صندوق فيروز الأسود... لبنان كما صاغه شعراؤه الرومانطيقيون

بفضل الإنترنت بدأنا نسترجع ما فاتنا أن ننتبه إليه

عاصي ومنصور رحباني
عاصي ومنصور رحباني
TT

صندوق فيروز الأسود... لبنان كما صاغه شعراؤه الرومانطيقيون

عاصي ومنصور رحباني
عاصي ومنصور رحباني

لم يمنحنا الأخوان رحباني فرصة كافية لهضم ما أنتجاه تأليفاً وتلحيناً وتوزيعاً من أغانٍ يقارب عددها الألف، خلال فترة قياسية لا تزيد عن ربع قرن، وهي فترة عملهما مع فيروز، قبل انفصالها عن زوجها عاصي الرحباني عام 1978.
وقد لعب صوت فيروز شديد الندرة دوراً حاسماً في أن يصبح هذه الإنتاج الموسيقى الكبير جزءاً من طقوس الصباح الأساسية لأغلبية المشارقة الذين تفتحت أسماعهم على أغانيها التي تنقلها بعض الإذاعات العربية صباحاً.
ولست متأكداً ما إذا كان التعود على سماع فيروز صباحاً فقط إيجابياً أو سلبياً، فحالة الاستيقاظ الكامل تتطلب وقتاً أطول مما يسمح به تناول الفطور والاستعداد السريع للتوجه إلى العمل أو المدرسة أو الجامعة.
إضافة إلى ذلك، كانت تلك الحنجرة القادرة على التنقل بين الطبقات الصوتية بسلاسة نادرة والموسيقى المكثفة الغنية بآلات حساسة كالأكورديون والبيانو، والمحسوبة جملها اللحنية المتنوعة بالثواني، تجذبان المتلقي إليهما أكثر من الكلمات التي ترددها فيروز.
ومع دخول لبنان الحرب الأهلية عام 1975 لأكثر من عقد، ورحيل عاصي الرحباني عام 1986عن عمر 53 سنة فقط، تلاشت تلك السطور القليلة الباقية في ذاكرة الكثير من الأجيال الذين عاصروا الظاهرة الرحبانية في أفضل تجلياتها: أغاني فيروز.
في البحث الدؤوب عن هذا الكنز الذي لم يكن سهلاً توافره مطبوعاً قبل الثورة الرقمية وبروز الإنترنت وما رافقها من ظهور مواقع كثيرة مهتمة بهذا الشأن، بدأنا نسترجع ما فات علينا أن ننتبه إليه في وقته.
وأهم ما فاتنا في عدم الالتفات إلى كلمات أغاني فيروز هو فشلنا في اكتشاف جيل من الشعراء الرومانطيقيين اللبنانيين، كانوا قد تعلموا في المدارس التي يديرها الآباء خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر والعقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، ومن أوائلهم كان شعراء المهجر، أبرزهم جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة.
