انقلاب ميانمار يشكّل «اختبار نيات» إقليمياً ودولياً

التعايش الصعب بين الجيش وأونغ سان سو تشي انهار رغم تنازلاتها في موضوع الروهينغا

انقلاب ميانمار يشكّل «اختبار نيات» إقليمياً ودولياً
TT

انقلاب ميانمار يشكّل «اختبار نيات» إقليمياً ودولياً

انقلاب ميانمار يشكّل «اختبار نيات» إقليمياً ودولياً

استيقظ العالم في الأول من فبراير (شباط) الجاري على أنباء سقوط «أرض اليشم»، وهو اللقب الذي تشتهر به ميانمار أو بورما، في هوّة الاضطرابات السياسية مرة أخرى.
إذ تمكن جنود جيش ميانمار، المعروفين محلياً بمسمى «تاتماداو»، في تمام الساعة الثالثة صباحاً من بسط السيطرة على البلاد. وتولى قائد الجيش الجنرال مين أونغ هلاينغ، البالغ من العمر 65 سنة، رئاسة البلاد، وذلك إثر وقوع مستشارة الدولة أونغ سان سو تشي، والرئيس وين مينت، رهن الاعتقال بتهمة تزوير الانتخابات. وذلك إلى جانب اعتقال الكثير من الصحافيين، والنشطاء، والفنانين الآخرين الذين كانوا ينتقدون الجيش في ميانمار. ومن المعروف أن الجيش الميانماري يعد ثاني أكبر قوة عسكرية نشطة في جنوب شرق آسيا بعد «جيش فيتنام الشعبي».
ولقد عمل الجيش بكل عناية على صياغة المشهد السياسي الراهن في ميانمار، لدرجة أن بعض المراقبين قد استبعدوا في بداية الأمر مجرد احتمال حدوث الانقلاب. فلقد انتشر الجنود في الشوارع، وتعطلت وسائل الإعلام المحلية والدولية عن العمل، مع توقف تام لوسائل الاتصالات في العاصمة نايبيداو. وذكرت وكالة «رويترز» الإخبارية أن القيادة في البلاد قد أعلنت عن إغلاق مطار «يانغون» الدولي في وجه حركة الطيران حتى شهر مايو (أيار) المقبل. كذلك أعلنت قيادة الجيش في ميانمار عن سريان حالة الطوارئ في البلاد لمدة سنة كاملة، وتعهدت بإعادة تشكيل لجنة الانتخابات الوطنية، مع الإشراف على إجراء انتخابات جديدة متعددة الأحزاب تتسم بالحرية والنزاهة.
يعرف القاصي والداني مدى تورط جيش ميانمار، تحت قياد الجنرال مين أونغ هلاينغ، خلال السنوات الأخيرة في حملة دموية مروّعة ضد مسلمي أقلية الروهينغا في البلاد اعتباراً من أغسطس (آب) من عام 2017، ونتيجة الترويع والمجازر أُجبر مئات الآلاف منهم على الفرار من ميانمار في اتجاه بنغلاديش المجاورة. ولقد خاطر هؤلاء بكل غالٍ ونفيس، فراراً بحياتهم عن طريق البحر أو سيراً على الأقدام من الهجوم العسكري الذي وصفته منظمة الأمم المتحدة في وقت لاحق بأنها «حملة نموذجية ممنهجة للتطهير العرقي».
وتعد أقلية الروهينغا، الذين كان يقترب عددهم من المليون نسمة في ميانمار مع أوائل عام 2017، إحدى الأقليات العرقية الكثيرة الأخرى القاطنة في البلاد. ويمثل مسلمو أقلية الروهينغا أكبر نسبة من المسلمين في ميانمار، ويعيش السواد الأعظم منهم في ولاية راخين. ويُذكر أن لأبناء هذه الأقلية هويتهم، ولغتهم، وثقافتهم الخاصة، وهم يقولون إنهم يتحدّرون من نسل التجار العرب القدامى الذين زاروا تلك البلاد في الماضي مع جماعات أخرى من التي استوطنت تلك المنطقة منذ أجيال. غير أن حكومة ميانمار -تلك الدولة التي يعتنق السواد الأعظم من سكانها الديانة البوذية- ترفض الاعتراف بـ«مواطنة» أقلية الروهينغا، كما استبعدتهم من التعداد السكاني خلال عام 2014، وترفض وجودهم كأقلية قاطنة في البلاد، إذ تعدهم مهاجرين غير شرعيين من بنغلاديش المجاورة.
