«لقاء سري» بين مبعوث بوتين والأسد تناول ترتيبات سياسية وعسكرية

لافرينتييف و«جنرالات كبار» زاروا العاصمة السورية قبل التوجه إلى جنيف

لافرينتييف مع الأسد في دمشق في أكتوبر الماضي (الرئاسة السورية)
لافرينتييف مع الأسد في دمشق في أكتوبر الماضي (الرئاسة السورية)
TT

«لقاء سري» بين مبعوث بوتين والأسد تناول ترتيبات سياسية وعسكرية

لافرينتييف مع الأسد في دمشق في أكتوبر الماضي (الرئاسة السورية)
لافرينتييف مع الأسد في دمشق في أكتوبر الماضي (الرئاسة السورية)

المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف، الذي يتردد على دمشق كثيراً، قام و«جنرالات كبار» بزيارة سرية إلى العاصمة السورية نهاية الأسبوع الماضي، والتقى الرئيس بشار الأسد. فلماذا لم تعلن موسكو ودمشق عن هذه الزيارة؟
حسب المعلومات المتوفرة، السبب المباشر كان له علاقة بانعقاد اجتماع اللجنة السورية في جنيف وكيفية ترميم الفجوة بين دمشق وموسكو. والسبب الأعمق، له علاقة بثبات تفاهمات إدلب وتعزيزها بترتيبات ميدانية لوقف التدهور العسكري جنوب سوريا وشمالها الشرقي، خصوصاً مع تسلم إدارة الرئيس جو بايدن وقرب «استحقاق» الانتخابات الرئاسية السورية منتصف العام، الذي تدعمه روسيا وتريده «منعطفاً» بعلاقة دمشق والخارج.

تطابق «الضامنين»
بعد لقائه الأسد في دمشق، توجه لافرينتييف إلى جنيف لمتابعة أعمال «الدستورية» ولقاء الطرفين الآخرين لـ«ضامني» آستانة، والمبعوث الأممي غير بيدرسن. كان لافتاً «مدى التطابق» بين «الضامنين» الثلاثة، روسيا وإيران وتركيا، خلال اجتماعهم في جنيف. تقييم المتحدثين الثلاثة لأعمال «الدستورية» كان واحداً، مفاده ضرورة الاستمرار في عملها رغم البطء وعدم تحقيق اختراق، وضرورة التمسك بـ«هذا الإنجاز السياسي» ورفض فرض أي برنامج زمني من الخارج على هذه «العملية، وهي ملكية سورية وبقيادة سورية». ليس جديداً التقارب بين روسيا وتركيا، لكن الجديد كان قرب التقييم التركي من قراءتهما. الاعتقاد السائد لدى دبلوماسيين غربين، أن الفجوة تضيق بين الأطراف الثلاثة مع تسلم الرئيس بايدن وقناعتهم أن فريقه داعم لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي بقيادة «وحدات حماية الشعب» الكردية.
قبل اجتماع «الضامنين» الثلاثة، حصل كل طرف على قراءة لنتائج الجولة الخامسة لـ«الدستورية». 5 أيام، كانت أشبه بـ«ندوة ثقافية» بين نشطاء وخبراء ومحللين، و«ليس تفاوضاً سياسياً». وفد الحكومة، كان يقول إنه «قبل الدخول في صياغة الدستور» لا بد من إجراء مزيد من «النقاش والإعداد» حول السيادة وحدودها والرموز الوطنية والعروبة وعلمانية الدولة واللامركزية الإدارية والموقف من «الاحتلالين التركي والأميركي». رئيسه أحمد الكزبري قدّم ورقة خطية بهذا المعنى هي نسخة مختصرة من ورقة قدّمها بالدورة السابقة. وفد «هيئة التفاوض» المعارضة، الذي فقد ممثلي «منصتي» القاهرة وموسكو، كان مستعداً للدخول في صياغة مبادئ الدستور والاتفاق على آليات العمل للجولات المقبلة. ورئيسه هادي البحرة، قدّم ورقة لـهذه «المبادئ».
المبعوث الأممي غير بيدرسن كان يراقب هذا الخلاف، ونقله إلى «الضامنين». لأول مرة اقترب بيدرسن، المعروف باختيار كلماته بدقة، من تحميل وفد الحكومة مسؤولة الفشل. قال علناً إنه أصيب بـ«خيبة» وإن الكزبري لم يقبل مقترحات البحرة. وكان لافتاً أن بيدرسن لم يعلن في ختام الجولة الخامسة موعد الجولة المقبلة بداية مارس (آذار)، لأنه يريد «ممارسة بعض الضغط» على موسكو ودمشق للوصول إلى «صفقة كاملة»، تتضمن موعد الجولة المقبلة، وآليات العمل وصياغة الدستور، وآلية التنسيق بين الكزبري والبحرة.