لعل جبران الذي أعادته عائلته إلى لبنان عام 1897 (وهو في سن الخامسة عشرة) ليتابع دراسة العربية التي لم يكن يتقنها في «مدرسة الحكمة»، يعتبر رائداً لهذه الحركة التي بلغت أوجها في أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر، وبدأت تتلاشى مع بدء القرن العشرين لتفتح الباب إلى الحداثة الفنية (modernism) في الشعر والرواية والرسم والنحت وغيرها.
ما يميز الحركة الرومانطيقية الأوروبية (الألمانية والفرنسية والإنجليزية) هو قوة حضور المبدع في عمله (على عكس الحركة الكلاسيكية التي سبقتها، حيث الشاعر أو الموسيقي أو الروائي يضع مسافة ما بين عواطفه ومشاعره وما يبدعه)، وحضور قوي للطبيعة بعناصرها الكثيرة المتداخلة مع عاطفة جامحة.
وقد ساعد تكون هؤلاء الشعراء اللبنانيين خلال سنوات دراستهم المعمقة لما أبدعه الشعراء الرومانطيقيون الفرنسيون مثل ألفريد دو موسيه وفيكتور هيغو وبودلير ولروتريامون، وللمعلقات، وما أنتجه كبار شعراء العصر العباسي، ما جعل قصائدهم تتمتع معاً بالبناء الكلاسيكي للقصيدة العمودية وبأسلوب معاصر يستثمر الإرث الشعري الغربي.
عنصر آخر أضافه هؤلاء الشعراء الذين ضمهم الرحابنة في ترسانة أغاني فيروز هو سعيهم المشترك لإعادة صياغة لبنان بتحويله إلى يوتوبيا مسورة بتمائمهم التي ستحميها من العالم الخارجي وأزماته وحروبه. وآخر خاصية في إنتاجهم هو أن بعضهم استثمر أيضاً اللهجة الشامية التي تعد الأقرب إلى الفصحى، مثل الشاعر سعيد عقل.
ولعلنا نبدأ بالأخوين رحباني اللذين أصرا على أنهما كيان إبداعي واحد: روحاً وعقلاً. ولا بد أن الكم الهائل من القصائد الغنائية التي نظماها بالفصحى والدارجة الشامية كانت بفضل تشبعهم بموروث الأجيال التي سبقتهم.
غير أنهما كانا حريصين أكثر على إنتاجهما بتحويله إلى أغانٍ تسمع أكثر من قصائد تقرأ.
في قصيدة «أحبك في صمتي الوارف» التي غنتها فيروز أول مرة عام 1958 نتلمس الخصائص الرومانطيقية بأحسن تجلياتها، مع تقليد لبناء الموشحات، حيث القافية تتغير في كل أربعة أبيات:
أحبكَ في صمتي الوارف وفي رفة الهدُب الخائفِ
وبي يا ملون عمري إليك حنين الكروم إلى القاطفِ
حنين الشحارير عند الغروب إلى رحلة الموسم الهاتف
ذرى بالندى والبريق تظل كنهر من الوهج الصائف
غير أن قصيدة «طريق النحل» تنحو منحى آخر وهي أيضاً بصوت امرأة تخاطب حبيبها، حيث يصبح النحل والسماء وزهور الغابة عناصر أولية في القصيدة:
إنت وأنا يا ما نبقى نوقف على حدود السهل
وعلى خط السما الزرقا مرسومة بطريق النحل
أنا ومتكية ع بابي مرقت نحلة بكير
غلت بزهور الغابة وصارت تعمل مشاوير

