محاكمة ترمب تهدد بالقضاء على طموحه السياسي

الأميركيون يتساءلون عن جدوى محاكمة الرؤساء إذا كان التحزب لا الدستور هو الذي يحميهم من المحاسبة

محاكمة ترمب تهدد بالقضاء على طموحه السياسي
TT

محاكمة ترمب تهدد بالقضاء على طموحه السياسي

محاكمة ترمب تهدد بالقضاء على طموحه السياسي

ما لم يتنبه إليه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب هو أن محاولة عزله الأولى تركت وقعاً كبيراً، حتى على قواعده الشعبية. ترمب كان واثقاً من فوزه في الانتخابات التي أُجريت يوم 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، وكذلك الحزب الجمهوري، الذي كان «استسلم» لقبضة رئيسه بأمل الفوز الموعود، عندما اطلع الأميركيون على حقيقة ابتزازه للرئيس الأوكراني لتلفيق «أوساخ» لمنافسه جو بايدن، مقابل المساعدات العسكرية. لكن نتائج الانتخابات الكارثية، ثم خسارة الجمهوريين مقعدي مجلس الشيوخ في ولاية جورجيا، أكثر الولايات ولاء لهم، كانت تطورات صادمة. ذلك أن ما جرى في انتخابات الإعادة التي نظمت في تلك الولاية الجنوبية بعد شهرين من خسارة الجمهوريين معركتي الرئاسة ومجلس النواب، اختصر المشهد السياسي الذي صوت عليه الأميركيون في 3 نوفمبر، بما هو تصويت على شرعية ترمب السياسية.

بعيداً عن الوصف الكلاسيكي لـ«تاريخية» محاكمات الرؤساء الأميركيين، لا شك في أن محاكمة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب للمرة الثانية بهدف عزله - فضلاً عن كونها الأولى لمسؤول غادر السلطة - تأتي محاولة لنزع الشرعية السياسية عبر «عزله» لحرمانه مستقبلاً، ليس فقط من لعب دور سياسي، بل ومن الانقلاب على المنظومة السياسية التي تحميها «مؤسسة» سلطة عماد وجودها وعلتها هو ضمان التداول السلمي والديمقراطي للسلطة.
ورغم محاولة الحزب الجمهوري وفريق المدافعين عن ترمب، تصوير ما حدث ويحدث بـ«مسرحية المحاكمة السياسية»، فهذا الاتهام لا ينتقص من شرعيتها في نهاية المطاف. فمحاكمة رؤساء الدول، مهما كانت الدوافع والأسباب التي تقف وراءها، لا بد أن تتحول إلى محاكمة سياسية لعهودهم وسياساتهم وأحزابهم وتياراتهم.

