«الصحة العالمية»: التحوّرات ليست بداية جائحة أخرى

مديرها في أوروبا شدد لـ«الشرق الأوسط» على عدم التراخي في الإجراءات

هانز كلوغيه (أ.ف.ب)
هانز كلوغيه (أ.ف.ب)
TT

«الصحة العالمية»: التحوّرات ليست بداية جائحة أخرى

هانز كلوغيه (أ.ف.ب)
هانز كلوغيه (أ.ف.ب)

«عام 2021 سيبقى عام كوفيد 19، لكنه لن يحمل مفاجآت كبيرة»، هذا ما أكده المدير الإقليمي لأوروبا في منظمة الصحة العالمية هانز كلوغيه في حديث خاص مع «الشرق الأوسط» أمس (الخميس). وقال إنه يخشى من جائحة موازية على الصحة العقلية بسبب من التداعيات النفسية والاجتماعية لكوفيد19، داعيا إلى عدم التراخي في تدابير العزل والوقاية والاحتواء رغم التقدم في حملات التطعيم، ومنبهاً إلى ضرورة الاحتراس من ظهور الطفرات والسلالات الفيروسية الجديدة التي قال إنها لن تؤدي إلى جائحة أخرى.
ويتولى كلوغيه إدارة المكتب الإقليمي الأوروبي لمنظمة الصحة في أوروبا منذ فبراير (شباط) من العام الماضي، بعد ثلاثة عقود من الخبرة في مجال الصحة العامة حيث أشرف على تنسيق برامج لمكافحة الملاريا والسل في ليبيريا والصومال وسجون سيبيريا.
عن الطفرات والسلالات الجديدة للفيروس يقول كلوغيه: «هي تذكرنا بقوة أن الفيروس ما زال قادراً على إلحاق الأذى، لكنها ليست فيروساً جديداً، بل هي ثمرة التطور الطبيعي لكل مسبب مرضي يحاول التكيف مع البيئة الحاضنة له. وهي ليست بداية لجائحة أخرى، لكنها تفرض علينا الاحتراس لأنها قادرة على إصابة المتعافين من الفيروس، وعلى التسبب في انتشار واسع للوباء من شأنه أن يضع بعض النظم الصحية تحت وطأة أعباء تعجز عن تحملها، مع ما ينشأ عن ذلك من ارتفاع في عدد الوفيات. يضاف إلى ذلك، أنها قد تؤثر على فعالية اللقاحات، كما تبين لنا التجارب المعروفة مع التحور الذي يطرأ عادة على فيروس الأنفلونزا ويستدعي تعديل اللقاحات من سنة لأخرى. في خلاصة القول علينا الإبقاء على الحذر والجهوزية، لأن السريان السريع للفيروس وازدياد حركية الذين تلقوا اللقاح ستؤدي إلى ارتفاع عدد الوفيات».
الإنهاك الذي تعاني منه معظم الأنظمة الصحية وعوارض الإحباط التي تظهر في العديد من المجتمعات هي من مصادر القلق الرئيسية التي تهتم بها منظمة الصحة في إدارتها لهذه الأزمة غير المسبوقة من حيث شموليتها، وتشدد على ضرورة استخلاص العبر منها استعداداً لأزمات مقبلة. ويقول كلوغيه: «منذ أشهر كنا نتحدث عن الإنهاك الناجم عن الجائحة، لكن أعتقد أننا تجاوزنا تلك المرحلة ودخلنا مرحلة الإحباط. وأكثر ما أخشاه هو ظهور جائحة موازية على الصحة العقلية، خاصةً بين الشباب الذين تتملكهم مشاعر «عدم النمو» بسبب تدابير العزل والتباعد الاجتماعي. وقد أطلقنا حملة عالمية للعناية بالصحة العقلية برئاسة ملكة بلجيكا وتحت مظلة الأمم المتحدة، بدأت بمساعدة النظم الصحية في أكثر من 30 دولة على تحديد المجموعات السكانية الأكثر تضرراً وإرشادها في تصميم الأنشطة والتدابير المناسبة التي تتباين باختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وتكليف شخصيات فنية أو رياضية معروفة الترويج لها ونشرها على أوسع نطاق. الهدف الأساس من هذه الحملة هو مساعدة المجموعات التي تعاني نفسيا من هذا الوضع وتوفير الدعم لها والتعاطف معها عوضاً عن انتقادها».
