«نومادلاند» منافس قوي في موسم جوائز السينما

«نومادلاند» منافس قوي في موسم جوائز السينما

‫في التمثيل والسيناريو والإخراج
الخميس - 29 جمادى الآخرة 1442 هـ - 11 فبراير 2021 مـ رقم العدد [ 15416]

على مدى الأشهر الممتدة من سبتمبر (أيلول) الماضي إلى اليوم، نال «نومادلاند» لمخرجته كلوي زاو 132 جائزة لا مجال بالطبع لتشكيل قائمة كاملة بها هنا، لكنها بدأت بجائزتين في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي (في ذلك الشهر) واستمر منوالها أسبوعاً وراء أسبوع. في العديد من الحالات نال هذا الفيلم أكثر من جائزة في مناسبة واحدة، مما يفسر العدد المرتفع من الجوائز وما زال مرشّحاً لـ94 جائزة آخرها ما صدر من ترشيحات «غولدن غلوبز» في الأسبوع الماضي.

آخر الجوائز الفعلية أعلنت في حفل افتراضي يوم الأحد الماضي عندما خرج «نومادلاند» بجوائز عدة من «حلقة نقاد لندن». ترشيحات ناقد «الشرق الأوسط» ذهبت إليه في أكثر من خانة بينها خانة أفضل فيلم وأفضل سيناريو مقتبس. الخانة الأولى لهذه القدرة البديعة للمخرجة في دمج أسلوبي الرواية والتسجيل من دون اللجوء إلى ما يُعرف بـ«دوكيودراما»، كما سنتعرّف بعد قليل. والخانة الثانية هي لطريقة كتابتها ما صوّرته لاحقاً بدراية لا تقل إبداعاً.


بعد الفقدان

كلوي زاو هي أيضاً منتجة الفيلم (مع آخرين) والتي قامت بتوليفه (مونتاجه) أيضاً بذلك حافظت على رؤيتها ومعالجتها من اللقطة الأولى إلى الأخيرة. وهي اقتبست الفيلم من كتاب غير روائي وضعته الصحافية جسيكا برودر سنة 2017 وروت فيه رحلة امرأة في حاضر داكن لحياة قطاع من الأميركيين فقدوا الحلم الكبير ويعرفون ذلك. هذا، عملياً، في مقابل قطاع، ربما أكبر، فقدوا الحلم ذاته لكنهم ما زالوا يجهلون ذلك.

يتابع الفيلم رحلة امرأة متوسطة العمر فقدت الزوج وفقدت العمل وقررت أن تجوب الولايات المجاورة للولاية التي تنتمي إليها (نيفادا). لم تكن رحلتها سياحية ولا من باب التعويض عن سنوات من العمل في بلدتها الصغيرة ولا حتى للقاء ابنة أو ابن لها يعيشان في بلدة أخرى. كانت، بكل بساطة، رحلة للعيش خارج المنظومة الاجتماعية الكبيرة.

في البداية فكر المنتج بيتر سبيرز، كما قال لهذا الناقد، أن زاو سوف تقوم بعملية اقتباس شاملة تسند فيها للممثلة فرنسيس مكدورمند دور الصحافية برودر:

«هذا كان الخاطر الأول لي ولشركائي عندما قرأت السيناريو الذي بعث به لي وكيل أعمال الممثلة فرنسيس مكدورمند. لكن عندما تعرّفت على زاو وتحدّثنا في العمل تبدّى لي أن المخرجة تنوي الخروج من مجرد نقل ما هو مسرد في الكتاب لتصوير حالة أبعد بكثير».

سرعان ما انضمت فرنسيس مكدورمند إلى العمل كمنتجة لجانب زاو وكلاهما كانا على اتفاق نموذجي منذ البداية. يضيف سبيرز: «لا تنس أن زاو سبق لها أن أخرجت فيلمين أسندت فيهما أدواراً رئيسية لغير محترفين كما الحال هنا».

الحال هنا أن هناك ممثلين معروفين فقط هما مكدورمند في دور المرأة الراحلة فيرن، والممثل ديفيد ستراثرن. الباقون من غير المحترفين وبينهم ليندا ماي وأنجيلا رايز وباتريشا غرير وكارل هيوز. لكن حتى مكدورمند وستراثرن لعبا دوريهما بإنزال الأداء لما دون مستوى الاحتراف لأنه لا يمكن لكليهما (خصوصاً لمكدورمند التي تظهر في كل مشهد من الفيلم بينما دور ستراثرن يحتل نحو خمسة مشاهد فقط) أن تنفصل عن باقي المؤدين بخبرتها وحرفتها إلا على حساب تلك المعالجة التي قامت بها المخرجة.

تضع كلوي زاو خلفية بطلتها خلفها فعلاً. الفيلم لا يبدأ بتوفير مشاهد لإغلاق المصنع الذي كانت تعمل فيرن (مكدورمند) فيه. ولا يهمّها أن تباشر الوضع بحوار بين فيرن وأي شخص آخر لإيضاح ما حدث. كل شيء ينطلق بقرار فيرن ترك البلدة.

الأمر ذاته بالنسبة لزواجها الذي انتهى باكراً. هناك ذكر له لاحقاً لكن لا مشاهد تلج بنا إلى الحاضر أو مشاهد استرجاعية لتبيانه.