- «كوفيد - 19»... وسوابق محاولات العزل
لا شك أن تداعيات جائحة «كوفيد - 19» الكارثية الصحية والاقتصادية لعبت دوراً مهماً في هزيمة ترمب. إلا أن فشل إدارته في إعداد خطة وطنية لمواجهة الجائحة، كشف أيضاً عن قصور سياسي على رأس أكبر وأغنى دولة في العالم. إذ نجح الديمقراطيون ومعهم «مؤسسة» السلطة في واشنطن، بتحويل أحداث 6 يناير (كانون الثاني) عندما اقتحام أنصار ترمب مبنى «الكابيتول» (مقر مجلسي الكونغرس)، إلى معركة سياسية عنوانها «عزل رئيس خرج من السلطة» لإنهاء حيثيته السياسية، وهذا بمعزل عن نتائج التصويت التي لا تزال تشير إلى تعذّر الحصول على 67 صوتاً من أعضاء مجلس الشيوخ لإدانته.
في المقابل، فتحت محاكمة ترمب الثانية نقاشاً سياسياً وحزبياً ودستورياً عن تاريخية محاكمة رئيس «مذنب» وجدواها. فإذا كانت تجارب العزل التي شهدتها الولايات المتحدة في تاريخها لم تؤد إلى إقالة أي رئيس من منصبه بسبب تمتعه بحماية حزبه، فما الجدوى من تكرار هذه التجارب؟ وما الذي يمكن تحقيقه في محاكمة ترمب الثانية أكثر من إظهار أن التحزب هو الذي يعمل وليس الدستور؟
قبل ترمب كانت هناك أربع محاولات عزل رئاسية منذ التوقيع على الدستور الأميركي عام 1787. ولم تؤد أي منها إلى الإقالة، ولكن في المقابل كان لكل منها نتائج سياسية كبيرة. فبعد فشل محاولة إقالة الرئيس أندرو جونسون عام 1868، فإنه أخفق في الترشح والحصول على ولاية رئاسية الثانية. وفي عام 1974 لم يُقل الرئيس ريتشارد نيكسون لكنه استقال تحت وطـأة فضيحة «ووترغيت» الهائلة. وفي عام 1998، أخفق الجمهوريون في إزاحة الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون، وبدلاً من ذلك، استقال خصمه الأكبر في ذلك الوقت رئيس مجلس النواب الجمهوري نيوت غينغريتش، وكذلك خلفه بوب ليفينغستون الذي اعترف بعلاقة غرامية خارج نطاق الزواج! ثم إن إدارة كلينتون كانت أول إدارة تفوز بمقاعد أكثر في الكونغرس في السنة السادسة من ولايته منذ إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية. وأخيراً، في عام 2020 فشلت عملية إقالة ترمب لكنه خسر الرئاسة، وفقد حزبه السيطرة على مجلس الشيوخ.
مع هذا، فإن النقاش الذي لا يزال مستمراً داخل أروقة مجلس الشيوخ، لا يقتصر فقط على «دستورية» محاكمة رئيس خرج من السلطة، وهي القضية التي حُسمت بتصويت المجلس على صحتها، مع انضمام 6 شيوخ جمهوريين إلى 50 ديمقراطياً. بل طُرح تساؤل آخر عما إذا كان اتهام الرئيس باقترافه «جرماً»، هو العلة الوحيدة التي تجيز محاكمته وعزله؟ أم أن سوء استخدامه للسلطة هو سبب آخر وأساسي كافٍ لعزله؟
لقد رفع محامو ترمب في دفاعهم عنه حجة تقول إن إدانته وحرمانه من تولي أي منصب في المستقبل من شأنه أن ينتهك حقوقه في التعديل الدستوري الأول، الذي يرقى إلى معاقبته على حرية إبداء رأيه. وقال محاميه ديفيد شوين، إن إدانة ترمب «تعرّض للخطر أي متحدث سياسي، وهو ما يتعارض مع كل ما نؤمن به في هذا البلد». غير أن هذا الادعاء قد يكون خاطئاً، بحسب العديد من القانونيين، الذين يجادلون بأنه حتى لو كان «التعديل الأول» (من الدستور الأميركي) يحمي ترمب من المسؤولية الجنائية والتقصيرية عن خطابه في 6 يناير (كانون الثاني) الماضي للحشد الذي اقتحم مبنى «الكابيتول» لاحقاً، فإن ليس له أي تأثير على ما إذا كان بإمكان الكونغرس إدانة واستبعاد الرئيس لسوء السلوك... الذي يقوم جزئياً على خطاب تحريضي، أدى بسرعة وبشكل متوقع، إلى أعمال عنف مميتة.

