إردوغان يعيّن مقرّبين منه على رأس 11 جامعة وسط استمرار أزمة «بوغازيتشي»

الاحتجاجات الطلابية ضد أردوغان تمتد إلى جامعات أنقرة (إ.ب.أ)
الاحتجاجات الطلابية ضد أردوغان تمتد إلى جامعات أنقرة (إ.ب.أ)
TT

إردوغان يعيّن مقرّبين منه على رأس 11 جامعة وسط استمرار أزمة «بوغازيتشي»

الاحتجاجات الطلابية ضد أردوغان تمتد إلى جامعات أنقرة (إ.ب.أ)
الاحتجاجات الطلابية ضد أردوغان تمتد إلى جامعات أنقرة (إ.ب.أ)

رغم استمرار أزمة جامعة بوغازيتشي، نشرت الجريدة الرسمية في تركيا (أمس) مرسوماً أصدره إردوغان بتعيين 11 رئيس جامعة في ولايات مختلفة في أنحاء تركيا، بينهم 5 لم يسبق لهم العمل بالجامعات التي تولوا رئاساتها، وجميعهم مقربون منه، أبرزهم نامق أك الذي عمل معه خلال فترة رئاسته لبلدية إسطنبول في التسعينيات. وفي الوقت ذاته، كشف استطلاع للرأي أجرته شركة «متروبول» للأبحاث اعتراض نحو نصف أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم على قرار إردوغان تعيين مليح بولو رئيساً لجامعة بوغازيتشي، فيما اعترض نحو ثلثي أعضاء حزب الحركة القومية الحليف للحزب الحاكم على القرار ذاته.
وفي السياق ذاته، عد رئيس حزب «الديمقراطية والتقدم» المعارض نائب رئيس الوزراء الأسبق، علي باباجان، أن هدف إردوغان هو إخضاع جامعة بوغازيتشي والسيطرة عليها، وأن ذلك سيهبط بمستواها العلمي.
وانتقد قرار إردوغان افتتاح كليتين جديدتين للاتصالات والحقوق في الجامعة، مؤكداً أن ما يحدث في الجامعة هو محاولة من إردوغان للفت أنظار قاعدته الانتخابية، ومحاولة الحفاظ عليها. وانتقد المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، الإجراءات التي تنفذها السلطات التركية في جامعة بوغازيتشي.
واصطدمت إدارة بايدن مع تركيا في كثير من القضايا منذ تسلمها السلطة، أهمها تأكيد ثبات الموقف الأميركي من اقتناء المنظومة الروسية. وصدرت إشارة جديدة محبطة لتركيا من واشنطن، أكدت عدم تغير الموقف الأميركي في عهد إدارة الرئيس جو بايدن فيما يتعلق بصفقة صواريخ الدفاع الجوي الروسية «إس-400» عن موقف الإدارة السابقة برئاسة دونالد ترمب. وجددت واشنطن تمسكها بتخلي تركيا عن المنظومة الروسية. وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، جون كيربي، إن موقفنا لم يتغير، وندعو تركيا إلى التخلي عن نظام «إس-400» حتى يتم رفع العقوبات المفروضة عليها.
وصدرت تحذيرات عن مستشار الأمن القومي الأميركي، جايك سوليفان، لأنقرة، قال فيها إن إصرارها على تنفيذ صفقة الصواريخ الروسية «إس-400» سيؤدي إلى تقويض تماسك حلف الناتو وفاعليته، مؤكداً تمسك واشنطن بدعم المؤسسات الديمقراطية في تركيا وحكم القانون.
ورأى متابعون للشأن التركي في واشنطن أن هذا التصعيد يشير إلى أن العلاقة بين الجانبين دخلت مبكراً مرحلة الشد والجذب، خصوصاً أن إدارة بايدن تضم عدداً من المسؤولين المتخصصين في الشأن التركي، ولديهم مواقف سلبية مسبقة عنها.
وعلى رأس هؤلاء وزير الخارجية أنتوني بلينكن. وفي جلسة تثبيته في الكونغرس، وصف بلينكن تركيا بـ«الشريك المزعوم»، وهي عبارة لم تستخدم سابقاً من أي مسؤول أميركي. وتؤكد غونول تول، المسؤولة عن ملف تركيا في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، أن قائمة المسؤولين الأميركيين الذين سيتابعون العلاقة مع أنقرة طويلة، من بلينكن إلى سوليفان إلى بريت ماكغورك الذي تسلم ملف المنطقة، ومن بينها سوريا وتركيا وغيرهما.
