شوبنهاور... الوجه الآخر لفيلسوف التشاؤم

كره هيغل وعانى من التجاهل والحرمان العاطفي

شوبنهاور... الوجه الآخر لفيلسوف التشاؤم
TT

شوبنهاور... الوجه الآخر لفيلسوف التشاؤم

شوبنهاور... الوجه الآخر لفيلسوف التشاؤم

حياة اجتماعية ونفسية مضطربة شكلت شخصية الفيلسوف الألماني الشهير شوبنهاور (1788-1860)، وأدت دوراً مهماً في النزعة التشاؤمية التي اتسمت بها أفكاره ورؤاه، حتى لقب بـ«فيلسوف التشاؤم»... فصول من هذه الحياة، خاصة مراحل النشأة والتكوين، يكشفها كتاب «شوبنهاور: مقدمة موجزة»، من تأليف أستاذ الفلسفة الباحث الأميركي كريستوفر جاناواي الذي يشرف على ترجمات شوبنهاور إلى الإنجليزية، بالتعاون مع جامعة كمبردج. وتولى ترجمة الكتاب الصادر في القاهرة عن «المركز القومي للترجمة» إلى العربية سعيد توفيق، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة. ولد أرتور شوبنهاور بمدينة دانتسج، وتوفي في فرانكفورت. ويرصد الكتاب أثر هذه النشأة في ملامح وجهه، مشيراً إلى أن كثيراً من الصور الفوتوغرافية التي التقطت له خلال العقد الأخير من حياته يبدو فيها بهيئة غير تقليدية ذا عزيمة وإصرار في تجهم، ولكن الوميض الذي يشع من عينيه يبدو معبراً عن شخص ما يقظ في حذر صارم. وقد وصفه نيتشه قائلاً: «إن الطاقة الإبداعية المتمردة لرجل في العشرينيات من عمره هي التي أنتجت كتابه العمدة (العالم إرادة وتمثل)».

علاقات مضطربة
يشدد جاناواي على أن الروح الاستقلالية هي أكثر السمات المميزة لطبيعة شوبنهاور، فهو يكتب بلا خوف، وبقليل من الاحترام للسلطة، ويمقت الخضوع للتقاليد السائدة التي وجدها في المؤسسة الأكاديمية الألمانية، لكن وراء هذا تكمن حقيقة لها دلالتها، وهي أنه كان أيضاً مستقلاً مادياً. فحينما أصبح بالغاً عام 1809، ورث ثروة كانت مع قليل من المهارة في إدارة الأعمال كافية لتؤمن معاشه بقية حياته. وكان أبوه يعد واحداً من أكثر رجال الأعمال ثراء في دانتسج، غير أنه في أثناء رحلة والديه لبريطانيا، تم إلحاقه بمدرسة داخلية في ويمبلدون، وهي ذات رؤية دينية ونظام تعليمي ضيق الأفق، وهو ما كان له تأثير سلبي عليه دام بقية حياته. إن هذه الفترة تنبئ بالكثير عن شخصية شوبنهاور وتنشئته، إذ كان تلميذاً غاضباً مشاكساً لا ينصاع للممارسات السخيفة التي كانت تحيط به، وقد بدا منعزلاً تماماً ينظر بشيء من الاستخفاف إلى ما حوله.
ويذكر المؤلف أن أباه كان رجلاً قلقاً صارماً مهيباً يؤمل كثيراً في ابنه، أما الأم فهي يوحنا شوبنهاور، من عائلة تجارية ناجحة، لكنها مختلفة تماماً عن زوجها، فقد كانت شخصية اجتماعية مفعمة بالحياة، لها مواهب أدبية بلغت ذروتها لتصبح «كاتبة» تؤلف روايات رومانسية على نحو جعلها أكثر شهرة في أثناء حياتها من ابنها. وكان لها نفوذ مؤثر في حياته، ولكن العلاقة بينهما لم تكن حميمية أبداً. وفيما يتعلق بزواجها، كتبت هي نفسها قائلة إنها رأت أنه لا حاجة بها لأن تتظاهر بالحب المشبوب لزوجها، مضيفة أنه هو نفسه لم يكن يتوقع منها ذلك. وبعد أن توفي الأب، راحت يوحنا المتحررة عقلياً تواصل مشروعها المهني الخاص، وانتقلت إلى فيمار، حيث أسست صالوناً ثقافياً كان يفد إليه كثير من الشخصيات البارزة. ولقد استفاد شوبنهاور من خلال الصلات التي أقامها مع رواد الصالون، خاصة أديب ألمانيا الأشهر جوته، والمستشرق فريدريك ماير الذي أثار لديه اهتماماً بالفكر الهندي لازمه طيلة حياته، غير أن علاقته بأمه أصبحت شديدة الاضطراب، فطردته إلى الأبد، ولم تره بعد ذلك.