- النزاهة والمساءلة... والتبعات
واضعو الدستور الأميركي صمموا إجراءات الإقالة كطرق لعزل المسؤولين الفيدراليين الفاسدين. غير أنه استعيض عنها ليحل محلها ما يسمى «عمليات قانون النزاهة العامة الفيدرالي» الذي تفرضه وزارة العدل. وفي كل شهر تعلن وزارة العدل عن إجراءات في نحو عشرين حالة، بحسب إحصاءات رسمية، وشملت أخيراً على سبيل المثال عمدة سابقاً في إقليم غوام الفيدرالي (غرب المحيط الهادئ)، الذي قام بتغييرات وظيفية، عبر ابتزاز ضابط حدود سابق بتهم رشوة. ولكن، مع ذلك بقيت قضية المساءلة وطرقها التي صاغها الدستور حجة قوية تحرك دعاوى إقالة الرؤساء الأميركيين.
غير أن ما يمكن أن تفعله إجراءات العزل في العصر الحديث هو إرسال إشارة قوية إلى الجمهور حول خطورة بعض القضايا. فعندما يقدم مجلس النواب على إقالة الرئيس من منصبه، فإنه يعلن الخروج من ممارسة السياسة العادية إلى التعامل مع حالة طوارئ حقيقية. إنه يرفع سوء استخدام الرئيس المزعوم لسلطته فوق جميع سلطات الكونغرس الأخرى. وفرض مجلس النواب مساءلة الرئيس على مجلس الشيوخ بهدف إقالته يغير التقويم السياسي، ويركز على القضايا التي حرّكت طلب الإقالة وتوضيحها، ويجبر أعضاء مجلس الشيوخ على اتخاذ موقف، إما إدانة الرئيس أو تبرئته.
ولأن الاتهام عمل غير عادي، فقد تنعكس آثاره سلباً أو إيجاباً ليس فقط على مؤيدي الرئيس، بل وعلى الأميركيين عموماً، كما حصل بعد محاكمة كلينتون. إذ رفضت غالبية كبيرة من الشعب الأميركي - يومذاك - القضية التي رفعها الجمهوريون لعزله. وبعد موافقة مجلس النواب الذي كانوا يسيطرون عليه على بنود الإقالة، ارتفعت شعبية كلينتون إلى مستوى بلغ 73 في المائة، خلال استطلاع مشترك لمحطة «سي إن إن» و«يو إس إيه توداي» و«غالوب»، مقابل انخفاض نسبة تأييد الجمهوريين إلى 31 في المائة.