- الشعراء الرواد
من أوائل الأغاني التي شدتها فيروز ومن ألحان الأخوين رحباني كانت للشاعر بشارة الخوري (الأخطل الصغير)، وفيها يصبح النسيم كائناً بشرياً حياً يخاطبه الشاعر ليعبر عما يختلج في أعماقه:
أين من مقلتي الكرى يا ظلام أنصف الليل والخلِيون ناموا
مسحت راحة الكرى أعين الناس فنامت ونام فيها الغرامُ
وأنا تذكر الضياء عيوني مثلما يذكر الغصونَ الحمامُ
يا نسيم الدجى اللطيف احتملني لي عهد عند النسيم لزامُ
كلنا ناحل فأنت براك الله لكن أنا براني السقامُ
لعل سعيد عقل (1911 - 2014) كان الأكثر تأثيراً على الأخوين رحباني وظل مواظباً على نظم القصائد لفيروز بالدارجة والفصحى. في قصيدة «هموم الحب» (على بحر الرمل) تتشابك عناصر الطبيعة في نداء الفتاة لمحبوبها بالاستجابة لها، لكنها تضع شروطاً أصعبها أن يجمع الجزر من البحار خرزاً لقلادتها:
لاعِب الريشة واهوَ واضفر العمر ورودْ
واهوَني من ليس يهوى لم يزر هذا الوجودْ
لك هذا الريح عودٌ والغمامات وترْ
دع تُبددْكَ الجرود وليجمعْك القمرْ
وفي قصيدة أخرى، حيث الفتاة تخاطب حبيبها، طالبة منه الابتعاد عنها قليلاً، لأن الحب ما زال تجربة بكراً لا تعرفه تماماً، كأنها صفحات متجددة من «نشيد الإنشاد»:
بْحِبك ما بعرف هِن قالولي
مِن يومها صار القمر أكبر
ع تلالنا وصارت الزغلولة
تاكل ع ايدي اللوز والسكر
أما ميشال طراد (1912 - 1998) فيعد رائد الشعر العامي في لبنان، وهو الوحيد من بين أبناء جيله الشعراء الذي كتب بالدارجة الشامية فقط، لكنه في الوقت نفسه، استثمر ثقافته الواسعة، حيث أدخل عناصر الطبيعة والميثولوجيا الإغريقية في أعماله الشعرية، ناهيك عن تأثره بالشعراء الفرنسيين الرومانطيقيين الكبار. وقد ترجمت دواوينه الشعرية إلى لغات أخرى مثل الإنجليزية والفرنسية.
في قصيدة «جلنار» التي اختارها الأخوان رحباني وغنتها فيروز عام نقل طراد المشاعر الشخصية وأسقطها على شخصيات أسطورية، فجلنار هي تلك الربة التي تلتقي بأخيها الفجر كل يوم لتمنحه الضوء البرتقالي، والمِنجَيرة (الشبيهة بناي القصب) تصبح كائناً حياً هي الأخرى تعاني، من تأخر قدوم جلنار:
يا صبح روج طولِت ليلَك... خليت قلبي نار
بلكِي بتجي أختك تغنيلك... بلكي بتجي جلنار
صرخات عم بِتموُج بالوادي... مْعَنزَق عليها ضباب
لَبعيد عم بتروح وتنادي... بيظهر حبيبو غاب
هذه نماذج أسماء قليلة من قائمة طويلة لشعراء لبنانيين اقتبس الأخوان رحباني من قصائدهم مقاطع غنتها فيروز، وإذا تذكرنا أن أكثر من 400 قصيدة مغناة بين الفصحى والدارجة غنتها فيروز نظمها الرحبانيان العبقريان، نستطيع تصور مدى غنى هذا الموروث ذي الطبيعة الرومانطيقية، فهما جربا أيضاً تقليد النمط الأندلسي في العديد من القصائد، أشهرها «يا حبيبي كلما هب الهوى»، لكنهما يتبعان نهج من سبقوهما من شعراء مهدوا لهما هذا الإدماج الكامل بين العاطفة وعناصر الطبيعة بشتى تجلياتها:
يا حبيبي كلما هب الهوا
وشدا البلبل نجوى حبه
لفني الوجد وأضناني الهوى
كفراش ليس يدري ما به
غير أن الوهم الذي سعى إلى تحقيقه على أرض الواقع شعراء لبنان الرومانطيقيون جيلاً بعد جيل بتحويل لبنان إلى يوتوبيا لبنتها الأولى القرية المحاطة من كل جوانبها بعناصر البيئة من سماء وبحر وجبال وسهول وينابيع تفكك بعد هزيمة حزيران وما أعقبها من سلسلة أحداث آلت إلى حرب أهلية ضروس.
ولعل إصابة عاصي الرحباني بنزيف دماغي عام 1972 في أوج عطائه، وما ترتب عنه من حال مرضية مزمنة لاحقاً، ألحق بالمشروع الرحباني ضربة قاصمة.
ومع نشوب الحرب الأهلية بدا كأن ذلك العالم الفردوسي الذي خلقه شعراء لبنان وفنانوه الكبار، ولعب الأخوان رحباني دور الدينامو في تشكيله لم يكن كافياً لإطفاء حريقه سريعاً، بل استمر حتى بداية العقد الأخير من القرن الماضي.
فهل يمكن لهذا التراث الغني اليوم أن يكون موضع اهتمام واسع لا في لبنان بل في العالم العربي، لما يحمله من جماليات شديدة التميز والعذوبة؟