الألم والسأم
تجلت وجهة شوبنهاور الحقيقية في الجزء الأول من «العالم إرادة وتمثل» الذي أنجزه في دريسدن، ونشره عام 1818، رغم أن السنة المدونة هي 1819. يشير المؤلف إلى أن أسلوب البحث الهادئ الرزين الذي سار فيه شوبنهاور على منوال إيمانويل كانط في كتابه السابق «الجذر الرباعي» (1813) لم يكشف عن القوة المحركة لفلسفته، فهو لم يوجه أسئلة تتعلق بالمعاناة والخلاص والأخلاق والفن والنزعة النرجسية والموت ومعنى الحياة؛ تلك التساؤلات التي تشكل عماد فكره وانشغاله الأكبر، حتى أنه بقي في طور تأليف هذا الكتاب ما يزيد على عشر سنوات. وهو بتبنيه فكر كل من أفلاطون وكانط أصبح على قناعة بأن هناك انفصالاً بين الوعي العادي والوضع الأسمى الذي يتمكن فيه العقل البشري من النفاذ فيما وراء مجرد المظاهر إلى معرفة ما هو أكثر حقيقية.
ويوضح جاناواي ذلك، قائلاً إن الفكرة الأساس في كتابه العمدة تتعلق بالإرادة، حيث يقدم لنا شوبنهاور العالم بصفته ذا جانبين: جانب «التمثل»، أي الأسلوب الذي به تُقدم لنا الأشياء ذاتها وكيف «نتمثلها» نحن؛ وجانب الإرادة، أي رغبة الإنسان في السمو فوق ما يتمثله، ليصنع من العالم حقيقة تتجاوز مجرد المظاهر الوجودية المعتادة. بعبارة أخرى، فإن البشرية موزعة بشكل متوازن بين طبيعة كائن حي مدفوع نحو البقاء والتناسل، وعقل خالص يناهض طبيعة ذلك الكائن، ويتوق إلى تأمل أبدي لحقيقة أسمى. ومع أن شوبنهاور ما زال يتصور نوعاً من الخلاص الذي يقوم على التخلي، فإنه يعتقد أن الوجود في صورته العادية يتضمن بالضرورة بؤساً مزدوجاً من الألم والسأم.

تجربة فاشلة
يذكر الكتاب أنه في سنة 1820، تم قبول شوبنهاور محاضراً في جامعة برلين، بعد أن ألقى محاضرة أمام حشد من أعضاء هيئة التدريس، برئاسة فيلسوف ألمانيا الكبير جورج فريدريش هيغل الذي كان أستاذاً للفلسفة بالجامعة. وقام شوبنهاور نفسه على نحو سديد ليحاضر تحت هذا العنوان الفاتن «مجمل الفلسفة: أي نظرية جوهر العالم وجوهر العقل البشري»، ولكنه اختار أن يحاضر في التوقيت ذاته الذي يحاضر فيه هيغل، فحضر مائتان من الطلاب محاضرة الأستاذ الذي كان في قمة مجاله المهني، بينما بقي لشوبنهاور غير المعروف قلة هزيلة من الطلاب. ورغم أن اسمه بقي مدوناً في جدول المحاضرات في السنوات التالية، فإنه لم يعد لتكرار هذه التجربة، وكان هذا هو نهاية ممارسته لمهنة التدريس الجامعي. لقد كان هيغل مثالاً على كل ما يكرهه شوبنهاور في الفلسفة، فقد كان أستاذاً أكاديمياً استفاد من السلطة الرسمية التي ظل فيلسوفنا يزدريها، كما كان هيغل يؤيد الكنيسة والدولة، ولم يستطع شوبنهاور هضم تصوره للدولة بصفتها تمنح «أسلوباً جباراً في الكتابة»، كما أنها مجرد وسيلة ملائمة لحماية الملكية وكبح فرط الأنانية. ورأى شوبنهاور في كتابات هيغل أنها تتسم بتكلف الادعاء والغموض، بل هي مضللة، فالشعار الذي ينبغي وضعه عنواناً للفلسفة الجامعية الهيغلية هو أنها «سمكة حبّار» تضع فوق نفسها سحابة من التعتيم كي لا يرى أي أحد ما كنهها، متخذة تلك المقولة شعاراً لها: غموضي يحصنني! وليس من الصواب القول إن فلسفة شوبنهاور قد قامت على أساس من معارضة هيغل، فالأخير كان بمنأى تماماً عن عقل شوبنهاور، حينما أبدع عمله الفذ «العالم إرادة وتمثل»، ولكن نجاح هيغل المظفر الذي صاحب افتقاد شوبنهاور المستمر للعرفان ترك في نفسه ضغينة لازمته فترة طويلة من حياته المهنية.

