روايات نمطية لا تستكشف التاريخ بل تجتره

انشغلت بوقائع وشخصيات وعلاقات من دون ابتكار خلافاً لتجارب مهمة مثل الغيطاني ومجيد

جهاد مجيد
جهاد مجيد
TT

روايات نمطية لا تستكشف التاريخ بل تجتره

جهاد مجيد
جهاد مجيد

مالت الرواية العربية، وقبلها الرواية الغربية، إلى استثمار محكي التاريخ استثماراً يحرك كوامن التاريخ المدون بحثاً عن مخفياته ومسكوتاته. وقد تفنن الروائيون في كيفيات هذا الاستثمار، فكانت كتاباتهم السردية استكشافية وهي تنقب مستنهضة فينا -نحن القراء- الشكوك، ودافعة بنا إلى التشارك في تهشيم ثوابت التاريخ، وما رسخه فينا من وقائع وشخوص كنا نظن المؤرخين صادقين -قولاً وفعلاً- وهم ينقلون لنا أخبارها.
وإذا كان الساردون الغربيون قد ابتكروا وطوروا كيفيات توظيف محكي التاريخ، فإن بعض الساردين العرب شغلتهم أيضاً وقائع تاريخية بعينها، فجربوا محكي التاريخ، وذلك من قبل أن تصل إلينا رياح ما بعد الحداثة من الغرب، فكتبوا رواية التاريخ التي تختلف عن الرواية التاريخية، باستثمارها التاريخ استثماراً ما بعد حداثي.
فكانت رواية «الزيني بركات» للمصري جمال الغيطاني (1974)، ورواية «حكايات دومة الجندل» للعراقي جهاد مجيد (1988)، السباقتين في هذا التجريب، اعتماداً على ما دلتهما عليه موهبتهما الأدبية ووعيهما الفكري حول دور السرد في انتهاك قدسية التاريخ.
ومع تزايد الاهتمام بكتابة رواية التاريخ، صار كثير من الساردين العرب يوجهون اهتمامهم نحو التداخل بين السرد والتاريخ، انجذاباً لما تلاقيه هذه الرواية من اهتمام قرائي ونقدي، وانبهاراً بما يتيحه المتخيل التاريخي من مساحات سردية رحبة مبتكرة. بيد أن بعض الساردين اللاحقين ظلت تعوزهم بعض المعرفة الإمبيريقية بمفاهيم التاريخ ونظريات الزمان وهم يحاولون إعادة بناء التاريخ مجربين أدواتهم في إنتاج محكي التاريخ وفق ما تجود به مخيلاتهم حول هوامش التاريخ ومقموعيه؛ والنتيجة كتابة روايات نمطية تندرج في واحد من الاتجاهين الآتيين:
الاتجاه الأول، وفيه السرد كلاسيكي على طريقة جورج زيدان التي فيها السرد خادم للتاريخ، والكاتب لا يعيد كتابة التاريخ، وإنما يستعيد منه وقائع وشخصيات وعلاقات إنسانية، بلا ابتكار تخييلي ولا حفر سردي، ومن ثم لا فرق بين كتابة أوتوبغرافية - سيرية وكتابة هستوغرافية - تاريخية.
والاتجاه الثاني، وفيه السرد واقعي بأشكال مختلفة، يتعامل بوعي ممكن أو بوعي قائم مع أحداث الماضي برؤية للعالم، لا إعادة فيها للأحداث بقصد اكتشاف حقيقة ما حدث فيها فعلاً، بل بقصد مركزة الإنسان والمجتمع والتاريخ والوجود.