النسر الذهبي يحلق في سماء إنجلترا بعد غياب قرن ونصف

نسر ذهبي يحلق في سماء بريطانيا (شاترستوك)
نسر ذهبي يحلق في سماء بريطانيا (شاترستوك)
TT

النسر الذهبي يحلق في سماء إنجلترا بعد غياب قرن ونصف

نسر ذهبي يحلق في سماء بريطانيا (شاترستوك)
نسر ذهبي يحلق في سماء بريطانيا (شاترستوك)

قد تعود النسور الذهبية إلى سماء إنجلترا بعد غياب دام أكثر من 150 عاماً، وفق ما خلصت إليه دراسة حددت ثماني مناطق قادرة على استيعاب تجمعات منها، في حين خصصت الحكومة نحو مليون جنيه إسترليني لبرنامج إعادة توطينها، حسب صحيفة «الغارديان» البريطانية.

«لقد ساء العالم إلى حد أن طيور النمنمة تفترس، حيث لا تجرؤ النسور على الحطّ»... هكذا كتب ويليام شكسبير في مسرحيته «ريتشارد الثالث»، في عبارة تحمل دلالة اجتماعية تبدو أكثر واقعية مع مرور الزمن.

غير أن بصيصاً من الأخبار الإيجابية يلوح في عالم مثقل بالسلبيات، إذ قد تجد النسور التي أشار إليها الشاعر الكبير طريقها مجدداً إلى سماء إنجلترا، بعد انقطاع استمر أكثر من قرن ونصف القرن.

كان النسر الذهبي شائعاً في إنجلترا خلال عصر ويليام شكسبير، الذي أشار إليه أكثر من 40 مرة، حسب بعض الباحثين، لكنه غاب إلى حد كبير عن سماء البلاد، إذ لم يُرصد خلال الـ150 عاماً الماضية سوى عدد محدود من الأزواج.

ويُعد هذا الطائر الجارح المهيب، الذي يبلغ طول جناحيه نحو مترين، منقرضاً فعلياً في إنجلترا، إذ يعتقد أن آخر نسر ذهبي محلي نفَق عام 2015 بعد أن عاش وحيداً في منطقة البحيرات. ويُعزى تراجع أعداده أساساً إلى قرون من الاضطهاد على أيدي حرّاس الطرائد والمزارعين، الذين اعتبروه تهديداً للحملان وطيور الصيد.

ورغم رصده أحياناً في مناطق مثل نورثمبرلاند، حيث يعبر من جنوب اسكوتلندا التي تشهد نمواً في أعداده، خلصت دراسة صادرة عن «فوريستري إنغلاند»، ونُشرت الأحد، إلى أن إنجلترا باتت تمتلك مجدداً القدرة على دعم تجمعات من هذا النوع.

وحددت الدراسة ثماني «مناطق تعافٍ» محتملة تُعد الأنسب لإعادة توطينه، معظمها في شمال إنجلترا، مع الإشارة إلى أن استقرار تجمعات متكاثرة قد يستغرق أكثر من عقد.

وأشارت الحكومة إلى أن تتبع الأقمار الصناعية يُظهر أن بعض هذه الطيور المنقولة قد بدأت بالفعل بالتحليق عبر الحدود واستكشاف شمال إنجلترا. ويُؤمل أن يُسهم التمويل الجديد في دعم هذه الطيور للاستقرار جنوب الحدود، إلى جانب عمليات إعادة توطين مُوجّهة. وقد توصلت هيئة الغابات الإنجليزية إلى أنه يُمكن رؤية الطيور الاسكوتلندية في جميع أنحاء شمال إنجلترا في غضون عشر سنوات، لكن الأمر سيستغرق وقتاً أطول حتى تستقر النسور الذهبية المُتكاثرة في إنجلترا.

وقال مايك سيدون، الرئيس التنفيذي لهيئة الغابات الإنجليزية: «ستُرشدنا النتائج التفصيلية لدراسة الجدوى، بالتعاون مع شركائنا في منظمة (استعادة الطبيعة في المرتفعات)، إلى اتخاذ الخطوات التالية لاستكشاف سبل تعافي النسور الذهبية في شمال إنجلترا».


كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)
الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)
TT

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)
الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

بين مغامرة دراميَّة وأخرى، تذهب كاريس بشَّار في مغامرةٍ من نوعٍ مختلف. «أراني في القطار بين هولندا وبلجيكا... ساعتان ذهاباً وساعتان إياباً، كما التلميذة المتجهة إلى مدرستها». تمضي الممثلة السورية معظم إجازاتها في ورش العمل والدورات الخاصة بالممثلين المحترفين، في مسعىً منها لصَقل الحِرفة واكتشاف الجديد على أيدي مدرّبي تمثيل عالميين.

كاريس بشَّار على يقين من أنّه كان لتلك الدروس الـMaster classes، أثرٌ كبير في تحطيم نوعٍ من «الممانعة الداخلية» التي كانت تقف حاجزاً بينها وبين «جرأة المغامرة والتجربة». أما أَنضجُ ثمارِ انبعاثِ روح المغامرة في الممثلة، فتُدعى «سماهر» وهي، على ما يعرفها الجمهور، بطلة مسلسل «بخمس أرواح» الذي عُرض في رمضان 2026.

أسئلة كثيرة و«سماهر» واحدة

باستفاضةٍ وشغَف، تتحدّث كاريس بشَّار في حوار حصري مع «الشرق الأوسط»، عن شخصية تلك المغنية الشعبية التي أسَرت قلبَ بطل المسلسل «شمس» (الممثل السوري قصي خولي) ومعه قلوب المشاهدين وسمَّرت عيونهم. والممثلة، كما الجمهور، فوجئت بسَماهر بعدما انتهى التصوير وجلست لتشاهد المسلسل بهدوء. لا تُنكر أنها أصيبت بما يُشبه الصدمة، وتسارعت في رأسها أسئلة مثل «أنا كيف عملت كل هاد الشي؟»، «كيف قدرت غنّي قدّام هالناس؟»، «كيف انفعلت هيك وحكيت بهيدي اللهجة؟»... وهي أسئلة مشروعة، بما أن كاريس بشَّار تصف نفسها بالإنسانة التي ما زالت على طريق التعافي من الخجل.

لا أجوبة حتى الساعة، إذ إن الفنانة السورية «بحاجة إلى إعادة دراسة هذه التجربة» حتى تجيب على أسئلتها الكثيرة تلك، وكي تُقيّم ما إذا كانت سماهر هي أهم شخصية قدَّمتها حتى الآن، في مسيرتها الفنية المتواصلة منذ 1992. لكن مهما كَثُرت الأسئلة، يبقى المؤكّد واحداً، وهو أنَّ كاريس بشَّار وتوأمها التلفزيونيّ، صنعتا الحدث وتصدّرتا الترند خلال الموسم الدرامي الرمضاني.

كاريس بشَّار وقصي خولي بطلا مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح)

كاريس بشَّار تغنّي!

جاء المسلسل الذي أنتجته شركة «الصبّاح إخوان - Cedars Art»، محصّناً بما يكفي من عناصر الجذب؛ بدءاً بطاقم الممثلين اللامعين، مروراً بالقصة التي تمزج ما بين التشويق واللغز والرومانسية، وليس انتهاءً بالإيقاع الإخراجيّ الذي لا يصيب الذهن ولا العين بالملل.

غير أنَّ ما تخطَّى المتوقَّع وتجاوزَ الواقع فبدا وكأنه لحظة سرياليَّة، كان صوت كاريس بشَّار غناءً. لم ينتظر المخرج السوري رامي حنّا طويلاً كي يفجِّر قنبلة المسلسل. ففي نهاية الحلقة الأولى، أطلَّت سماهر على المسرح صادحةً «أنا المرضان قليبي» ومُطلقةً العنان لخطواتها الراقصة، ولفساتينها البرّاقة، ولصَيحاتها المتفاعلة مع الحضور.

أهذه كاريس بشَّار أم هي مغنية شعبية متمرّسة؟ إنه السؤال الذي راود غالبيّة المُشاهدين، لا سيّما أنّ كاريس بشَّار فاجأت الجميع بخامة صوتها الجميلة، وبحنجرتها الصلبة، وبأذنها الموسيقية التي لا تُخطئ.

«قبل (بخمس أرواح)، أقصى ما فعلتُ غناءً أنني كنت أدندن بين جدران بيتي بصوتٍ خافتٍ وخجول، ثم أصمت لأنّ ابني كان ينزعج»، تخبر كاريس ضاحكةً. رغم ذلك، لطالما أدركت أن أذنها موسيقية. وعندما حان موعد التحدّي، قررت الممثلة رفع السقف فاقترحت على فريق العمل أن تصوّر الأغاني في أداءٍ مباشر وليس مسجَّلاً مسبقاً على طريقة الـplayback. وهكذا حصل بعد أن امتُحن صوتها على أيدي خبراء، وتَقرّر أنه صالحٌ للغناء المباشر.

لا ألبوم ولا حفلات

«أنا ممثلة أدَّت دور مغنّية»، يقف الأمر عند هذا الحدّ وفق كاريس بشَّار، أما احتمالات خوض مغامرة الغناء جدياً من خلال ألبوم أو حفلة، فغير وارد على الإطلاق بالنسبة إليها. مع العلم بأنها تولَّت شخصياً البحث عن أغاني المسلسل واختيارها، بشكلٍ يتلاقى مع أحداث حياة سماهر ويخدم السياق الدرامي.

نوَّعت ما بين المواويل، والأغاني الجديدة الضاربة، وتلك المُستقاة من التراث. من «صدفة لقيتك» و«يا طير»، إلى «ساعة وتغيب الشمس» و«لعيونك أنت يا حلو»، وسواها من أغاني، أجادت كاريس بشَّار في كل الأنواع. يأتي ذلك نتيجة ساعاتٍ وأيام من التدريب المكثّف، ضمن مساحة زمنيّة ضيقة جداً. «أنا راضية عمَّا قدَّمت لكن لو كان الوقت أطوَل لجاءت النتيجة مُضاعفة»، تبوح بمنطقِ مَن يبحث دائماً عن الأفضل.

والباحث عن الأفضل لا بدّ أن يسدّد ثمناً ما. هكذا حصل مع كاريس بشَّار التي فقدت صوتها خلال التصوير بسبب انفعالات سماهر الصوتيّة ونبرتها المرتفعة، إضافةً إلى الغناء المباشر لساعات متواصلة: «كان لديّ في اليوم الواحد أحياناً 9 أو 10 ساعات من الغناء». مع العلم بأنّ الأغاني كانت تصوَّر كاملةً ومن دون توقّف، ثم تؤخَذ اللقطات من زوايا مختلفة.

تخبر كاريس أنّ تصوير «بخمس أرواح» استغرق 3 أشهر، كانت تتنقّل خلالها بين المواقع، وجلسات التمرين على الغناء واللهجة، ثم إلى تدريب عازف الأورغ على الأغاني. واللافت أنّ القسم الأخير من تصوير المسلسل مطلع شهر مارس (آذار)، تَزامنَ والغارات الإسرائيلية المنهمرة على بيروت.

تزامن تصوير القسم الأخير من المسلسل مع الحرب الإسرائيلية على لبنان (شركة الصبّاح)

ما قصة اللهجة؟

ليس الغناء المباشر التحدّي الأوحد الذي وضعته كاريس بشَّار لنفسها. فيوم أنهت قراءة ملخَّص القصة، قدَّمت لشركة الإنتاج وللمخرج اقتراحاً تَصِفُه بالمجازفة. «في مسعىً مني للمشاركة في بناء الشخصية وخلفيّتها، اقترحتُ أن نمنح لهجةً لسماهر تعبِّر عن جذورها؛ على أن تأتي من منطقة الجزيرة والفرات الحدوديّة بين سوريا والعراق»، تخبر الممثلة.