الهروب من الكوليرا
يذكر الكتاب أن فترة العشرينيات من القرن التاسع عشر الأقل إنتاجاً في حياة شوبنهاور، فقد سافر إلى إيطاليا، وعاني أثناء ذلك وبعد عودته من مرض خطير ومن اكتئاب، كما ارتبط بعلاقة غرامية مع كارونيه ريشتر، وهي ممثلة استعراضية في المسرح القومي ببرلين.
وفي سنة 1831، وصلت الكوليرا العاصمة الألمانية، وتبين أن هيغل من بين ضحاياها، وغادر شوبنهاور المدينة. وبعد فترة من الحيرة، استقر في فرانكفورت، حيث بدا أنه يواصل هناك حياته الإبداعية التي توزعت بتوازن بين الكتابة والاستجمام، كالذهاب إلى المسرح والأوبرا والتريض والعزف على الفلوت، وتناول العشاء في المطاعم، وقراءة جريدة «التايم» في مكتبة المدينة. وحينئذ، أصبح قادراً على إنتاج مزيد من الأعمال. ففي سنة 1836، نشر كتابه عن «الإرادة في الطبيعة» الذي أعده ليكون داعماً لمذهبه في الإرادة. وفي سنة 1844، تم نشر مجلد ثان من «العالم إرادة وتمثل»، مع طبعة جديدة من المجلد الأول. وكان حكيماً في أنه لم يحاول أن ينسخ العمل الذي أنجزه في فترة الشباب، وبدلاً من ذلك أدخل تنقيحاً جوهرياً على الأصل، وأكسبه مزيداً من الوضوح والإفاضة بما استفاده من تأملات فترة النضج. وقد أعيد نشر الجزأين معاً في طبعة ثالثة صدرت عام 1859، قبيل وفاته. أما آخر ما نشره شوبنهاور من مؤلفات جديدة، فكان كتاباً آخر من جزأين، بعنوان «الحواشي والبواقي»، وهو الكتاب الذي ظهر عام 1851، بعنوانه المثير للتأمل، حيث تتراوح المحتويات بين مقالات فلسفية مطولة ومأثورات عن حكمة الحياة بأسلوب أكثر شعبية، وهي المأثورات التي كثيراً ما كان يتم نشرها منفصلة.
ومن الغريب أن هذا العمل تحديداً وجد ترحيباً في إنجلترا أولاً، وهو ما أدى إلى شهرة شوبنهاور، فأصبح هناك احتياج إلى طبعات جديدة من كتاباته، وأصبح موضوعاً لمقررات في الجامعة الألمانية، وراح يستقبل كثيراً من الزوار وكثيراً من المراسلات، من بينها النص الأوبرالي الكامل «خاتم النيبلونج» الذي أرسله واحد من أشد المعجبين به، وهو ريتشارد فاغنر الذي تصادف أن شوبنهاور لم يكن يرى موسيقاه رفيعة القدر إلى حد كبير.
وخلال الخمسين سنة الأولى التالية على وفاته، أصبح شوبنهاور واحداً من أعظم الكتاب الأوروبيين تأثيراً، ورغم أنه لم يدع كونه شاعراً، فإن الأبيات الشعرية التي جاءت في نهاية البواقي والحواشي تعد تأملات صادقة لما كان يشعر به في نهاية سنواته الأخيرة، لا سيما تلك التي تحمل عنوان «اللحن الختامي»:
إنني أقف الآن مرهقاً عند نهاية الطريق
جبيني المنهك لا يكاد يحمل إكليل الغار
غير أني أنظر في سعادة
إلى ما صنعته غير مبال بما يقوله الآخرون



كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

إيميليو جِنتيليه
إيميليو جِنتيليه
TT

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

إيميليو جِنتيليه
إيميليو جِنتيليه

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات. وكتاب المؤرخ الإيطالي إيميليو جِنتيليه «قبل أن يصبح الدوتشي»، الصادر حديثاً في ترجمته الفرنسية عن دار نشر «سيرتامين»، هو من هذا الصنف النادر من الكتب، فهو لا يُحاكم موسوليني ولا يُعظّمه، بل يُعيد تشريح ظاهرته بعين الطبيب الشرعي: كيف وُلد الشيطان قبل أن يتحول إلى أيقونة؟

لمن لا يعرف الكاتب إيميليو جِنتيليه فهو أستاذ فخري في جامعة لاسابينزا بروما وصاحب أكثر من عشرين مؤلفاً في تاريخ الفاشية الإيطالية، وهو يُعدّ اليوم المرجع الأول عالمياً في هذا الحقل حيث قضى نصف قرن يفحص هذه الظاهرة من زوايا متعددة: آيديولوجيتها وطقوسها وعلاقتها بالدين.

في هذا الكتاب يهتم جِنتيليه بمرحلة غالباً ما أُسدل عليها الستار في الدراسات الكبرى عن موسوليني، تلك المرحلة السابقة لصعوده إلى السلطة وتحديداً السنوات الممتدة بين نشاطه في الجناح اليساري للحزب الاشتراكي الإيطالي ونهاية عشرينات القرن الماضي. يبدأها الكاتب بطفولة بنيتو موسيليني في كنف أسرة يسارية بسيطة: أب حدّاد وناشط اشتراكي وأم معلمة متدينة، ثم مرحلة سفره إلى سويسرا بحثاً عن عمل، وطرده بسبب تزوير جواز سفره، غير أن هذا الطرد حوّله إلى بطل في أوساط الاشتراكيين الإيطاليين المهجرين الذين احتجّوا لأجله وأعادوا إليه اعتباره. عاد موسيليني إلى إيطاليا ليُكمل تشكيله الآيديولوجي في المواجهة الأكثر إثارة في مسيرته، حيث حضر عام 1904 نقاشاً علنياً مع قسٍّ إنجيلي حول وجود الله فرفع ساعته ووجّه تحدياً شهيراً: «أمنح الله خمس دقائق ليُصيبني بالصاعقة إن كان موجوداً. إذا انقضت هذه الدقائق دون أن يفعل شيئاً، فذلك دليل على أنه غير موجود». هذه اللحظة ترسم المزاج الذي طبع خطابه طوال سنوات وهو خطاب مسرحي، استفزازي، ومُحكم في توظيف الكلمة بوصفها أداةَ تعبئة.

في عام 1911 سيق موسوليني إلى السجن خمسة أشهر بسبب تحريضه ضد الحرب الليبية، تلك الحرب التي رأى فيها استغلالاً للعمال في خدمة مصالح البرجوازية، سمعته كمعارض اشتراكي بدأت تنتشر وهو في السجن، حيث كتب سيرته الذاتية الأولى وتدريجياَ ارتفع اسمه وطار صيته في أوساط الاشتراكية الثورية الإيطالية.

الحجّة الجوهرية لكتاب إيميليو جِنتيليه تقوم على مادة أولية ثرية استثنائية: وهي كتابات موسوليني ذاته، مقالاته في جريدة «أفانتي» لسان الحزب الاشتراكي حين كان مديرها، ثم في «إيل بوبولو ديتاليا» التي أسّسها بعد قطيعته مع الحزب الاشتراكي عام 1914، فضلاً عن خطبه وتقارير الشرطة عنه ومراسلاته الخاصة، حيث يستعرض المؤلف هذه الوثائق بدقة المؤرِّخ، لرصد الكيفية التي تحوّل بها معجم موسوليني السياسي: من لغة الصراع الطبقي والأممية الاشتراكية إلى خطاب الإرادة والقوة والأمة و«العنف الخلّاق».