- بين الجريمة وتجاوز السلطة
على النقيض من ذلك، كانت محاكمة ترمب الأولى مدعومة بغالبية ثابتة، وإن كانت ضيقة، إذ أدان غالبية الأميركيين محاولة ابتزاز الحكومة الأوكرانية للمساعدة في إعادة انتخابه، بينما كان ترمب وأنصاره يأملون - بل، ويثقون - في أن المساءلة ستأتي بنتائج عكسية في عام 2020، كما جرى عام 1998. لكن آمالهم خابت، وانتهت العملية بتصويت معظم الأميركيين على أن ترمب ارتكب جرائم تستوجب عزله من منصبه، ليس فقط في محاكمته الأولى، بل وفي محاكمته الثانية المستمرة فصولها، التي حوَّلته إلى أول رئيس أميركي يتعرّض مرتين للمساءلة والمحاكمة في التاريخ.
للعلم، كلينتون لم يقترف في حينه «جرماً» ولم يستغل سلطته لحسابات سياسية، كما أن الرئيس الأسبق رونالد ريغان لم يُعزل على خلفية فضيحة «إيران كونترا»، ولم يتعرض الرئيس الأسبق جورج بوش الابن للمساءلة بسبب «الحرب على الإرهاب» و«حرب العراق» التي أدت إلى خسارة الجمهوريين مجلسي النواب والشيوخ عام 2006. أيضاً لم يتعرض الرئيس الأسبق باراك أوباما للمساءلة رغم حماسة جمهوريي «حفلة الشاي» اليمينيين المتشددين إثر خسارة الديمقراطيين مجلس النواب عام 2010 ومجلس الشيوخ عام 2014، على خلفية ملفات المهاجرين والانسحاب من العراق وظهور تنظيم «داعش».
غير أن ما فعله ترمب، هذا العام، حسب الادعاء، هو تحريض حشود من أنصاره على مهاجمة مقر الكونغرس، على أمل قلب هزيمته في الانتخابات الرئاسية. واستخدم المدّعون في مجلس النواب دلائل بالصوت والصورة، عن ترمب حين قال: «إذا لم تقاتل مثل الجحيم، فلن يكون لديك بلد بعد الآن»، لإثبات دوره في المسؤولية عن مهاجمة مبنى «الكابيتول»، والتسبُّب في مقتل 5 أشخاص. كذلك قدّموا دليلاً قاطعاً عن محاولاته الضغط على مسؤولي الانتخابات في الولايات الجمهورية «لإيجاد» أصوات لعكس نتائج الانتخابات لمصلحته.
رغم ذلك قد لا تشكل هذه الأدلة سبباً كافياً لحض مجلس الشيوخ، أو على الأقل لحض أعضائه الجمهوريين، على إدانة ترمب، مثلما امتنعوا عن إدانته في محاكمته الأولى. لكنها كانت كافية لإظهار أن انتخابات 2020 في جورجيا جاءت استفتاءً على مخالفات ترمب قبل كل شيء، وليس على ما حاول الجمهوريون تصويره على أنه نتيجة الفشل في مواجهة تداعيات «كوفيد - 19». ذلك أن تبرئته الأولى أدت فقط إلى تأجيل محاسبته السياسية وليس تجنبها. وهو، على أي حال، ما دفع حتى أشد المدافعين عن ترمب إلى الاعتراف بهذه الحقيقة. إذ كتب مارك هامنغواي في موقع «رييل كلير بوليتكس» قائلاً: «بلغة الأرقام، فإن جو بايدن هو رئيس الولايات المتحدة لأنه فاز بولايات أريزونا وجورجيا وويسكونسن بإجمالي 43 ألف صوت. لكنه يدين أيضاً بفوزه إلى الأساس الذي وضعه الديمقراطيون وحلفاؤهم الإعلاميون قبل سنة واحدة، خلال أول محاكمة لعزل ترمب بسبب مطلبه المزعوم المرتبط بشروط أن تقوم الحكومة الأوكرانية بالتحقيق في فساد مزعوم يتعلق بنجله هنتر بايدن».
في محاكمته الأولى عام 2020، اعتمد ترمب على دعم غالبية الجمهوريين في مجلس الشيوخ، وربما يحصل على تبرئته الثانية هذا العام أيضاً. لكن هناك من يقول إن الضرر عليه وعلى الحزب الجمهوري ربما يكون قد وقع. فإذا كان هدفه الأول هو العودة إلى الرئاسة عام 2024. فإن الملفات المفتوحة ضده قد تجعل من شبه المستحيل حصوله على إجماع، ليس فقط من الأميركيين عموماً الذين صوتوا ضده بأكثر من 7 ملايين صوت، بل ومن حزبه الجمهوري أيضاً. فترمب، لم يواجه فقط انشقاق 6 من الشيوخ الجمهوريين في تأييد محاكمته وفي تأكيد دستوريتها، بل وتراجع تأييده بين الجمهوريين إلى 36 في المائة من الذين لا يزالون يقولون إن «ترمب لم يرتكب أي خطأ»، بعدما كانت نسبتهم 56 في المائة في محاكمته الأولى بحسب الاستطلاعات.
أضف إلى ذلك أن الضرر قد أصاب أيضا قدرته على إثبات أنه هو القوة الرئيسية المهيمنة على الحزب، حين أدان كبير الجمهوريين السيناتور ميتش ماكونيل وغيره من قيادات الحزب سلوكه، وادعاءاته عن تزوير الانتخابات. وبجانب ذلك، رفض نواب الحزب الجمهوري إقالة النائبة ليز تشيني، ابنة نائب الرئيس السابق ديك تشيني، من موقعها كثالث أكبر مسؤول جمهوري في مجلس النواب بسبب تصويتها على عزله. وأخيراً، حتى قدرة ترمب على مواصلة إبعاد الملاحقات القضائية عنه، باتت أمراً مشكوكا به في ظل استعداد عدد من محاكم الولايات لرفع دعاوى مالية وتجارية وضريبية ضده.
ما ستثبته المحاكمة الثانية لترمب، أن الجمهوريين ليسوا مستعدين للاتحاد ضده، لكنهم غير متحدين على تبرئته أيضاً. وهذا ما قد يكون له أثر كبير على مستقبل الحزب خلال انتخابات عامي 2022 و2024 أيضاً.


مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.