ترتيبات عسكرية
لافرينتييف، القادم من دمشق ولقاء الأسد، كان يتابع الفجوة السورية والتقارب الثلاثي. يعرف أن فرنسا تدفع لإعلان وفاة «اللجنة الدستورية». يعرف أن إدارة بادين ستدفع لـ«شرعنة سياسية» لحلفائها الأكراد، هو يعرف أن ضغوطاً تمارس على بيدرسن لفتح بوابات أخرى لتنفيذ القرار 2254. كان يتوقع أن «تلعب دمشق شكلياً بطريقة أفضل»، وكان هذا أحد أسباب زيارته لدمشق. لكن أغلب الظن، هناك أسباب أخرى يريدها الجيش الروسي وجنرالاته، تخص أموراً ميدانية.
خطوط التماس ثابتة في إدلب بفضل تفاهمات موسكو وأنقرة، لكن هناك 3 ملفات ميدانية ساخنة حالياً؛ درعا، السويداء، الحسكة. بالنسبة إلى الملف الأول، الخاص بالوضع في غرب درعا، سعى ضباط قاعدة حميميم بالتوسط بين «لجنة التفاوض» المحلية و«الفرقة الرابعة» بقيادة اللواء ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري، للوصول إلى صيغة تحول دون اقتحام عسكري لطفس. جرت جولات وتأجلت المهلة برعاية روسية للوصول إلى صيغة في منطقة تخص التفاهمات الأميركية - الروسية التي وافقت عليها إسرائيل في منتصف 2018. تفاهمات ساهم مسؤولون في إدارة باراك أوباما بصوغها والتمهيد لها، هم الآن في إدارة بايدن.
يتعلق الملف الثاني بالوضع في السويداء. ليست المرة الأولى التي يحصل توتر في هذه المحافظة ذات الغالبية الدرزية. لكن اللافت هذه المرة هو خروجه إلى العلن بالتفاصيل، تسريبات من أن رئيس فرع الأمن العسكري العميد لؤي العلي «وجّه إساءات» للزعيم الروحي للدروز بهجت الهجري. وتسريبات أخرى حول مطالبة الأخير بـ«اعتذار رسمي» وإقالة العلي، وعدم اكتفائه باعتذارات من مسؤولين محليين. اللافت، هو تسريب حصول اتصال بين الأسد والهجري. لم يعلن الخبر رسمياً من دمشق، لكن مواقع تواصل اجتماعي موالية لدمشق، أعلنت مساء الأحد، أن «السيد الرئيس اطمأن على صحة سماحة الشيخ الهجري، وأكد على اللحمة الوطنية وأن المسيء لا يمثل إلا نفسه». وأشارت إلى «إقالة العلي وتكليف العميد أيمن محمد بدلاً منه».
لم تعلن هذه التفاصيل رسمياً، لكن مصادر محلية في السويداء أشارت إلى بعد أوسع من التفصيل المحلي. هناك اعتقاد أن «مرونة دمشق وتظهير التوتر، جاءا بجهد روسي، يرمي إلى استمالة أهالي السويداء وفصائلها المحلية لإبعادهم عن إيران و(حزب الله) اللذين يعملان على الانتشار في أطراف المدينة». وهناك اعتقاد دبلوماسي، أن هذا يمس الصورة الأوسع الخاص بالعلاقة بين واشنطن وموسكو وتل أبيب والملف الإيراني.
أما الملف الميداني الثالث، فيخص التوتر شمالاً. قوات «الإدارة الذاتية» تحاصر «المربع الأمني» التابع لدمشق بالحسكة. قوات الحكومة ترد بمحاصرة جيوب الطرف الآخر في حلب، وخطوط في القامشلي. ضباط قاعدة حميميم، أيضاً، دخلوا على الخط. حققوا بعض الاختراقات التي تخص تبادل إطلاق موقوفين من «قسد» وقوات الحكومة، لكن الاستعصاء لا يزال قائماً لأنه يخص الصورة الأوسع، العلاقة بين موسكو وواشنطن وأنقرة، بعد وصول بايدن الذي يضم فريقه مغرومين بالأكراد، ومجروحين من روسيا، ومشككين بتركيا.
حسب اعتقاد مسؤولين غربين، هذه العناصر هي على الطاولة السورية - الروسية، وبعضها بحث خلال زيارة لافرينتييف، في وقت ظهرت أصوات أميركية تدعو لـ«انخراط مشروط» عبر مقاربة «خطوة من دمشق مقابل خطوة من واشنطن». دمشق التي تسعد للانتخابات الرئاسية تواصل تصعيد الخطاب ضد «قسد» من جهة، وضد العقوبات الغربية من جهة ثانية، وترمم علاقتها مع «حلفائها القدامى» من جهة ثالثة؛ حيث لوحظ إعلانها لتفاصيل اتصال وزير الخارجية فيصل المقداد بنظيره الصيني وانغ يي، و«إدانة الإجراءات الاقتصادية القسرية المفروضة بشكل غير شرعي».