وعن حملات التطعيم وتقدمها في بعض البلدان وتعثرها في معظم البلدان الأوروبية التي تعتزم تلقيح 70% من سكانها قبل نهاية الصيف المقبل والصعوبات التي تواجهها في بلدان أخرى يقول كلوغيه: «نسمع الكثير عن معدلات التلقيح التي تجاوزت 10% في الولايات المتحدة و15% في بريطانيا، لكن ليس بإمكاننا مقارنة تطور حملة التلقيح في بلد معين مع الوضع في 27 دولة لكل منها نظامها الصحي المختلف وعليها أن توزع اللقاح في نفس الوقت بتكلفة معقولة على 450 مليون مواطن.
هذه مهمة هائلة وغير مألوفة على الإطلاق، ولست قلقاً بشأن هدف تلقيح 70% من السكان قبل نهاية الصيف، لكني على ثقة من أن التأخير في مرحلة انطلاق حملات التلقيح في أوروبا سيعوض بوصول كميات من اللقاحات الجديدة عالية الجودة وزيادة القدرات الإنتاجية بفضل التعاون بين شركات الأدوية التي كانت حتى الآن تتنافس بعضها مع بعض. الهدف الأساس الآن هو التلقيح، وليس المناعة الجماعية. التلقيح لحماية الفئات الضعيفة والأكثر تعرضاً ما سيؤدي فوراً إلى خفض عدد الوفيات وتخفيف الضغط على النظم الصحية».
وفيما يتعلق بالتباين بين البلدان في معدلات وأعداد الإصابات والوفيات، يؤكد كلوغيه أن «منظمة الصحة العالمية ترفض المقارنة بين استجابات الدول للجائحة لأنها محكومة دائماً بظروف عملية وسياسية مختلفة، وثمة عوامل لا نعرف بعد كيفية ومدى تأثيرها على الجائحة، لكننا نعرف أن الفيروس ينعم بالخلافات بين الدول وداخلها، وينشط بقدر ما تنتشر الآراء والنظريات الخاطئة حوله. وقد لاحظنا من تجربة الأشهر الماضية أنه عندما تكون الاستجابة السياسية سريعة وحازمة، ومستندة إلى القرائن والمشورة العلمية، تؤتي تدابير العزل والوقاية النتائج المنشودة منها، وتفشل في تحقيق أهدافها عندما تطغى الاعتبارات السياسية على جميع الاعتبارات الأخرى. وتبيـن أيضاً أن التدابير الاستباقية هي أنجع بكثير من تدابير الاستجابة التفاعلية، وأن الخطوات السريعة نحو العزل والانفتاح هي أقل فاعلية من الخطوات التدريجية في الاتجاهين».
العلاقة بين مستوى التنمية الاقتصادية وتداعيات الأزمة الصحية هي أيضاً من المواضيع التي يعكف فريق من خبراء المنظمة على دراستها، والتي يقول عنها كلوغيه: «في مارس (آذار) من العام الفائت شلت الجائحة النشاط الاقتصادي بشكل كامل. تمكن العالم من كبح انتشار الفيروس، لكن التكلفة كانت باهظة خاصة على الفئات الضعيفة اقتصادياً واجتماعياً. هذه هي إحدى العبر الرئيسية التي استخلصناها من الأزمة، والتي تقتضي منا الآن أن نكون أكثر دقة عند فرض القيود واعتماد تدابير الوقاية والاحتواء، وأن نراعي ما يمكن أن ينشأ عنها من تداعيات اجتماعية ونفسية، وعلينا أن نرفقها دائما بتدابير اقتصادية لمساعدة الفئات الضعيفة والإبقاء على المراكز التعليمية مفتوحة لأطول فترة ممكنة».


مقالات ذات صلة

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...