الإسلام في القرن الحادي والعشرين

عدد أول من مجلة بالفرنسية تهدف إلى التجديد الفكري

د. صادق بلوصيف
د. صادق بلوصيف
TT

الإسلام في القرن الحادي والعشرين

د. صادق بلوصيف
د. صادق بلوصيف

أصدرت «رابطة الإسلام في القرن الحادي والعشرين» العدد الأول من مجلتها التي تحمل اسمها. وهي تهدف إلى تجديد الفكر داخل العالم العربي الإسلامي. ويشرف على المجلة رئيس الرابطة الدكتور الجزائري صادق بلوصيف. وهو بروفسور كبير في الطب ولكنه مفعم أيضاً بحب الأدب والفكر والفلسفة. وفي افتتاحيته لهذا العدد الأول يقول ما معناه: لماذا نصدر مجلة جديدة في وقت تغلق فيه مجلات كبرى وعريقة أبوابها؟ لثلاثة أسباب: أولها، المزاوجة بين الخصوصية الثقافية للإسلام وتيارات الفكر المعاصرة وإخصاب هذه بتلك. وثانيها، نريد فهم الإسلام كدين، والإسلام كحضارة، وهدفنا هنا إقامة الحوار والتفاهم المشترك بين الإسلام وبقية الأديان والثقافات والحضارات. وثالثها، التفريق بين ما هو ثقافي وما هو عبادي في الإسلام. هذا التفريق شائع في الغرب وقد أدى إلى التمييز بين الدين والسياسة. فللدين رجاله وللسياسة رجالاتها ولا ينبغي الخلط بينهما في كل شاردة وواردة. ولكن هذا التمييز لم يصبح بعد شائعاً في العالم العربي أو الإسلامي حيث لا يزال الخلط بينهما سائداً. من هنا الانتشار الكبير لحركات الإسلام السياسي.

- استراتيجية واحدة بتكتيك مختلف
ثم يقدم الدكتور محمد الحداد مداخلة مطوّلة وعميقة تحت عنوان: هل ينبغي أن نُدين ماكرون؟ وجوابه هو أننا لسنا مجبرين على موافقته على كل شيء، ولكن ينبغي الاعتراف بأن رد المؤسسات الدينية الإسلامية على خطابه لم يرتقِ إلى المستوى المطلوب. هذا أقل ما يمكن أن يقال. يضاف إلى ذلك أن ماكرون لم يهاجم الإسلام ولا المسلمين إطلاقاً في خطابه وإنما هاجم فقط الإسلامويين أو الأصوليين أو حركات الإسلام السياسي. ولكنّ بعض القنوات الإعلامية تعمّدت عن قصد ترجمة خطابه بشكل مغلوط لكي تستطيع إدانته وتهييج المسلمين والعرب عليه وعلى فرنسا كلها. فهذه القنوات قد زعمت زوراً وبهتاناً أنه يُدين الإسلام والمسلمين ككل في حين أنه اكتفى بانتقاد الحركات المتطرفة. إذن، فهناك مشكلة في الترجمة بين «مسلم» و«إسلاموي»، أو بين «الإسلام» و«الإسلاموية». فهما ليسا شيئاً واحداً في اللغة الفرنسية على عكس ما نظن. وهنا أصاب محمد الحداد الهدف تماماً.
وعلى أي حال هناك نقطة أخرى مهمة يثيرها الدكتور محمد الحداد، وهي أن أحد قادة الحركات الإسلامية المعروفة يريد إقناع فرنسا والغرب بالمقايضة التالية: ساندوا الإسلام السياسي «المعتدل المسالم»، أي نحن جماعة الإخوان، لكي نحميكم من تفجيرات الإسلام الراديكالي العنيف كـ«القاعدة» و«داعش» إلخ. ولكنّ هذه المعادلة لا تستقيم، لأن هو نفسه أحد مؤسسي ما يدعى «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» الذي يترأسه القرضاوي. ومعلوم أن العديد من قادة «القاعدة» و«داعش» خرجوا من رحم هذا التيار، أي تيار الإخوان المسلمين. وكما يقول الفيلسوف المازري حداد في كتاب مهم سيصدر قريباً بالعربية والفرنسية، فإن الخلاف بين كل أطياف الإسلام السياسي هو في الدرجة لا في النوعية ولا في الطبيعة لأن العقيدة واحدة والاستراتيجية واحدة ولكن التكتيك يختلف. الهدف الاستراتيجي النهائي واحد في نهاية المطاف، ألا وهو، «أسلمة» المجتمع بالمعنى التقليدي للكلمة وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإقامة الدولة الدينية التي لا تعترف بأي فصل بين الجامع والدولة ولا حتى أي تمييز. بمعنى آخر، سوف نظل محكومين بكابوس الدولة اللاهوتية الثيوقراطية القروسطية التي تخنق الحريات وتشل الطاقات الإبداعية للعرب. وبالتالي فلا يمكن أن ينهضوا ولا أن يلحقوا بركب الأمم المتقدمة. كيف يمكن أن ينهض من هو مقيّد بأصفاد القرون الغابرة؟ أعطني حريتي أطلق يديّا! ثم يضيف الدكتور المازري حداد أن الربيع العربي سرعان ما تحول إلى «شتاء أصولي قارس» وفشل فشلاً ذريعاً. لا ريب في أن الانتفاضات على الاستبداد السياسي و«بوليس الفكر» كما يقول، كان شيئاً مشروعاً ولكن كان هناك طريق آخر للتغيير غير هذا الطريق الفوضوي المدمر الذي سلكوه. كان هناك طريق الإصلاح التدريجي وإجبار الأنظمة على تقديم التنازلات بشكل أو بآخر. ألم يكن ذلك أفضل من كل هذا الخراب الحاصل حالياً؟ أين كنّا وأين أصبحنا؟ والدليل على ذلك أن تونس كانت مزدهرة اقتصادياً قبل يناير (كانون الثاني) 2011، ولكنها أصبحت الآن على حافة الانهيار بعد عشر سنوات من هذا الربيع العربي المزعوم. يضاف إلى ذلك أن تونس كانت تصدِّر إلى العالم العربي الكفاءات العلمية والطبية والهندسية والمعلوماتية فأصبحت تصدر إليه لاحقاً «اليد العاملة الجهادية»، إذا جاز التعبير. نعم لقد صدّرت تونس بعد «الربيع العربي» آلاف الجهاديين الداعشيين إلى سوريا والعراق في السنوات الأخيرة لكي يسهموا في تدمير بلدين عربيين كبيرين تآلب عليهما الدمويون من زوايا العالم الأربع وأعادوهما في بعض المناطق إلى العصر الحجري. أعتقد أن كتاب المازري حداد سوف ينفجر كالقنبلة الموقوتة عندما يصدر قريباً. لكن لِنَعُد إلى محمد الحداد. ما الحل الذي يقترحه في نهاية المطاف؟ إنه يرى أن الحل لا يمكن أن يأتي من جهة الأصوليين، معتدلين كانوا أم متطرفين، وإنما من جهة المثقفين الأحرار المعزولين المتبعثرين الخارجين على الإطار الأصولي الخانق كلياً. وهم ما قد جرت العادة على تسميتهم: المفكرين الجدد في الإسلام. انظروا في هذا الصدد كتاب الباحث المغربي رشيد بن زين الذي يحمل ذات الاسم. بمعنى آخر، فإن إسلام الأنوار هو الحل، ولكن على المدى البعيد لا القريب للأسف الشديد. لماذا؟ لأن إسلام الظلمات لا تزال له شعبية كبيرة بسبب الجهل والفقر والأمية. وبالتالي فتنوير الشعوب العربية وتعليمها وتثقيفها سوف يستغرق وقتاً طويلاً. عندئذ سوف يحصل الربيع العربي الحقيقي! نريد ربيعاً تنويرياً مشرقاً لا طائفياً ظلامياً.