تلك اللهجة التي أثارت اللغط والسجال على المستوى الجماهيري، لا هي عراقيّة ولا شاميّة. إنها لهجة أهل الجزيرة وقد تدرّبت عليها بكثافة، قناعةً منها بأنّ تلك اللهجة والتعابير هي مرآة لشخصية سماهر وماضيها.

سماهر امرأةٌ قسَت لفرط ما قسا الزمن عليها. بعد فقدان الأمّ والجذور والاستقرار، تُصارع المجتمع وحيدة وتربّي ابنها بمفردها وسط الخوف، كما تعتني بوالدٍ عديم المسؤوليّة وسكّير. وبما أنّ «السماهر» باللغة العربية تعني الرماح الصلبة، كان لا بدَّ من لهجةٍ تظهّر قسوة البطلة وغضبَها وكبرياءها وجانبها الذكوريّ.

وتحرص كاريس بشَّار على التوضيح أنّ «لهجة سماهر لم تكن إكسسواراً، بل من صلب الشخصية وهويّتها». وتضيف أنّ كل ما نطقت به لم يكن مفتعلاً بهدف صناعة «الترند».

كاريس ودَّعت سماهر

ماذا بقي من سماهر مع كاريس بشَّار؟ تُسارع الممثلة للإجابة: «مستغربة جداً كيف أنَّ سماهر طلعت من رأسي بهذه السرعة، على عكس بلقيس من مسلسل (تحت سابع أرض) أو مريم من (النار بالنار)»، تتابع: «ربما للأمر علاقة بلهجتها التي ليست لهجتي أصلاً، لكني سعيدة بأنها غادرتني، إذ لا يجوز أن أنمّط نفسي بها ولا بأي شخصية أخرى، فهذا لا يخدمني نفسياً ولا مهنياً».

لهجة سماهر لم تكن إكسسواراً بل من صلب الشخصية (كاريس بشَّار)

غير أنّ سماهر لم تغادر من دون إحداث ضجيج خلفها. «أنا أغار من سماهر»، تعترف كاريس بشَّار. «أغار من قوتها وجرأتها على قول الأشياء كما هي، من دون مجاملة ولا دبلوماسية. كم أتمنى أن أكون مثلها».

وبعد أن زرعت كاريس بشَّار كل التحديات الممكنة في (سماهر)، انقلب السحر على الساحر فانتهى الأمر بأن رفعت الشخصية سقف التحدّي لدى الممثلة، التي ما عادت ترضى بأقلّ ممّا قدَّمت في «بخمس أرواح».


مصريون يتنفسون الصعداء بعد تخفيف «الإغلاق المبكر»

مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

مصريون يتنفسون الصعداء بعد تخفيف «الإغلاق المبكر»

مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

مع مدّ ساعات عمل المحال والمولات والمقاهي في مصر حتى الـ11 مساءً، سارع الشاب العشريني عبد الله السيد إلى التشاور مع أصدقائه لوضع خطط لتحركاتهم اليومية واستعادة سهراتهم المعتادة، ما بين مقاهي وسط القاهرة وزيارة الأماكن والأحياء التراثية، مثل شارع المعز وحي الأزهر.

وأعلن رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مساء الخميس، تخفيف مواعيد إغلاق المحال التجارية من الساعة الـ9 إلى الـ11 مساءً يومياً، بدءاً من 10 وحتى 27 أبريل (نيسان) الحالي، مع استمرار الاستثناء من مواعيد الإغلاق بالنسبة للأماكن السياحية، والصيدليات، ومحال البقالة، والمنشآت السياحية، وأفران الخبز، والمطاعم المصنفة منشآت سياحية.

وأثار قرار تعديل مواعيد إغلاق المحال فرحة لافتة لدى قطاعات واسعة من المصريين. وقال عبد الله السيد، الذي يعيش في حي شبرا بالقاهرة ويعمل في إحدى الشركات الخاصة في الحي نفسه، إن القرار أعاد إليه وإلى أصدقائه ما وصفه بـ«متعة السهر».