مشروع سعودي يحسّن خدمات الصحة في 15 محافظة يمنية

دعم سعودي استفاد منه أكثر من 414 ألف شخص في اليمن (الأمم المتحدة)
دعم سعودي استفاد منه أكثر من 414 ألف شخص في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

مشروع سعودي يحسّن خدمات الصحة في 15 محافظة يمنية

دعم سعودي استفاد منه أكثر من 414 ألف شخص في اليمن (الأمم المتحدة)
دعم سعودي استفاد منه أكثر من 414 ألف شخص في اليمن (الأمم المتحدة)

أسهم مشروع نفذته منظمة الصحة العالمية بدعم من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في تحسين خدمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية داخل عشرات المرافق الطبية في 15 محافظة يمنية، في خطوة عززت قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية الصحية في ظل استمرار النزوح، وتفشي الأمراض، وشح المياه، واستفاد منه أكثر من 414 ألف شخص من الفئات الأكثر احتياجاً.

وقالت المنظمة إن المشروع أسهم في رفع مستوى خدمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية، وتعزيز إجراءات الوقاية من العدوى، ومكافحتها، وتحسين البيئة الصحية في المرافق الطبية الواقعة بالمناطق الأكثر هشاشة، بما انعكس على جودة الخدمات المقدمة للمرضى، والعاملين الصحيين.

ووفقاً لبيان صادر عن مكتب منظمة الصحة العالمية في اليمن، تجاوز عدد المستفيدين المباشرين من المشروع 414 ألف شخص، بزيادة بلغت 40 في المائة عن الهدف الأصلي، وهو ما عدّته المنظمة مؤشراً على اتساع أثر التدخل الإنساني في دعم القطاع الصحي.

مشروع سعودي لتعزيز الصحة في عشرات المستشفيات اليمنية (الأمم المتحدة)

وأضافت أن المشروع وفر نحو 49.04 مليون لتر من المياه النظيفة لـ59 مستشفى تعاني نقصاً في الإمدادات المائية، الأمر الذي ساعد في ضمان استمرارية تقديم الخدمات الصحية الأساسية لليمنيين، والحد من تعطل الرعاية الطبية، كما دعم تنفيذ أكثر من 812 ألف استشارة طبية، وحالة تنويم، عبر تحسين الوصول إلى المياه النظيفة، ورفع مستوى خدمات النظافة داخل تلك المرافق.