إعادة تدوير للتاريخ
وللتمثيل على نمطية الاتجاه الأول، نأخذ روايتين: الأولى هي «رُقم الغياب» للروائي علي عبد العال (2020) التي يستعرض فيها الكاتب تاريخ الإنسان العراقي عبر آلاف السنين، من خلال سارد ذاتي يحكي قصة رحلته التاريخية العجيبة، مبتدئاً من وطن هو أصل، وعائداً إلى أصل هو الوطن، مسجلاً وقائع الرحلة في أربعة عشر فصلاً، كل فصل هو رقيم، كنوع من استلهام الإرث الرافديني، وتحديداً ملحمة جلجامش. وتبدأ الرواية والسارد طفل بصري يبيع السمك مع أمه التي رعته، وهي ليست أمه الحقيقية، ودور العرافة وما تحكيه له من ألغاز وأحاجي وحكايات خرافية في توجيه حياة هذا الطفل الذي يجهل أباه فيهيم في مواسم الحصاد، متوهماً انحداره من سلالة عتيدة «توصلت إلى حالة أثيرية تقرب إلى الحلم أوصلتني ببساطة متناهية إلى اعتبار أن أبي كان واحداً من الملوك الكبار المنقرضين» (الرواية - ص 22).
وبسبب هذا الوهم، يخوض السارد الذي فيه تتجسد شخصية جلجامش مغامرات السفر عبر البلدان بحثاً عن أصله، يرافقه ماني أو الشيخ ذو النورين، الشخصية الحكيمة العارفة التي فيها تتجلى شخصية أوتونبشتم، ليكون هو البوصلة التي توجه السارد: «أنت لا تعرف أصلك... أمك العراق هي أرض طيبة... الرجل السومري لا يقتل ذويه... أنت من أصل سومري».
وتبدأ الرحلة التاريخية بحثاً عن الأصل من البصرة، وهي «في طور تكوينها الفكري الجديد، ولم يزل واصل بن عطاء تلميذاً للشيخ الجليل الحسن البصري، ولم تكن القرامطة قد ظهروا بعد، ولم يكن اسم حمدان بن قرمط قد ظهر أصلاً؛ كل ما كان هو أني سمعت باسم حكيم يتداول الناس اسمه، على درجة من الورع والهيبة، اسمه ماني» (الرواية - ص 24)، مروراً ببغداد التي «كان المستعمرون يخجلون من الإساءة إليها»، ومن بعدها اليونان حيث أفلاطون وسقراط، إلى أن يصل إلى الأرض الاسكندنافية التي فيها تنتهي الرحلة وقد صار السارد رجلاً خمسينياً عليه أن يعود كحيوان مجهري إلى الوطن الرحم الكبير. وهنا، يعيش احتداماً داخلياً، فإما العودة إلى الجنوب حيث الموطن الأول، و«سأقبل لأنني من دون وطن»، وإما يظل تائهاً مثل «لاجئ سياسي ما عاد لاجئاً سياسياً، فقد زال الظلام عن وطني».
ويؤثر الخيار الثاني لأن الرحلة لا بد أن تستمر، قانعاً بوجود «ثعبان أرقط هو مصيرنا منذ ذلك التاريخ الذي حل بوادي الرافدين، ساد حكم الزعيم الأرقط الذي لم يعرف له نسب في تاريخ ما بين النهرين، وهو لا يزال يحكم المنطقة بجوقة من فراخ الثعابين سامة وأفاعٍ مرقطة من نسله الشاذ» (الرواية - ص 289). وهكذا، تنتهي الرواية والسارد يتقيد بالتاريخ غير كاشف لنا عن مخبوءات تخالف ما عرفناه واعتدناه.
والرواية الثانية هي «لبابة السر» للروائي شوقي كريم (2019)، وفيها يوظف الكاتب الإرث الرافديني، متخذاً أيضاً من الرُقم فصولاً للرواية؛ بيد أن كل فصل هو عبارة عن استنساخ لفظي أو بالأحرى إعادة تدوير لألفاظ وأفعال وأسماء مرت علينا في ملاحم وأناشيد وتراتيل رافدينية ضمتها نصوص ترجمها آثاريون غربيون وعراقيون. وفي بعض هذه النصوص فراغات تركها هؤلاء الآثاريون، مؤشرين على مواضع الخرم، وربما حاولوا تأويل أسباب الخرم أو عملوا على ملء بعض فراغاته.
وهو الصنيع نفسه الذي حاكاه الكاتب، متخذاً من نفسه شخصية داخل روايته بالاسم (شوقيا)، محاولاً جعل الرواية مدونة بابلية فيها سبعة عشر رقيماً، هي عدد فصول الرواية. وتبدأ بالرقيم المعنون (هل اهتز عرش مردوك؟)، مستعيداً أساطير الآلهة مردوخ وإنليل وشمش، مجسداً صورة الإله الماجن الذي تنازل عن صولجان ربوبيته للذائذ حتى احترقت بابل، ماراً على شخصيات تاريخية وأسطورية، مثل الملك حمورابي وديموزي وعشتار.
وباحتراق بابل، يعيش الناس حالة فوضى وهم يتساءلون عن بابل المحترقة، ومعهم يتساءل المدون -السارد عن الصبايا وسدنة البغايا والمتسولين، سائراً في كتابة سرده على نهج الملاحم القديمة، مستعملاً الأسماء ذاتها، متخذاً من ألفاظ (نشيد الإنشاد - الأسفار – التراتيل - المسلة) عنوانات جانبية، بلا ابتكار في أسماء أبطاله ولا اكتشاف لأشياء تخالف ما أوصله إلينا التاريخ الرسمي عن بلاد الرافدين، من نبوءات وحكم وتعاليم وأسرار. وفي نهاية الرواية، يحاول المدون وضعنا قبالة السر، بيد أن المفارقة تكون قد ضاعت عليه باللعبة المكشوفة المكررة في تركيب روايته تركيباً يستنسخ بنية الملحمة والتراتيل التوراتية. وكل الذي فعله الكاتب أنه جمع نصوصاً قديمة في كتاب من دون أن يسائل التاريخ الرافديني ولا يضاعف الزمن بزمن الكتابة وزمن الذاكرة.