منطقة وسط القاهرة تشهد إقبالاً لافتاً من الزائرين (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وقال السيد لـ«الشرق الأوسط» إن «إغلاق المحال والمقاهي في الـ9 مساءً أصابني وأصدقائي بإحباط كبير، لذلك بدأنا، مع تعديل المواعيد إلى الـ11 مساءً، في وضع خطط لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة. فقد قررنا أن نسهر يومياً في مقاهي وسط البلد حتى إغلاقها، ثم نتوجه إلى حي الأزهر لاستكمال السهرة»، مؤكداً أن «فرحة تعديل مواعيد إغلاق المحال طالت جميع من أعرفهم».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت، في وقت سابق، تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر، بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها «إغلاق المحال التجارية والمقاهي في الـ9 مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية»، إلى جانب «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع، لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية والارتفاع العالمي في أسعار الطاقة.

إغلاق المحال والمولات والكافيهات الساعة 11 مساءً يُبهج المصريين (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور كريم العمدة أن «تخفيف مواعيد الإغلاق أفرح كثيراً من المصريين، وسينعكس بشكل إيجابي على كثيرٍ من الأنشطة الاقتصادية».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الفترة ما بين الـ9 والـ11 مساءً تُعد وقتاً حيوياً للأنشطة التجارية؛ إذ تمثل ذروة الإقبال، لذلك سيسهم تعديل مواعيد الإغلاق في انتعاش حركة البيع لكثير من الأنشطة، خصوصاً أن المواعيد الجديدة تقترب من مواعيد الإغلاق الطبيعية لبعض الأنشطة قبل تأثيرات الحرب وخطط الترشيد، والتي كانت عند الـ10 مساءً في الشتاء والـ11 مساءً صيفاً».

وأكد العمدة أن «كثيراً من الأنشطة الترفيهية، مثل المطاعم والمقاهي، ستشهد رواجاً كبيراً وتستعيد جانباً من مسارها الطبيعي، كما سيقلّ التأثير السلبي على العمالة الليلية التي تأثرت بمواعيد الإغلاق السابقة».

ومن بين الذين أبهجهم قرار مدّ ساعات عمل المحال حتى الـ11 مساءً، الخمسيني سعيد حسان، الذي يمتلك محل حلاقة رجالي في وسط القاهرة ويقيم على مقربة من مكان عمله. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اليوم الأول للمواعيد الجديدة كان مبهجاً، سواء من حيث إقبال الزبائن حتى الـ11 مساءً، أو من حيث الأثر النفسي لأجواء السهر ووجود الناس في الشوارع». وأضاف أنه، إلى جانب الخسائر التي تكبّدها بسبب مواعيد الإغلاق السابقة، فإنه أيضاً «يحب السهر بعد العمل في المقاهي القريبة».

خبراء مصريون طالبوا بعدم التشدد في الإجراءات التقشفية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأسهم قرار الحكومة المصرية بتعديل مواعيد إغلاق المحال إلى الـ11 مساءً، مع استثناء الأماكن السياحية من تلك المواعيد، في إحداث انتعاشة ملحوظة في الإقبال على عدد من المواقع الأثرية والأحياء التراثية، مثل السيدة زينب، والحسين، وشارع المعز، وفق الخبير السياحي الدكتور زين الشيخ.

وقال الشيخ لـ«الشرق الأوسط» إن «اليوم الأول لبدء تطبيق المواعيد الجديدة لإغلاق المحال (الجمعة) كان له تأثير إيجابي كبير على القطاع السياحي، خصوصاً السياحة الثقافية؛ إذ شهدت الأحياء التراثية، مثل الأزهر، وشارع المعز، والقاهرة الفاطمية، إقبالاً لافتاً»، مؤكداً أن «الحياة عادت إلى طبيعتها بدرجة كبيرة في هذه الأماكن، ورصدنا حالة من الانبساط والفرحة لدى السائحين والمصريين الذين يفضلون السهر فيها». وأضاف أن «مدّ مواعيد الإغلاق كان له تأثير إيجابي على مبيعات البازارات منذ اليوم الأول».