وأوضحت المنظمة أنها أنجزت أيضاً تقييمات فنية لحلول مستدامة لإمدادات المياه في عشرة مستشفيات، تمهيداً لتنفيذ استثمارات مستقبلية تستهدف إنشاء بنية تحتية أكثر قدرة على مواجهة التحديات.

تعزيز الوقاية من العدوى

أكدت منظمة الصحة العالمية أن المشروع السعودي أسهم في تطوير أنظمة مراقبة جودة المياه عبر الاختبارات الدورية، والإجراءات التصحيحية، بما ساعد المستشفيات على الحفاظ على إمدادات أكثر أماناً، وتقليل المخاطر الصحية.

كما تلقى 72 من الكوادر الصحية تدريباً متخصصاً في تطبيق برامج المياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية، ومراقبة جودة المياه، وتشغيل وصيانة الأنظمة المائية، بما يعزز القدرات المحلية، ويضمن استدامة التحسينات بعد انتهاء المشروع.

وشملت الأعمال إعادة تأهيل شبكات المياه، والصرف الصحي، ومرافق النظافة في مستشفى محافظة مأرب، ومستشفى متنة بمحافظة صنعاء، حيث أسهمت هذه التدخلات في تحسين شبكات المياه، والبنية التحتية للصرف الصحي، ومرافق غسل اليدين، ورفع مستوى البيئة الصحية داخل المستشفيين.

وقالت المنظمة إن هذه التحسينات عززت سلامة المرضى والعاملين في اليمن، وأسهمت في دعم ممارسات الوقاية من العدوى، ومكافحتها، وهو ما ينعكس على جودة الخدمات الصحية، واستمراريتها.

وأكد ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن، سيد جعفر حسين، أن الحصول على المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والنظافة الصحية يمثل ركناً أساسياً لتقديم رعاية صحية آمنة، وعالية الجودة.

وأضاف أن الشراكة مع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية أسهمت في تحسين بيئات الرعاية الصحية، وحماية المرضى والعاملين، وضمان استمرار حصول المجتمعات الأكثر ضعفاً على الخدمات الصحية الأساسية، مؤكداً أن آثار هذه الاستثمارات ستستمر لفترة طويلة بعد انتهاء المشروع.

وأشادت المنظمة بالدور الذي يضطلع به مركز الملك سلمان في دعم القطاع الصحي اليمني، وقالت إن إسهاماته كان لها أثر محوري في تعزيز قدرة المرافق الصحية على الصمود، والاستجابة للاحتياجات العاجلة في مجالات المياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية.

وأضافت أن الشراكة الممتدة بين المنظمة والمركز أسهمت في تحسين النتائج الصحية، وتعزيز قدرات النظام الصحي، وتوسيع نطاق الخدمات المقدمة للفئات الأكثر ضعفاً في مختلف أنحاء اليمن.

تعاون لدعم النظام الصحي

في سياق آخر، بحث وزير الصحة اليمني، قاسم بحيبح، مع مدير البرامج في المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط وشمال أفريقيا، أدهم إسماعيل، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجالات الدعم الفني، وإعادة هيكلة القطاع الصحي، وبناء نظام صحي أكثر كفاءة، واستدامة.

وتناول اللقاء آليات تنفيذ البرامج الصحية في ضوء المتغيرات التي يشهدها التمويل الخارجي، وتحديد الأنشطة ذات الأولوية، بما يضمن رفع كفاءة التدخلات، وتحقيق أفضل استفادة من الموارد المتاحة، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات الصحية الأساسية.