ورداً على مواقف السلطات الميانمارية وجيشها من الروهينغا، أمرت المحكمة الدولية العليا، خلال يناير (كانون الثاني) من عام 2020 هذه السلطات باتخاذ التدابير الكافية لحماية أفراد الروهينغا من الإبادة الجماعية. ومع أن الجيش دأب على الزعم أنه يقاتل حصراً المسلحين من أبناء الروهينغا وينفي على الدوام استهداف المدنيين، قال محققو الأمم المتحدة إن الهجمات كانت تشتمل على عمليات القتل الجماعية، والاغتصاب الجماعي، والحرق المتعمد على نطاق واسع، وبالتالي تعد تلك الجرائم التي جرى تنفيذها تحت مظلة الإبادة الجماعية الممنهجة. وهو ما نفاه وينفيه الجيش.

مين أونغ هلاينغ... وجيشه وانقلابه
من جهة أخرى، كانت الولايات المتحدة الأميركية، استجابةً لتلك الفظائع، قد فرضت العقوبات على الجنرال مين أونغ هلاينغ وثلاثة آخرين من كبار القادة العسكريين خلال عام 2019، وهناك عدة قضايا منظورة أمام المحاكم الدولية في هذا الشأن، بما في ذلك محكمة العدل الدولية. ويوصف هذا الجنرال بأنه شخصية ذات بنية جسدية ضئيلة، دائماً يواظب على ارتداء النظارة المستديرة بلا حواف تلك التي تمنحه مظهر الكاتب الحكومي أكثر من كونه قائداً لأحد أكبر الجيوش القائمة في المنطقة، والذي أعلن لتوّه عن عملية انقلاب عسكرية في بلاده.
وللعلم، يعد انقلاب العام الجاري هو الثالث من نوعه في التاريخ السياسي لميانمار. وكان الانقلاب الأول في عام 1962، ثم الثاني في عام 1990، وكان حزب «الاتحاد للتضامن والتنمية» المدعوم من الجيش في البلاد، قد مُني بهزيمة فادحة في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي على أيدي حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» بقيادة أونغ سان سو تشي. وكان الجنرال مين أونغ هلاينغ قاب قوسين أو أدنى من التقاعد، إذ قاربت فترة التمديد لخدمته العسكرية لمدة خمس سنوات، التي حصل عليها في عام 2016، على الانتهاء. أما مينت سوي، وهو القائم الجديد بأعمال الرئيس، فيعدّ من الشخصيات العسكرية المخضرمة، وخدم كقائد عسكري في جنوب شرقي ميانمار. في حين جرى الاستعاضة عن أونغ سان من منصبها كوزيرة للخارجية مع تعيين قيادة الجيش لعشر وزراء جدد في مناصب وزارية متعددة. وأعلنت القناة التلفزيونية الخاضعة لسيطرة الحكومة أن وزير الخارجية الجديد هو وونا مونغ لوين.
هذا، ويأتي الانقلاب العسكري الأخير بعد حملة استمرت لمدة شهر كامل لتشويه سمعة الانتخابات الأخيرة في نوفمبر عام 2020 بناءً على مزاعم واهية لا أساس لها من تزوير الناخبين. وعَكَس الانتصار الانتخابي الثاني على التوالي لحزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» أن الجيش قد عدم وسائل العودة مجدداً إلى السلطة في البلاد عن طريق الانتخابات. وكان رفض الجيش الاعتراف بنتائج الانتخابات الأخيرة المفصل الذي أشعل أزمة سياسية كبيرة في البلاد. إذ رفع الحلفاء العسكريون الشكاوى أمام المحكمة العليا في ميانمار ضد قادة الحكومة المدنية، وهددوا بمقاطعة البرلمان، وطالبوا بإجراء تصويت انتخابي جديد.