وتضيف أن هؤلاء لديهم مواقف سلبية جداً من سياسات أنقرة، ليس فقط بسبب ملف الصواريخ الروسية، بل ومن سياساتها في سوريا، ومع إيران، ومنطقة حوض البحر المتوسط، وليبيا، والقرن الأفريقي، وصولاً إلى القوقاز.
وترجح تول أن تعمد إدارة بايدن إلى تطبيق قانون «كاتسا» في وقت قريب جداً، إذا لم تتراجع تركيا عن صفقة الصواريخ الروسية.
فالمناخ اليوم يختلف عما كان في السابق، حين آخر الرئيس السابق ترمب تطبيقه، باستثناء بعض العقوبات الشكلية التي استهدفت مستشارية الصناعة الدفاعية التركية، ومديرها إسماعيل دمير.
ويمكن لبايدن أن يختار من بين 12 بنداً يتضمنه القانون، ومراقبة ردة فعل أنقرة. فتلك القضية نقطة خلاف رئيسية مع واشنطن، فيما أنقرة تتهمها بأنها تتعامل مع منظمة إرهابية، في إشارة إلى أكراد سوريا.
كما أن استئناف محاكمة المتورطين في قضية بنك «خلق» التركي في نيويورك، في أول مارس (آذار) المقبل، المتهم بمساعدة إيران لسنوات في التهرب من العقوبات، والحصول على 20 مليار دولار من عائدات النفط المجمدة، يرجح أن تؤدي إلى مضاعفات كبيرة، ليس فقط على علاقة البلدين، بل على الوضع الاقتصادي والمالي التركي. ومع بدء الاتصالات التركية - الأميركية، وتبادل التصريحات التي طغى عليها التشنج حتى الآن، تتجه الأنظار نحو مخرجات الحوار المتوقعة، في ظل تشديد على مطالبة أنقرة بتبني سياسات أكثر حزماً تجاه تمويل الإرهاب، وتصحيح مساراتها السياسية في المنطقة. وشكل تقرير المفتش العام في وزارة الخزانة الذي يتهم تركيا بأنها تحولت «مركزاً لوجيستياً لتحويل الأموال» للجماعات الإرهابية بين سوريا والعراق، ضغطاً كبيراً على أنقرة التي تسعى إلى تحسس خطواتها المقبلة مع واشنطن.
وعلى صعيد آخر، رفضت محكمة في إسطنبول مجدداً طلباً بإطلاق سراح رجل الأعمال الناشط الحقوقي البارز عثمان كافالا من سجنه، استجابة لقرار محكمة حقوق الإنسان الأوروبية. وقضت بدمج قضيتين جاريتين ضده، وأجلت نظرهما إلى جلسة تعقد في 21 مايو (أيار) المقبل. ويواجه كافالا (63 عاماً) اتهامات بالتجسس، وبدعم محاولة الإطاحة بالحكومة في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.
ووجهت إليه هذه الاتهامات بعد أن تمت تبرئته في 24 فبراير (شباط) العام الماضي من اتهامات مرتبطة بالإرهاب، حول تنظيم وتمويل احتجاجات «جيزي بارك» المناوئة للحكومة التي انطلقت في إسطنبول، واتسعت إلى أنحاء مختلفة في عام 2013، إلا أن محكمة أخرى أمرت بالقبض عليه في اليوم ذاته بالتهم الجديدة المتعلقة بالتجسس ودعم محاولة الانقلاب، حيث يحاكم من سجنه الذي أودع فيه منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2017، ومعه آخرون، بينهم أكاديمي أميركي، يحاكمون غيابياً.
ويواجه كافالا عقوبة السجن مدى الحياة، حال إدانته. وقد نددت الولايات المتحدة وأوروبا ومنظمات حقوق الإنسان بالإجراءات المتخذة ضده، بصفتها جائرة ذات دوافع سياسية، ودعت إلى إطلاق سراحه.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...