التزام أممي بدعم هيكلة وتحسين القطاع الصحي في اليمن (إعلام حكومي)

وأكد بحيبح أن الوزارة تمضي وفق رؤية استراتيجية تستهدف بناء نظام صحي أكثر كفاءة، واستدامة، ويرتكز على تعزيز الدعم الفني المؤسسي، وتوجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية، بما يسهم في تحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

وأشار الوزير اليمني إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة ترتيب الأولويات، وتطوير آليات العمل، وتوحيد الوظائف والمهام المتشابهة، بما يحقق أعلى درجات الكفاءة، مشدداً على أهمية مواءمة تدخلات الشركاء مع استراتيجية الوزارة، والتركيز على بناء القدرات، وتعزيز المؤسسات الصحية، وإيجاد حلول مستدامة للتحديات التي تواجه القطاع.


استنفار حوثي لاحتواء الحراك القبلي المناهض بالجوف

وصول وفد قبلي إلى موقع النكف القبلي في الجوف لمواجهة الحوثيين (إكس)
وصول وفد قبلي إلى موقع النكف القبلي في الجوف لمواجهة الحوثيين (إكس)
TT

استنفار حوثي لاحتواء الحراك القبلي المناهض بالجوف

وصول وفد قبلي إلى موقع النكف القبلي في الجوف لمواجهة الحوثيين (إكس)
وصول وفد قبلي إلى موقع النكف القبلي في الجوف لمواجهة الحوثيين (إكس)

استنفرت الجماعة الحوثية لمواجهة تصاعد الحراك القبلي المناهض في محافظة الجوف (شمال شرقي صنعاء)، من خلال إطلاق حملة واسعة لحشد السكان والقبائل، بالتوازي مع مساعٍ لفرض التعبئة وضمان الولاء، في تحركات تعكس قلقاً متزايداً من اتساع التأييد القبلي للتحركات المناهضة لها.

وذكرت مصادر مطلعة في العاصمة اليمنية صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط»، أن قادة ومشرفين تابعين للجماعة بدأوا منذ أيام حشد السكان لمواجهة «النكف القبلي» (تداعي القبائل) في محافظة الجوف تحت مزاعم مواجهة الخيانة والعمالة، وعقدوا لقاءات موسعة في مختلف الأحياء طلبوا فيها من الأهالي إثبات ولائهم بالمشاركة في التحركات الأمنية والاستعدادات العسكرية.

وسبق هذه اللقاءات الموسعة جهود حثيثة جرى فيها عقد اجتماعات مع مسؤولي الأحياء المعروفين بـ«عقال الحارات»، حيث تمت مطالبتهم بالاستعداد لأنشطة موسعة من أجل حشد المقاتلين وجمع التبرعات، محذرين إياهم من التهاون في ذلك؛ نظراً لخطورة التصعيد في الجوف، والذي قد يتسبب حتى بانقطاع المواد والسلع الأساسية، حسب مزاعم قادة الجماعة.

سعي حوثي لاحتواء أبناء القبائل ومنعهم من المشاركة في الحشد القبلي المناهض (غيتي)

وكشفت المصادر عن أن الجماعة استقدمت المشايخ القبليين من محيط صنعاء، وطلبت منهم دعوة أبناء قبائلهم المقيمين فيها لحضور لقاءات تحت إشراف قادة حوثيين لدعوتهم للانضمام إلى «النكف القبلي» المضاد لـ«النكف» في الجوف، وتحذيرهم من الاستجابة لأي دعوات لمساندة الشيخ حمد بن فدغم الحزمي.

وطلب المشايخ - وفق المصادر- من أبناء قبائلهم الاستجابة للقادة والمشرفين الحوثيين وأخذ التعليمات منهم، والالتزام بالتوجيهات التي تصدر عن جهات تابعة للجماعة، وعدم الالتفات إلى أي دعوات أخرى من أي جهة أو قبيلة للمشاركة في نكف الجوف.

ومنذ أسبوعين يحتشد في منطقة الريان بمحافظة الجوف، الآلاف من أبناء القبائل التي قدمت من محافظات ومناطق يمنية عدة، بعد دعوة للشيخ القبلي حمد بن فدغم الحزمي لما يُعرف بـ«النكف القبلي»، طالباً مناصرته بعد تعرضه للاعتقال والإهانة في سجون الحوثيين بسبب مناصرته إحدى النساء.