لماذا شرع الجيش في تنفيذ الانقلاب؟
تساور الكثيرين الحيرةُ إزاء هذا التساؤل المهم عن السبب الحقيقي لإقدام جيش ميانمار على تنفيذ الانقلاب في الوقت الذي يحظى بنفوذ كبير وواسع في سياسات البلاد؟
وهنا نشير إلى أن دستور عام 2008 في ميانمار ينص على ضمان 25% من مقاعد البرلمان لقادة الجيش، ولا يُسمح بإدخال التعديلات على الدستور من دون حيازة نسبة تأييد برلمانية تبلغ 75% على مثل هذه التعديلات. وهذا الأمر يمنح الجيش –عملياً- سيطرة شبه كاملة على عمليات سَنّ وتشريع القوانين في البلاد، حتى وإن كان بإمكان الممثلين المنتخبين مدنياً اتخاذ بعض القرارات المعنية بالشؤون الخارجية أو المحلية -كما شهدنا خلال السنوات القليلة الماضية في عهد أونغ سان سو تشي.
وحيال ما حدث، يقول المحلل السياسي الهندي أفيناش باليوال: «إن توقيت الانقلاب في ميانمار لا يحتاج إلى تفسير. فلقد جرى الكشف عنه قبل ساعات من الميعاد المقرر لانعقاد البرلمان الجديد. ولو لم يقع الانقلاب لكانت نتائج الانتخابات الأخيرة قد صودق عليها دستورياً. وكانت التوترات قد اندلعت بين حزب (الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية) وبين الجيش منذ انتخابات نوفمبر الماضي. وأظهرت نتائج الانتخابات في عامي 2015 ثم 2020 ارتفاعاً كبيراً في شعبية السيدة أونغ سان في مقابل التدني الملحوظ لشعبية الجيش في البلاد. ثم كانت هناك مطالب مستمرة بتخفيض النسبة البرلمانية المطلوبة لإدخال التعديلات الدستورية، وهو ما عمّق شكوك قيادة الجيش في محاولات أونغ سان سو تشي الرامية إلى تغيير موازين القوى المدنية العسكرية في ميانمار إثر وصولها إلى سدة السلطة للمرة الثانية».
ويتابع باليوال شرحه للوضع قائلاً إن «هذا المزيج الواضح من مخاوف الجيش وطموحات السيدة أونغ سان قد أسفرت عن اندلاع الخلافات بينها وبين المجموعة السياسية المؤيدة للجيش وهي حزب (الاتحاد للتضامن والتنمية). وثارت حالة من القلق المتزايد داخل أروقة الجيش بأنه بات يخاطر بفقدان النفوذ واستقلالية القرار على الكثير من الملفات السياسية ذات الأهمية في ميانمار».
وفي سياق متصل يرى أحد المراقبين السياسيين من نيودلهي -طلب إغفال الإشارة إلى هويته- أنه «في ديمقراطية ميانمار الخاصة، ينطبق الكثير من الشروط. وتدرك السيدة أونغ سان سو تشي إبان ولايتها الثانية للسلطة في البلاد ذلك الأمر تماماً. ولذلك، حال تولي حزبها السلطة على مدار السنوات الخمس الماضية، كانت حريصة كل الحرص على تحاشي استعداء قيادة الجيش. وهكذا، استمر الجنرالات في السيطرة المطلقة على الوزارات السيادية الرئيسية، وهي الدفاع والداخلية وشؤون الحدود. وحتى عندما وقعت عمليات التطهير العرقي ضد طائفة الروهينغا، التزمت أونغ سان -الحائزة على جائزة نوبل للسلام- الصمت المطبق حيالها. ورفضت أن تستفز الجيش في ذلك... ومع هذا كان الجنرالات أبعد ما يكونون عن السعادة بذلك».
فرص نجاح الانقلاب وردود الفعل العالمية
هل من شأن انقلاب الجيش في ميانمار أن يحظى بالنجاح؟ هذا أحد الأسئلة الحتمية المطروحة التي لا محيد عنها.