يجمع المؤلف في منهجه بين مسارين متوازيين: سرد زمني لمراحل حياة موسوليني السياسية، وتحليل موضوعي لبنية الفاشية الأولى ومعجمها، وفي الصميم أطروحة مفاجئة في بساطة صياغتها وهي كالتالي: الفاشية الإيطالية لم تولد في قلب اليمين المحافظ ولا في دهاليز الكاثوليكية السياسية، بل انبثقت من رحم اليسار الثوري ذاته، بوصفها تمرّداً على الاشتراكية المؤسّسية كما فهمها جيل الحرب. فموسوليني الذي كان عام 1912 زعيم الجناح الأقصى داخل الحزب الاشتراكي الإيطالي ومدير صحيفته المركزية «أفانتي»، والرجل الذي أقصى الإصلاحيين ورفع لواء الثورة الاجتماعية دون هوادة، هذا الرجل نفسه تحوّل في غضون سنتين فقط إلى داعية للحرب بوصفها «ثورةً بديلة»، قبل أن يُقصى من الحزب ويؤسس صحيفته وحركته الجديدة.

يُظهر جِنتيليه أن هذا التحوّل لم يكن ارتداداً خيانياً مفاجئاً، بل كان متدرِّجاً وذا منطق داخلي مفهوم. وكان موسوليني قد أعلن لصديقه المثقف بريتسوليني آنذاك أن لديه إحساساً بأنه «ضيف غريب حتى وسط الثوريين». كما يكشف كتاب «قبل الدوتشي» بتفصيل نادر كيف أنه لم يتخلَّ في البداية عن قاموس الثورة والعداء للرأسمالية، بل أعاد توجيهه: حيث أحلّ «الأمة البروليتارية» محل «البروليتاريا الأممية»، وأبدل بـ«الحزب الاشتراكي» «الفصائل» والكتائب المسلحة، واستعاض عن «الصراع الطبقي» بـ«الصراع الحضاري القومي». وهذا الانزياح المفهومي التدريجي، من الماركسية إلى القومية الثورية المتعطشة للعنف، ليس قطيعةً كاملةً مع اليسار، حسب جِنتيليه، بقدر ما هي انزياح جذري في داخله: حيث تستبقي لغته الثورية الجياشة وتُفرغها من محتواها الاجتماعي وترفدها بنفَس قومي وحيوي.

يستخلص جِنتيليه من تحليله التاريخي لبدايات موسوليني استنتاجاً نظرياً بالغ الأهمية: الفاشية ليست برنامجاً عقائدياً مكتملاً بل هي «تركيب» من النفي والإثبات، من التمرد على القديم واستحضاره في الوقت نفسه

من أبرز ما يميّز هذا الكتاب عن الدراسات السابقة حول موسوليني: تأكيده الصريح على هشاشة موقع الرجل في السنوات التي سبقت تأسيس النظام الفاشي، فموسوليني الذي جسّد صورة القائد الكاريزمي القوي الذي يقرأ النفوس ويعبّر عن روح الجماهير، لا أثر له في صفحات جِنتيليه التي تستحضر بدله الشاب الذي يتخبّط ويتذبذب ويواجه الفشل المتكرر دون أن يفقد براعته في إعادة اختراع نفسه. انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 1919 البرلمانية كانت أبلغ تعبير عن هذه الهشاشة: لم يحصل موسوليني في ميلانو إلا على بضعة آلاف من الأصوات، مقابل مئات الآلاف للحزب الاشتراكي، في هزيمة مدوّية دفعته جديّاً إلى التفكير في الانسحاب من الحياة السياسية. ثم أتت المرحلة اللاحقة 1920-1922، حيث بنى موسوليني نفسه وحركته من جديد على قاعدة العنف المنظّم والتحالفات الانتهازية مع الملكية والجيش والبرجوازية الكبيرة الخائفة من المّد الشيوعي.