وأُلزم المشايخ - حسب المصادر- بتنبيه أبناء قبائلهم بأن أي مخالفة للتوجيهات أو استجابة لأي دعوات لمساندة تحركات أو أنشطة مناهضة للجماعة لن تكون محمودة العواقب، وأنهم لن يتدخلوا لحمايتهم من أي إجراءات أمنية تتخذ ضد المخالفين، أو التوسط للإفراج عنهم في حال تم اعتقالهم.

وذكرت المصادر، أنه جرى خلال جميع اللقاءات الاستماع لعدد من خطابات زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، خصوصاً تلك التي يحذّر فيها من التمرد.

تشديد الرقابة

يُعد «النكف القبلي» أحد أبرز وأعرق الأعراف غير المكتوبة السائدة بين القبائل في اليمن، ويمثل آلية دفاعية وتعبوية شاملة يتم اللجوء إليها لإعلان الاستنفار العام نصرةً للمظلوم، أو الدفاع عن الممتلكات والأشخاص، ومواجهة ما يعرف بـ«العيب الأسود»، وهو صفة للجرائم أو الأفعال الشائنة التي تُعد انتهاكاً خطيراً للقيم والنخوة.

حشد قبائل موالية للحوثيين لمواجهة احتشاد القبائل المناهض في الجوف (إعلام حوثي)

وكشفت مصادر أخرى لـ«الشرق الأوسط» عن أن أبناء محافظتي الجوف ومأرب المقيمين في صنعاء يتعرضون لرقابة أمنية مشددة، إلى جانب شخصيات اجتماعية قبلية أو مدنية وأعيان من مختلف محافظات البلاد مقيمين في صنعاء، تحسباً لأي أنشطة أو تحركات مساندة للحراك القبلي في الجوف.

وبيَّنت المصادر أن قادة حوثيين التقوا عدداً من الشخصيات الاجتماعية التي تنتمي إلى محافظات خارج سيطرة الجماعة للاستفسار عن مواقفهم ومواقف أهالي مناطقهم من النكف القبلي في الجوف.

وكثف قادة الجماعة من لقاءاتهم بالأعيان الذين ينتمون إلى قبائل، من خارج مناطق سيطرتهم، شاركت في نكف الجوف، وطلبوا منهم موافاة الأجهزة الأمنية التابعة للجماعة بكل مع يعرفونه عن المشاركين في الفعالية القبلية المساندة للشيخ الحزمي.

قلق حوثي متزايد بسبب اتساع رقعة التمرد على الجماعة في أوساط القبائل (إ.ب.أ)

وتشير المصادر إلى أن الشخصيات القبلية والأعيان التي اعتذرت عن المشاركة في العملية التعبوية الحوثية بعذر عدم قدرتها على التأثير في أوساط قبائلها، وُضعت تحت إجراءات تشبه الإقامة الجبرية.

استهداف بيئة «النكف»

تنظم الجماعة الحوثية، في عدد من المحافظات الخاضعة لسيطرتها فعاليات تعبوية تحت مسمى «النكف القبلي» المضاد لـ«نكف الكرامة» الذي دعا إليه الشيخ الحزمي، والذي تطلق عليه مسمى «فتنة فدغم» للتحريض ضده.

وركزت الجماعة جهودها في التعبئة على مناطق سيطرتها في محافظتي الجوف ومأرب المتجاورتين؛ نظراً لانتماء الحزمي إلى هذه البيئة القبلية، في مساعِ لتفكيك التماسك القبلي هناك، وضرب التكتل القبلي المناهض لها من الداخل.

الجماعة الحوثية فرضت على القبائل سياسات مغايرة للأعراف المتوارثة (أ.ب)

ويعدّ الشيخ الحزمي شخصية جدلية عاشت الكثير من التناقضات في مواقفها خلال السنوات الماضية، فبعد تأييده الحكومة الشرعية وقيادة آلاف المقاتلين ضد الجماعة الحوثية، بدّل موقفه وأعلن ولاءه للحوثيين وسلمهم ما بحوزته من أسلحة وعتاد.