تقول الكاتبة الصحافية الهندية جيوتو مالهوترا، عن ذلك: «مع أن قيادة الجيش في ميانمار تملك القوة العسكرية الكبيرة، فإن ذلك لا يضمن الانتصار في معركة الشرعية السياسية. ولقد أكدت جولات الانتخابات المحلية المتتالية في البلاد وبصورة كبيرة وغالبة، شعبية السيدة أونغ سان سو تشي، وأن القاعدة السياسية الموالية للجيش ليست واسعة النطاق كما هو مُعتقد. وفي أعقاب عِقد كامل من الانتخابات الديمقراطية والحكم المدني بصفة جزئية في ميانمار، يخاطر الانقلاب العسكري الأخير بإشعال حالة عارمة من الاحتجاجات الجماهيرية في البلاد، تلك التي زعزعت استقرار السياسات في ميانمار في الماضي. غير أن المجلس العسكري قد خطط لذلك منذ فترة طويلة، ومن شأنه الصمود في وجه ردود الفعل الشعبية الغاضبة المتوقعة».
من ناحية أخرى، ما من شك في أن ردود الفعل العالمية كانت سريعة وقاسية، لا سيما مع تولي الولايات المتحدة وأستراليا زمام المبادرة في ذلك من خلال الدعوة الصريحة إلى إطلاق سراح المعتقلين واحترام نتائج الانتخابات الأخيرة في عام 2020.
ولقد أعرب أنطونيو غوتيريش، الأمن العام لمنظمة الأمم المتحدة، عن إدانته البالغة لإقدام الجيش على اعتقال القادة المدنيين المنتخبين في ميانمار. كذلك، وصفت وسائل الإعلام الأوضاع في ميانمار بأنها تعد أول اختبار رئيسي في السياسات الخارجية لفريق الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن. وللأمر خلفيته المعروفة في أوقات أكبر الإنجازات الماضية لإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما. وكان الرئيس أوباما قد قام بزيارة ميانمار في عام 2012، تلك الزيارة التي تزامنت مع الانفتاح الديمقراطي الجديد في البلاد، بتشجيع واضح من الولايات المتحدة، ومع تكثيف العلاقات المشتركة مع الكثير من البلدان الديمقراطية الغربية، وتراجُع حالة النفوذ الخانقة للصين في المقابل.
وبعدما كانت الحكومة الأميركية قد رفعت العقوبات المفروضة على ميانمار خلال العقد الماضي إثر التقدم الذي أحرزته الحكومة هناك على مسار الديمقراطية، قال الرئيس بايدن في بيانه الأخير عن الوضع: «إن عكس هذا التقدم سيستلزم من جانبنا إعادة النظر بصفة فورية في قوانين وصلاحيات العقوبات لدينا، ومن شأن ذلك أن يتبعه اتخاذ الإجراء المناسب». وحقاً، ترددت أصداء تعليقاته على نطاق كبير لدى البلدان الديمقراطية الأخرى وإن كانت ببعض التغييرات. كما اتّسقت تلك التعليقات إلى درجة كبيرة مع تعهد الإدارة الأميركية بتأكيد المسار الديمقراطي لا سيما بعد الاضطرابات السياسية التي شهدتها سنوات حكم الرئيس السابق دونالد ترمب.

الصين في {مأزق} بعد انقلاب الجيش في ميانمار
> من المثير للاهتمام أن الحكومة الصينية قد أحجمت حتى الآن عن التعرض بالانتقاد أو التأييد لانقلاب ميانمار العسكري الأخير، لا سيما مع وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الحكومة التي تصف الانقلاب في ميانمار بأنه «تعديل وزاري واسع النطاق». كذلك فضّلت الحكومة الصينية التزام الصمت التام، مع الإشارة إلى أن ميانمار هي آخر البلدان التي قام الرئيس الصيني بزيارتها في عام 2020.
وهنا، يقول الخبراء المعنيون بالأمر إن ميانمار تملك أهمية خاصة بالنسبة إلى الخطط الجيو - استراتيجية لدى الصين. وسوف يكون من المثير للاهتمام في الفترة المقبلة أن نشهد مسار استجابة الصين إزاء تداعيات الموقف في الأيام القليلة المقبلة. وفي اتجاه موازٍ، من شأن الانقلاب الأخير أن يضع الصين في مأزق سياسي بالنظر إلى حقيقة دفء العلاقات بين الحكومة الصينية وأونغ سان سوتشي خلال السنوات الأخيرة رغم محافظة بكين على علاقاتها الوثيقة والقوية مع جيش ميانمار.
ثم قد يكون من المفيد النظر إلى حقيقة المصالح التجارية الكبيرة لدى الصين. فهناك اعتبارات «مبادرة الحزام والطريق» في ميانمار، والدعم الصيني المستمر لإجبار ميانمار على تسوية أزمة طائفة الروهينغا بصورة إنسانية في المناطق الحدودية المتاخمة، مع ترسيخ القوى الديمقراطية في البلاد، تلك التي تحظى بعلاقات ودّية جيدة مع الحكومة الصينية. فهل من شأن الصين، على سبيل المثال، الاستعانة بحق النقض «الفيتو» ضد انتقاد الانقلاب العسكري في مجلس الأمن الدولي؟ إنْ أقدمت الصين على فعل ذلك، فقد يكون ذلك خطوة جديدة على طريق التشدد الآيديولوجي ضد الديمقراطية من بكين، وليس فقط في الداخل وإنما بين جيرانها في الخارج كذلك.
أما فيما يخص العملاقين الآسيويين الآخرين، الهند واليابان، فإنهما التزمتا الصمت التام إزاء انتقاد الانقلاب في ميانمار. إذ اكتفت نيودلهي بالإعراب عن قلقها العميق، وأعلنت طوكيو أنه «من المهم للأطراف المعنية حل المشكلات سلمياً من خلال الحوار وفقاً للعملية الديمقراطية». وراهناً، تراقب نيودلهي بعناية وعن كثب مستجدات الأوضاع في ميانمار، ولقد رفضت الانجرار إلى تأييد فريق الجيش أو فريق أونغ سان المناوئ له. ولا يرمز شيء إلى ذلك الموقف أكثر من الزيارة المشتركة التي قام بها وزير الخارجية الهندي رفقة قائد الجيش الهندي إلى ميانمار، فلقد كانت زيارة استثنائية، وكانت لها أهداف ونتائج غير اعتيادية. ومعلومٌ أن التواصل العسكري والدبلوماسي الهندي إزاء ميانمار يشكل الركن الأساسي في سياسة «التوجه شرقاً» المعتمدة لديها. وفي أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، سلّمت حكومة ميانمار 22 متمرداً هندياً لسلطات نيودلهي ممن كانوا يثيرون المشكلات عبر الحدود. غير أن العلاقات الثنائية بين البلدين تعززت بالفعل اعتباراً من عام 2015 في أعقاب اللجنة الثنائية المشتركة التي أسفرت عن اتخاذ الهند قرارها بزيادة المبيعات العسكرية إلى ميانمار.
وهنا يعلِّق الصحافي الهندي البارز مانيش شيبار، قائلاً: «يمكن تفسير الاستجابات الهادئة من جانب الهند واليابان بأنها إحجام عن استعداء أي جانب يسيطر على السلطة في ميانمار، نظراً لأن مثل هذه الخطوة ستدفع ميانمار مجدداً إلى أيدي المنافس الكبير المشترك على النفوذ هناك، ألا وهي الصين».
وأما بالنسبة لدول المنطقة الأخرى، فقد اتسمت بيانات البلدان المشاركة لميانمار في «رابطة دول جنوب شرقي آسيا - آسيان» بالحذر الشديد. فلقد حثت سنغافورة وإندونيسيا الأطراف كافة على ضبط النفس، ورأت كمبوديا الانقلاب الأخير «شأناً داخلياً» في ميانمار، ودعت ماليزيا الجيش ومختلف الأطراف المعنية في ميانمار إلى «منح الأولوية القصوى إلى الحفاظ على السلام والأمن» في البلاد.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.