يقدّم جِنتيليه من خلال هذه التفاصيل صورة لزعيم هو في جوهره «مغامر في كل الدروب»، رجل يتقدّم بالتجربة والخطأ، يتلاعب بمواقفه بعقل براغماتي قاسٍ، ولا يتردد في نقض ماضيه الاشتراكي الثوري إذا اقتضت معادلة السلطة ذلك. يستخلص جِنتيليه من تحليله التاريخي لبدايات موسوليني استنتاجاً نظرياً بالغ الأهمية: الفاشية ليست برنامجاً عقائدياً مكتملاً وموحَّداً، بل هي «تركيب» من النفي والإثبات، من التمرد على القديم واستحضاره في الوقت نفسه. فهي تعادي الكاثوليكية المؤسّسية وتتحالف مع الكنيسة عند الحاجة، وثورية في لغتها لكنها رفيقة للملكية والمؤسسة العسكرية، ومناهضة لـ«العالم البرجوازي» ومُوظِّفة لماله في تمويل العنف السياسي. هذا التناقض ليس عرضاً لضعف آيديولوجي بقدر ما هو القوة الحقيقية للفاشية بحسب جِنتيليه: قدرتها على استقطاب مجموعات اجتماعية متباينة في وقت واحد. دار النشر الفرنسية «سيرتامين» التي تولّت نشر الترجمة الفرنسية المزودة بمقدمة المؤرخ فريدريك لو موال، وصفت هذه الدراسة البالغة 344 صفحة بأنها «درس تاريخي بالغ الدقة» يبّدد مختلف المختزلات والمسلّمات المتعلقة بالفاشية ومولدها العاصف.


الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

عبد الله العروي
عبد الله العروي
TT

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

عبد الله العروي
عبد الله العروي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث». وقد جاءنا التعقيب التالي على المقال):

- هل فعلاً نفعنا المستشرقون نفعاً لا أغراض من ورائه ولا مصالح أو مطامح أو مطامع بالسيطرة علينا؟

من الجميل أن يندفع الكاتب في التعبير عن حماسته لموضوع ما من الموضوعات، فيدبج مقالة ملأى بخواطر، تثير في نفوس القراء الاهتمام. وقد تنجح في نقل عدوى الحماسة إليهم فيكون الكاتب محققاً لغرضه من مقالة تبدو في ظاهرها موضوعية، بينما هي باطنياً تغص بالذاتية. وتكمن حراجة هذا التفاوت بشكل مخصوص في ذاك النوع من الموضوعات الإشكالية التي تنطوي على كثير من الاختلاف والتشكيك مثل موضوعه «الاستشراق».

وليس مما يلذ في الحماسة المفرطة علو كعب الأنوية، فيغتبط كاتب المقالة أو يغتمُّ على هواه من دون أن يكترث إن كان ذلك يرضي القراء أو لا. صحيح أنَّ من الجائز له أن يكشف لنفسه عن خواطره متجنياً ومقصراً أو موبخاً ومقرعاً، غير أنَّ من غير الجائز له أن يفترض أن تلك الخواطر سترضي القراء جميعهم.

أسوق هذه التوطئة وأنا بصدد التعقيب على مقالة الأستاذ هاشم صالح «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث» المنشورة 4 مارس 2026 في جريدة «الشرق الأوسط». وفيها مجَّد الكاتب «الاستشراق» بعمومه ومجمله، أعني الأوروبي القديم والأميركي الجديد أيضاً. ومصدر هذا التمجيد متأتٍ من حماسته في تبني فكرة «أنَّ الاستشراق هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك... فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرُّ أنفسنا كثيراً» فكأن المستشرقين أفاضوا في نعمهم على الثقافة والفكر إفاضة تحتاج منا نحن العرب تحميد قضهم وتبجيل قضيضهم من دون أي استثناء.

برنارد لويس

ونظراً للحماسة الكبيرة التي اعترت الكاتب، لم يقصر في التعبير عن هذا التبجيل بجمل رنانة من قبيل أن الاستشراق «كشف الكشوف، فتح الفتوح.

إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام» و«العلم الذي ينير الأبصار» والمحصلة من وراء ذلك كله أنوية التعبير الذاتي «شكراً لهم وألف شكر... أشعر بأني أولد من جديد». ولكن هل فعلاً كان الاستشراق علماً وعبقرية؟ وهل فعلاً نفعنا المستشرقون نفعاً لا أغراض من ورائه ولا مصالح أو مطامح أو مطامع بالسيطرة علينا وإنما هي «متعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة»!