البيت ليس منزلاً

ما يبدأ الفيلم به هو الحالة في ساعة مبكرة من يوم ما: لا زوج ولا عمل. تترك بيتها منتقلة إلى حافلة صغيرة (Van) وتقودها في الدروب الصحراوية البعيدة. الحافلة ستشغل البال قليلاً لأنها ليست جديدة ولاحقاً ما سيتطلب الأمر تصليحاً لها، لكن فيرن تصحح أحدهم عندما يفترض أنها بلا بيت (Home) ترد عليها «عندي بيت لكن لا أملك منزلاً»(House) والفارق شاسع لغوياً كما في مفهوم فيرن التي لا تعتبر نفسها شبيهة بالذين يعيشون على الترحال لذاته، بل هي في مرحلة من حياتها قررت لها أن تجول في تلك البُنى المهمّشة من أميركا الكبيرة. تجمع بين رغبة الاطلاع ورغبة العيش ورغبة أن تكون امرأة مستقلّة في المقام الأول.

كل من حولها (باستثناء ستراثرن الذي يؤدي شخصية «جار» في حافلة أخرى منضمّة إلى «مخيم» الحافلات) شخصيات تؤدي حياتها وواقعها من دون تمثيل بمن في ذلك برادي الآتي من مستوطنة للأميركيين الأصليين («الهنود الحمر») يعرف تماماً أن الحياة أمامه كالتي وراءه شبيهة بتلك الأراضي القاحلة حوله. ربما هو أول من توقف عن الحلم الكبير بين من نقابلهم.

هناك شخصية مواطن أصلي آخر في فيلم أميركي حديث هو «دعه يمضي»(Let Him Go) والشخصيتان مشتركتان في إنهما لم يعدا يجدان في أميركا لا الماضي الذي ينتميان إليه، حسب العِرق، ولا المستقبل تبعاً لوعود الحياة والسياسيين. كلا الفيلمان أيضاً رحلة صوب وجه آخر لأميركا. في «دعه يمضي» (أخرجه توماس بيزوكا‪(‬ عائلة من زوجين يتركان راحة بيتهما إلى حيث يقابلان عائلة أخرى تختلف في كل مبدأ ونحو أخلاقي. هذا الاكتشاف للوجه الآخر هو أفضل وأمضى وضعاً هنا لكن العملين يتحاذيان على هذا النسق وفي الموضوع لا أكثر.

تميّز «نومادلاند» عن أي فيلم آخر هو تميّز نابع من الصلب. ناقدة مجلة «سكرين دايلي»، فيونيولا هاليغن، أصابت الهدف تماماً عندما تعجبت، حال مشاهدتها الفيلم في مهرجان فينيسيا، حول كيف يمكن لفيلم صغير كهذا «توفير مرآة للمجتمع وتلوي الضوء لكي تعكس حياة المشاهدين أيضاً». لكن بالإضافة إلى ذلك هناك مسألة أن هذا الانعكاس لم يكن ممكناً على نحو بالغ التفاعل نفسياً ومجتمعياً لو أن المخرجة سردت الفيلم كحكاية. ليس فقط لأن هناك حكايات عديدة سبق تقديمها حول «الأميركانا» وانعكاساتها، بل أساساً لأن الحكايات الأخرى تقدّم نفسها كنماذج للواقع بينما يتشبّث هذا الفيلم بالواقع.


كنسيم بارد

نجد فيرن تنتقل من مخيّم لآخر وتعود أحياناً لما تركته تحت مظلة بيئة مشتركة قوامها أناس طيّبون هم مثلها استجابوا لمثل هذه الهجرة وذلك الترحال. لكن معظم هؤلاء هم ضحايا الوعد الذي لم يتحقق والأمل الذي لم ينجل. أما فيرن فلا تعتبر نفسها ضحية حتى وإن كانت بالفعل كذلك. هي ضحية انقلبت على كونها ضحية وأضحت المرأة التي ترفض أن تندثر تحت ثقل الوضع وتختار أن تعيش فوقه ولو بارتفاع بسيط. حين تعود إلى منزلها الخاوي (توم هانكس يعود أيضاً لمنزله الخاوي في «نيوز أوڤ ذا وورلد» الحديث أيضاً) تقرر، وقد أزف الفيلم على نهايته، إنها لم تعد تريده مسكناً. لا يعني لها أي شيء، تماماً كما لا يعني لها الاستقرار في المكان الواحد الذي ربطها ذات يوم بعائلة وعمل.

الحياة التي عاشت عليها اندثرت. انتهت. اختفت. حياتها الجديدة لن تؤدي إلى ما هو أفضل من السابقة لكنها ستضمن لها استقلالها عبر الترحال.

أداء مكدورمند، الذي سيضمن لها ترشيحاً قوياً للأوسكار، تماشى، كما تقدّم، مع متطلبات المعالجة التي اختارتها المخرجة. وهي إذ منحت الكتاب غير الروائي حياة روائية التزمت بالواقع من دون أن تدّعي أنها تقدّم فيلماً واقعياً على أي غرار. ذلك المزج دقيق وشعري ويمر على الشاشة كنسيم بارد مع قليل من الموسيقى والكثير من تصوير جوشوا جيمس رتشردس الذي تعامل مع المناظر الطبيعية بإضاءتها الخاصة داخل وخارج الأماكن. من قاد سيارته من نيفادا إلى أريزونا ومن أريزونا إلى كاليفورنيا سيجد الكثير من مآرب لسيارات - منازل تؤلف بعيداً عن قارعة الطريق بيئات لأمثال فيرن والنماذج التي التقت بها. تنأى بنفسها عنك وأنت تجوب براحة سيارتك ومذياعها وبرّادها الهوائي. لكن أنظر جيداً وتمعّن كيف أن بعض الأميركيين يفضّلون قطع أواصر الحضارة والحاضر للعيش في كنف البادية. إذا لم يمر طريق سفرك بهذه البيئات شاهد «نومادلاند» وسيعطيك المعنى ذاته وأكثر.


اختيارات المحرر

فيديو