ومنذ أشهر بدأ الحزمي احتجاجاً قبلياً سلمياً لمناصرة امرأة تدعي أنها ذات نسب بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، استولى قادة حوثيون على منزل لها في العاصمة المختطفة صنعاء.

ويتهم الحزمي قادة حوثيين ونافذين موالين لهم، وعلى رأسهم فارس مناع تاجر السلاح الشهير، باستدراجه إلى صنعاء لحل القضية ودياً، قبل أن يجري اعتقاله وإهانته رفقة المرأة التي ناصرها، وإلزامه بالتراجع عن موقفه والتعهد بعدم تكراره. وبعد الإفراج المشروط عنه، لجأ الحزمي إلى قبيلته وأطلق دعوة لمناصرته وإنصاف المرأة التي لجأت إليه.

وأكّدت المصادر أن القيادي أبو علي الحاكم والشيخ القبلي ناجي الشائف ترأسا اجتماعاً كبيراً عُقِد، الثلاثاء الماضي، في فندق قصر اليمامة، شمال المدينة، تحت مسميي "النكف القبلي" و"التعبئة العامة"، بهدف حشد القبائل التي لم تناصر الشيخ الحزمي.

ورغم أن الدعوة التي وُجهت لزعماء ووجهاء القبائل تضمنت تحذيرات من عدم تحديد موقف منها، وأن عدم المشاركة في الاجتماع تعني انحيازاً للشيخ الحزمي، إلا أن الكثير من قبائل محافظة الجوف ومديريتي همدان (شمال غرب صنعاء) وأرحب (شمال شرق)، رفضت المشاركة في الاجتماع.

وبررت القبائل رفضها الحضور والمشاركة في الاجتماع بأنها لا تحظى باحترام أو تقدير الجماعة إلا عند الأزمات، وأن الأعراف القبلية باتت عرضة للانتهاكات.


الجوع يتفاقم بمناطق الحوثيين... والموانئ تخسر 1.4 مليار دولار

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)
انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)
TT

الجوع يتفاقم بمناطق الحوثيين... والموانئ تخسر 1.4 مليار دولار

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)
انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)

حذر تقرير مشترك من «برنامج الأغذية العالمي» و«منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)» من توابع تفاقم أزمة الأمن الغذائي في اليمن خلال مايو (أيار) الماضي، مع تسجيل مؤشرات أعلى حدة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية؛ نتيجة تراجع دخول السكان وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إلى جانب تقلص النشاط الإنساني وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت قدرت فيه خسائر موانئ البحر الأحمر الخاضعة لسيطرة الجماعة بنحو 1.4 مليار دولار.

وأفاد التقرير بأن 62 في المائة من الأسر اليمنية واجهت صعوبات في تلبية احتياجاتها الغذائية خلال مايو الماضي، مقارنة بـ59 في المائة خلال أبريل (نيسان) الذي سبقه، فيما ارتفع معدل «الحرمان الغذائي الشديد» إلى 36 مقابل 31 في المائة خلال الشهر السابق، في استمرار لمسار التدهور لثاني شهر على التوالي.

وأوضح التقرير أن نحو 10 في المائة من الأسر بمناطق سيطرة الحوثيين اضطرت إلى قضاء يوم كامل وليلة كاملة من دون طعام بسبب نقص الغذاء، مقابل 8 في المائة من الأسر بالمناطق الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

ورغم أن نسبة الاستهلاك الغذائي غير الكافي بلغت 27 في المائة بمناطق سيطرة الحوثيين مقابل 36 في المائة بمناطق الحكومة، فإن التقرير حذر بأن استمرار الضغوط الاقتصادية، وتراجع النشاط الإنساني، قد يدفعان بمستويات الجوع في مناطق سيطرة الجماعة إلى مستويات أشد خطورة خلال الأشهر المقبلة.