- اللاهوت والفلسفة
أنتقل الآن إلى باب آخر من أبواب هذه المجلة العتيدة المليئة بالأفكار الجديدة والتحليلات والإضاءات. يحمل هذا الباب العنوان الرصين التالي: اللاهوت والفلسفة. وقد شارك فيه محمود حسين. وهو اسم مركّب مستعار يدل على مثقفين مصريين اثنين هما: عادل رفعت وبهجت النادي. وقد كتبا مداخلة مطولة جداً في المجلة تحت عنوان: «النزعة الإنسانية الإسلامية بالأمس واليوم». وهي تقول لنا ما معناه: لقد سبقت النزعة الإنسانية الإسلامية حركة النهضة الأوروبية ونزعتها الإنسانية أيضاً بسبعة قرون على الأقل.
وبالتالي فالتنوير كان عربياً قبل أن يصبح أوروبياً. بل إن التنوير الأوروبي ما هو إلا امتداد للتنوير العربي. لقد ظهرت النزعة الإنسانية الإسلامية والعقلانية العربية في القرن التاسع الميلادي على يد المعتزلة والفلاسفة أساساً، ولكن يمكن أن نضيف إليهم الأدباء والشعراء الكبار كالمتنبي والمعري إلخ. لقد ظهر هذا التيار الذي دعاه محمد أركون بالنزعة الإنسانية العربية وتألق على يد مفكرين أفذاذ ليس أقلهم الجاحظ والتوحيدي ومسكويه وعشرات غيرهم. هذا بالإضافة إلى كبار شخصيات الاعتزال كواصل بن عطاء، والزمخشري، والقاضي عبد الجبار، والعلاف، والنظام، إلخ.
ولكنّ أتباع التقليد الحرفي الجامد والرجعية الحنبلية سرعان ما تصدوا للمعتزلة وأسكتوهم بل أبادوهم في نهاية المطاف. وعلى هذا النحو انتصرت الظلامية الدينية على الأنوار العقلانية في العالم الإسلامي. ونحن لا نزال ندفع ثمن هزيمة المعتزلة والفلاسفة حتى اللحظة بدليل أن «داعش» الشرير ما هو إلا امتداد لعصور متطاولة من الظلامية الدينية امتدت على مدار ألف سنة متواصلة. من هنا صعوبة مواجهتها لأنها متغلغلة في الأحشاء والعروق وبرامج التعليم والفضائيات والعقليات... ولو أن المعتزلة هم الذين انتصروا لَمَا كان هناك شيء اسمه «داعش» حالياً.
كنا نعتقد أنه انتهى بسقوط دولته السوداء في الموصل والرقة ولكن يبدو أنه لا يزال قادراً على الضرب والإجرام بدليل ما ارتكبه مؤخراً من تفجيرات مروعة في منطقة الباب الشرقي في بغداد حيث سقط عشرات الجرحى والقتلى من الناس البسطاء، الفقراء، الأبرياء. أين النزعة الإنسانية؟ أين سماحة الإسلام ومكارم الأخلاق؟ أين الأنوار العربية التي أشعّت على العالم يوماً ما ومن بغداد بالذات؟ كل شيء انطفأ. أو قُلْ كل شيء يريد أن يطفئه هؤلاء المجرمون الداعشيون القتلة الذين تؤذيهم نهضة العراق والعرب ككل. في ختام دراستهما المطولة جداً والعميقة يتوصل الباحثان إلى ذات النتيجة التي توصل إليها الدكتور محمد الحداد: وهي أن الأمل معقود على المفكرين الجدد في الإسلام وفي طليعتهم محمد أركون ونصر حامد أبو زيد وآخرون.
ومعلوم أن أركون أمضى حياته وهو يتحدث عن النزعة الإنسانية العربية في القرن الرابع الهجري- العاشر الميلادي. وقد تأسف كثيراً لأن حركات الإسلام السياسي قضت كلياً على النزعة الإنسانية وشوّهت صورة الإسلام العظيم وأغرقت الجزائر في عشرية سوداء مرعبة لا أعادها الله.



مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.