إلى لغات أخرى مثل الإنجليزية والفرنسية.
في قصيدة «جلنار» التي اختارها الأخوان رحباني وغنتها فيروز عام نقل طراد المشاعر الشخصية وأسقطها على شخصيات أسطورية، فجلنار هي تلك الربة التي تلتقي بأخيها الفجر كل يوم لتمنحه الضوء البرتقالي، والمِنجَيرة (الشبيهة بناي القصب) تصبح كائناً حياً هي الأخرى تعاني، من تأخر قدوم جلنار:
يا صبح روج طولِت ليلَك... خليت قلبي نار
بلكِي بتجي أختك تغنيلك... بلكي بتجي جلنار
صرخات عم بِتموُج بالوادي... مْعَنزَق عليها ضباب
لَبعيد عم بتروح وتنادي... بيظهر حبيبو غاب
هذه نماذج أسماء قليلة من قائمة طويلة لشعراء لبنانيين اقتبس الأخوان رحباني من قصائدهم مقاطع غنتها فيروز، وإذا تذكرنا أن أكثر من 400 قصيدة مغناة بين الفصحى والدارجة غنتها فيروز نظمها الرحبانيان العبقريان، نستطيع تصور مدى غنى هذا الموروث ذي الطبيعة الرومانطيقية، فهما جربا أيضاً تقليد النمط الأندلسي في العديد من القصائد، أشهرها «يا حبيبي كلما هب الهوى»، لكنهما يتبعان نهج من سبقوهما من شعراء مهدوا لهما هذا الإدماج الكامل بين العاطفة وعناصر الطبيعة بشتى تجلياتها:
يا حبيبي كلما هب الهوا
وشدا البلبل نجوى حبه
لفني الوجد وأضناني الهوى
كفراش ليس يدري ما به
غير أن الوهم الذي سعى إلى تحقيقه على أرض الواقع شعراء لبنان الرومانطيقيون جيلاً بعد جيل بتحويل لبنان إلى يوتوبيا لبنتها الأولى القرية المحاطة من كل جوانبها بعناصر البيئة من سماء وبحر وجبال وسهول وينابيع تفكك بعد هزيمة حزيران وما أعقبها من سلسلة أحداث آلت إلى حرب أهلية ضروس.
ولعل إصابة عاصي الرحباني بنزيف دماغي عام 1972 في أوج عطائه، وما ترتب عنه من حال مرضية مزمنة لاحقاً، ألحق بالمشروع الرحباني ضربة قاصمة.
ومع نشوب الحرب الأهلية بدا كأن ذلك العالم الفردوسي الذي خلقه شعراء لبنان وفنانوه الكبار، ولعب الأخوان رحباني دور الدينامو في تشكيله لم يكن كافياً لإطفاء حريقه سريعاً، بل استمر حتى بداية العقد الأخير من القرن الماضي.
فهل يمكن لهذا التراث الغني اليوم أن يكون موضع اهتمام واسع لا في لبنان بل في العالم العربي، لما يحمله من جماليات شديدة التميز والعذوبة؟



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».