ما لا ريب فيه أنَّ جهود المستشرقين ليست جميعها على حالة واحدة. الأمر الذي لا يسمح لنا أن نصفهم بالعموم وصفاً إيجابياً؛ فالقدماء منهم غير الجدد. ومناهجهم التي لم تتجاوز الفرويدية والماركسية والداروينية والتاريخية المادية، تطورت اليوم إلى مجموعة اختصاصات، ولكل اختصاص مناهجه الخاصة. ولا نعدم أن كثيراً من أولئك وهؤلاء كانوا دائمي التركيز على ترويج فكرة أنّ العصور الوسطى - التي شهدت قيام الحضارة العربية الإسلامية - كانت مرحلة انحطاط، وأنَّ العرب لم ينهضوا من سباتهم إلا بسبب الحملات التبشيرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وعلى صعيد الأدب العربي، شكك المستشرقون في كثير من المصادر والأصول الأدبية، وعدُّوها غير عربية.

ولقد فات كاتب المقالة موضع التعقيب وهو يستشهد بالموسوعة الإسلامية وغيرها التحفظات الكثيرة التي سجلها الباحثون العرب عليها. ومن خلالها أكدوا أنَّ للاستشراق علاقة وثقى بالمركزية الغربية والسلطة الاستعمارية، مؤشرين على مواطن تعصب المستشرقين بمقاييسهم المادية من أجل تغريب الفكر الإسلامي وإثارة الشبهات حول وقائع مهمة مثل «ثورة الزنج» والقرامطة والحلاج والباطنية و«إخوان الصفا»، ناهيك عن تصويرهم الصراعات في زمن الرسول الكريم والخلفاء الراشدين بأنها سياسية دارت بين يمين ويسار، وتصويرهم الإسلام ثورة مجتمعية وليس رسالة سماوية إنسانية، وكذلك وصفهم التصوف بأنه ثورة على الإسلام ورجوع به إلى التثليث المسيحي، وعدّهم الفلسفة الإسلامية ثمرة الفلسفة اليونانية... إلى آخر ذلك من التصورات التي كان لها أكبر الأثر في صياغة رؤى غربية عن الإسلام، ساهمت في تشكيل مواقف الغرب من الشرق عامة وبلاد العرب خاصة.

وهنا نتساءل هل ثمة من ينكر أنَّ المستشرق كارل هيرش بيكر، مؤسس مجلة الإسلام الألمانية قام بدراسات تخدم الاستعمار الألماني في احتلال أفريقيا؟ وهل ثمة من ينكر أن المستشرق بارتولد مؤسس مجلة عالم الإسلام خدم مصالح الروس في السيطرة على آسيا الوسطى؟ ثم أليس المستشرقون هم الذين صوروا أحداث عام 1860 على أنها فتنة بين المسلمين ومسيحيي لبنان لأجل عزل هذا البلد عن الدولة العثمانية؟.

وإذا تركنا ذلك كله، وأقررنا بأن المستشرقين قدموا لنا علوماً ونظريات، فإن ذلك يبقى أيضاً نسبياً بمحدودية أي علم، وعدم ثبات أي نظرية بوصف النظرية مجموعة فروض تقبل الصواب والخطأ ومن ثم لا وجود لعلم نظري يقدم تفسيراً أصيلاً ونهائياً للحياة التي هي نفسها لا ثبات فيها ولا كمال.

ومعلوم أن الاستشراق القديم «الأوروبي» كان قد تجرأ على الإسلام والقرآن ونبينا الرسول الكريم. أما الاستشراق الجديد «الأميركي» فعرف كيف يتلفع بالثقافة والفكر واجهة، يداري من خلالها على أغراضه السياسية. فغدت الدراسات الثقافية طريقاً للخوض في مسائل الذات والآخر والهوية والهامش والتابع وما إلى ذلك من ثيمات تكشف عن حقيقة أنّ الصراع بين الشرق والغرب هو صراع فكري.

ومنذ أن أكَّد إدوارد سعيد حقيقة أن لا وجود لمؤسسة تعليمية عربية قادرة على مضاهاة ما لدى جامعات أكسفورد وهارفارد من مجلات ومراكز أبحاث، فإن الحاجة ما تزال ماسَّة إلى إقامة مشروع «بناء دائرة معارف إسلامية جديدة» نستطيع من خلالها مواجهة موقف التنقيص من الإسلام وخصوصية الذات العربية. ومن دون ذلك يظل الاتباع حاكماً علينا، مصيباً ذواتنا بالعمى المعرفي فنرى «الشخصيات الاستشراقية كبرى» تجدد نفسها ومناهجها، بينما لا نقدر نحن على ذلك.