واقعية محضة
أما نمطية الاتجاه الثاني، فنمثل عليها برواية «شارع الزعيم» للروائي عباس لطيف (2019)، وفيها لا نجد لحظات يتم اقتناصها سردياً من الواقعة التاريخية المتمثلة باليوم الأخير في حياة الزعيم عبد الكريم قاسم التي هي قصة ضمنية تأطرت بالتناوب مع قصة حب تجمع السارد بفتاة أحلامه (أحلام) التي تعشق سيرة الزعيم. وكادت الحوارات والتساؤلات التي دارت بينهما أن تضع اليد على ملابسات اغتيال الزعيم، ومخفيات ما سبقه، من قبيل الإطاحة بالملكية، وصراع العسكر، والمؤامرات الخارجية، لولا توزع السارد بين هاتين القصتين المتنافرتين: الإطارية التي هي غرامية، والضمنية التي هي دموية، ليكون الواقع النصي تاريخاً اجتماعياً أكثر منه محكياً تاريخياً.
ورغم محاولات السارد توظيف ما سماه (ظاهرة الانتقام الثأري التي تتكرر في تاريخ العراق)، وتوكيداته بين الفينة والأخرى أن في المصادر وجهات نظر تروي الواقعة بروايات مختلفة، حتى يبدو أنه لا حقيقة في التاريخ الرسمي، وما حاوله أيضاً في الفصل (20) من بناء مدينة جابر رضا، فإنها ظلت محاولات متدارية ما أثرت على سير الواقعة التاريخية الرئيسة التي يراها السارد ضرورية من باب أن «كل حدث هو درس، والغرض من دراسة التاريخ هو تجنب الوقوع بالأخطاء والنكبات نفسها» (الرواية - ص 76).
وهذا الاعتبار بالتاريخ هو الدريئة التي حالت دون أن يتمكن السارد من كشف مفارقات قد تقلب الواقعة رأساً على عقب، وتجعله يتجه إلى وقائع أخرى هي تبعات لمقتل الزعيم، حتى انتهت الرواية عند دخول القوات الأميركية العراق عام 2003، لتكون واقعية محضة: «أصبح الواقع عبارة عن نكات ثقيلة الدم، فالمدينة فقدت ألفتها وأمانها، وصار الناس مثل مجموعة حكم عليها بالموت، وكل ينتظر دوره» (الرواية - ص 146).
إن هذا الذي به نؤاخذ الرواية العراقية الراهنة إنما يظل في حدود الكيفية التي بها وَظفت التاريخ، خاصة الإسلامي والرافديني، بعد أن صار توجهها نحوه ظاهرة واضحة، خاصة بعد صدور رواية «أزمنة الدم» للروائي جهاد مجيد (2016) التي كانت سبباً مهماً في فتح الباب على مصراعيه أمام الساردين العراقيين للإفادة من متاحات هذا التاريخ في تمثيل الواقع.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended