الديمقراطيون يطالبون ترمب بالإدلاء بإفادته تحت القسم

الجمهوريون يسعون لحل خلافاتهم الداخلية ويعتبرونها «مشكلات عائلية»

TT

الديمقراطيون يطالبون ترمب بالإدلاء بإفادته تحت القسم

طلب فريق الادعاء في محاكمة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في مجلس الشيوخ، مثول ترمب شخصياً أمام المجلس للإدلاء بإفادته خلال محاكمته تحت القسم. وأرسل الفريق المؤلف من 9 ديمقراطيين، رسالة إلى ترمب وفريق الدفاع عنه تقول: «لقد نفيت في ردّك الرسمي على الاتهامات الموجهة ضدك كثيراً من الادعاءات المبنية على وقائع فعلية في بند العزل. بناء عليه، ندعوك للإدلاء بإفادتك تحت قسم اليمين، إما قبل محاكمة العزل في مجلس الشيوخ أو خلالها، وذلك للحديث عن تصرفاتك في 6 يناير (كانون الثاني) 2021». ولم يتبين حتى الساعة ما إذا كان ترمب أو فريقه الدفاعي سيتجاوبون مع هذه المطالب، علماً أنه غير ملزم بالاستجابة لها.
على صعيد متصل، نجت النائبة الجمهورية ليز تشيني من مساعي مناصري ترمب للإطاحة بها من منصبها القيادي في الحزب الجمهوري. وتمكنت تشيني، وهي الجمهورية الثالثة من حيث التراتبية في مجلس النواب، من هزيمة محاولات معارضيها لتحييدها عن منصبها بسبب تصويتها لصالح عزل ترمب في مجلس النواب. وحصدت تشيني دعم 145 جمهورياً، مقابل 61 معارضاً لها من حزبها، في تصويت سري عقده أعضاء الحزب في جلسة مغلقة للبتّ في مصيرها.
ورغم الفوز الذي حققته النائبة المخضرمة، والتي تعد من قاعدة الحزب التقليدية، فإن النقاش المحتدم الذي طغى على الجلسة المغلقة، سلط الضوء على المشكلة الفعلية التي تواجه الحزب الجمهوري والانقسامات الكبيرة التي انعكست على صفوفه، خاصة في مجلس النواب.
فقد انقسم الجمهوريون في المجلس بين معارض لترمب وموالٍ له، في وقت يحاول فيه زعيم الحزب في مجلس النواب كيفين مكارثي رأب الصدع وإعادة رصّ الصف للتركيز على أجندة الحزب. وقال مكارثي، الذي حاول جاهداً السيطرة على التضارب الجمهوري العلني: «لقد تطرقنا إلى المسألة كعائلة، وتعاملنا معها كفريق وصوّتنا لإبقاء الفريق متحداً، وأصبح فريقنا أقوى. لأننا رغم التذمر العلني، أثبتنا الليلة أننا متحدون».
تصريح يحاول من خلاله مكارثي إظهار وحدة الصف الجمهوري الذي يعاني مؤخراً من تجاذبات داخلية بين أفراده. وهو عمل جاهداً لحماية وجوه الحزب التقليدية مثل تشيني، والوجوه الجديدة كمارجوري غرين النائبة عن ولاية جورجيا التي دعا الديمقراطيون لتجريدها من مناصبها في اللجان المختصة في الكونغرس، بسبب مواقفها الداعمة لنظريات المؤامرة.
وقال مكارثي إن «التصريحات السابقة التي دعمتها مارجوري تايلور غرين والمتعلقة بإطلاق النار في المدارس والعنف السياسي والنظريات المعادية للسامية، لا تمثل قيم الحزب الجمهوري في مجلس النواب ولا مبادئه».
وتطرق الجمهوريون إلى قضية غرين في الاجتماع المغلق نفسه، فقرروا حمايتها رغم مواقفها، معتبرين أنها أعربت عن هذه المواقف قبل وصولها إلى الكونغرس. وأوضح مكارثي: «إذا بدأنا بالحكم على أعضاء الكونغرس بناء على تصريحات أدلوا بها قبل وصولهم إلى هنا، فسيكون من الصعب على الديمقراطيين تعيين أي شخص في اللجان».
لكن الديمقراطيين مصرّون على اتخاذ موقف حاسم في هذا الإطار، رغم المخاطرة السياسية الواضحة من خلال التصرف أحادياً في قضايا من هذا النوع. فتحدت الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب قرار الجمهوريين، وصوتت لتجريد غرين من مناصبها في لجنتي التعليم والموازنة. وقد أمل الديمقراطيون في أن يأتي قرار معاقبة غرين من الجمهوريين، فهم يعلمون أن تصويتهم لتوبيخ نائب عن الحزب الآخر سيفتح أبواباً لتكرار السيناريو إذا ما تسلم الجمهوريون الأغلبية في النواب في المستقبل.
وقد بدت بوادر ذلك واضحة عندما تقدم النائب الجمهوري براين بابين بطرح يسعى إلى تجريد الديمقراطية إلهان عمر من منصبها في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، بسبب تصريحاتها المثيرة للجدل في العام 2019 عندما قالت إن دعم المشرعين لإسرائيل نابع عن الدعم المالي الذي تقدمه مجموعات الضغط التابعة لإسرائيل لهم. وقالت عمر رداً على هذه المحاولات: «سيقوم الجمهوريون بأي شيء للتهرب من مسؤوليتهم في السماح لأعضاء من حزبهم بالترويج للعنف».
ومما لا شك فيه أن موقف الجمهوريين في مجلس النواب الرافض للتصدي لغرين أعطاها الغطاء اللازم لتصعيد هجماتها على الديمقراطيين. فقالت: «مهما يفعل زعيم الجمهوريين كيفين مكارثي، فهو لن يكون كافياً لإرضاء الديمقراطيين الذين يكرهون أميركا». وأعلنت النائبة الجمهورية الداعمة للرئيس السابق دونالد ترمب أنها تمكنت يوم الثلاثاء من جمع أكثر من 160 ألف دولار من التبرعات بعد انتقاد الديمقراطيين والجمهوريين في مجلس الشيوخ لها، وذلك في دليل على دعم قاعدتها الشعبية لها رغم تصريحاتها السابقة الموالية لمنظمة «كيو أنون»، والتي أشارت فيها إلى أن حوادث إطلاق النار على المدارس مفبركة، وشككت بهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، وغيرها من المواقف المثيرة للجدل.
وقد اعتذرت غرين لزملائها الجمهوريين في الاجتماع المغلق، وقالت إنها تعتبر أن حوادث إطلاق النار في المدارس حقيقية ومروعة، واستقبل بعض الجمهوريين تصريحاتها هذه بالتصفيق ترحيباً باعتذارها.
تأتي هذه التجاذبات الداخلية في وقت صادقت فيه لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ على تعيين ليندا توماس - غرينفيلد مندوبة للأمم المتحدة. وصوّتت اللجنة بدعم 18 عضواً ومعارضة 4 فقط للمصادقة على غرينفيلد، وتم إرسال التعيين إلى مجلس الشيوخ الذي يتوقع أن يصوّت عليها لتستلم منصبها رسمياً في إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».