ومن ثم يكون واجباً «ألا يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة...» بهذا الشكل الاتباعي، نبقى ملزمين بأن نردد بلا اكتراث أقوال تلك الشخصيات مثل أرنست رينان الذي يرى أن عنصرنا العربي أبعد ما يكون عن العلم والفلسفة أو نؤيد المستشرق جيب في قوله إن حضارة العرب أسطورة وأن الفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى كانوا مجرد ناقلين ووسطاء للتراث اليوناني والروماني!.

ومن يقل عكس ذلك فموسوم بـ«الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق» وهكذا تبقى القناعة راسخة بـ«شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة»، وكأن عقلية القرون الوسطى لم تنتج إرثاً فلسفياً كبيراً كان سبباً في بزوغ فلسفة القرون الحديثة. وستنسحب تلك القناعة أيضاً على قرننا الحالي؛ حتى لا أصالة لدى الباحث العربي إلا إذا كان طالباً يتلقف ما يبتكره الغربيون من مناهج علمية حديثة «يطبقها على تراثنا» ومن دون ذلك ستحكمه «العقلية الأصولية» التي غرق برنارد لويس في البحث فيها، وستهيمن عليه «الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية»، وهذا نسف متحمس وغير مشروع لمئات الأعمال البحثية التي تبناها المفكرون العرب، ورفضوا من خلالها وصاية الغرب الفكرية علينا مثل عبد الله العروي وهشام جعيط وأنور عبد الملك وهادي العلوي ومهدي العامل ومحمد أركون وغيرهم.

ولقد أجحف الكاتب هاشم صالح بحق المفكر إدوارد سعيد حين وسم موقفه من نقد الاستشراق بالوقوع في «الفخ»، مع أن سعيداً أول مفكر من أصل عربي واجه الفكر الغربي من عقر داره، وتصدى له بلغته نفسها، فكشف حقيقة أن علاقة الغرب بالشرق علاقة حكم وهيمنة أوروبية على كل الشعوب، وأن الاستشراق صنيعة الجغرافيا المتخيلة أكثر من كونه حقيقة طبيعية. وهذا كله أثَّر بشكل جوهري في أجيال من الباحثين الغربيين الذين صاروا - في الثلاثين سنة الأخيرة - يرفضون مفردة الاستشراق، واستبدلوها بـ«الدراسات الشرقية» وصاروا يستنكفون من وسمهم بالمستشرقين، ويفضلون بدلها لفظة «مستعربين».

أما ما أضافه إدوارد سعيد للطبعة الثانية من كتابه ذائع الصيت «الاستشراق» فكان رداً على بعض نقاده. وبه وطَّد نظريته في أن الثقافة والعلم مجرد قناع تخفى الغرب السياسي خلفه «أعتقد شخصياً أن القيمة الكبرى للاستشراق تكمن في كونه دليلاً على السيطرة الأوروبية الأميركية على الشرق أكثر من كونه خطاباً صادقا حول الشرق» الاستشراق، ص 50. ووصف الذين نقدوا كتابه بأنهم «ليسوا في حقيقة الأمر من المناهضين للإمبريالية، بل في صفوف عملائها السريين» تعقيبات على الاستشراق، ص 47. وننصح بأمانة أن تُعاد قراءة هذين الكتابين قراءة ثاقبة من أجل التخلص من «مستنقع التخلف»،

بيد أن هذا كله لا يقرُّ به من يتحمس للاستشراق فيراه «وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية» و«حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا» ومن تستحكم عليه الحماسة والاتباعية، فلن يرى أنوار تلك العصور الذهبية، وسيسأل نفسه: «متى سيدخل العرب التاريخ من جديد»؟ وهو ما ختم الكاتب صالح مقالته به، فجافى لغة النقد التي تتقبل الرد والخصومة والجدال والحوار. ودخل في منطقة الأنا المتعالية حيث الذات تُصادر غيرها بوصفها هي السائلة المجيبة معاً!.


فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

إدوارد سعيد

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