«برنامج الأغذية العالمي» خفض عدد المستفيدين إلى 1.7 مليون يمني (إعلام محلي)

وأرجع التقرير تفاقم الأزمة في مناطق الحوثيين إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية بنسبة وصلت إلى 13 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، متأثرة بزيادة الأسعار العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، في وقت أكد فيه 70 في المائة من السكان في تلك المناطق تراجع دخولهم الشهرية.

وأشار إلى أن هذا التراجع في الدخول، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، أدّيا إلى تآكل القوة الشرائية للأسر اليمنية، ودفع بكثير منها إلى تبني وسائل تكيّف قاسية، شملت تقليص عدد الوجبات اليومية، وخفض الحصص الغذائية، وتقليل استهلاك البالغين الطعام لمصلحة الأطفال.

وأكد التقرير أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع أسعار الغذاء، بل باتت تعكس ضغوطاً اقتصادية أوسع تشمل استنزاف احتياطي النقد الأجنبي، وأزمة السيولة، والعقوبات، ونقل البنوك من صنعاء إلى عدن، وتباطؤ النشاط الاقتصادي.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من المساعدات المنقذة للحياة (إعلام محلي)

وأضاف أن تدهور قدرات موانئ البحر الأحمر الخاضعة للحوثيين أدى إلى خسائر قدرت بنحو 1.4 مليار دولار، في حين كثفت سلطات الجماعة حملات الجباية ومصادرة الأصول، الأمر الذي زاد من تآكل مصادر دخل السكان وتقويض سبل معيشتهم.

كما نبه التقرير إلى أن تداعيات إغلاق مضيق هرمز زادت من تعقيد أزمة الوقود في اليمن، مع انخفاض الإمدادات وارتفاع تكاليف الاستيراد، بصورة عدّها أكبر اضطراباً من أزمة البحر الأحمر خلال العام الماضي، لما لها من تأثير مباشر على أسعار الوقود والخدمات الأساسية.

الملايين مهددون

توقع التقرير الأممي أن يواجه من لا يقلون عن 5.4 مليون شخص في المناطق الخاضعة للحكومة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة من يونيو الماضي وحتى سبتمبر (أيلول) المقبل؛ نتيجة تزامن موسم الشح مع الفيضانات، إلى جانب استمرار تراجع الاستجابة الإنسانية.

ورأى أن تقليص برامج المساعدات الغذائية الواسعة منذ عام 2024 أسهم في تسريع تدهور الأوضاع، لا سيما في مناطق الحكومة، حيث ارتفعت نسبة الاستهلاك الغذائي غير الكافي إلى 36 مقابل 27 في المائة بمناطق الحوثيين، فيما زاد معدل «الحرمان الغذائي الشديد» بنحو الضعف في المناطق الحكومية خلال الفترة نفسها.

ميناء الحديدة تعرض لأضرار كبيرة وتراجعت قدراته التشغيلية (إعلام محلي)

وأكد معدو التقرير أن أزمة الأمن الغذائي في اليمن لا تعود إلى نقص الغذاء في الأسواق، وإنما إلى ضعف القدرة الشرائية للأسر، مشيرين إلى أن نحو 75 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، ويضطر كثير منهم إلى اتباع استراتيجيات تكيّف قاسية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

ولفت التقرير إلى أن استقرار سعر صرف الريال اليمني نسبياً في مناطق الحكومة لم يمنع بروز ضغوط إضافية على تكلفة المعيشة، بعد رفع سعر الدولار الجمركي من 750 إلى 1550 ريالاً، إلى جانب فرض رسم جمركي بنسبة 20 في المائة على واردات الوقود، مع تحذيرات من انعكاس ذلك على أسعار دقيق القمح والسلع الأساسية.

وأشار إلى أن واردات الوقود عبر الموانئ الخاضعة للحكومة اليمنية تراجعت خلال الأشهر الـ5 الأولى من العام الحالي بنسبة 73 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وبنسبة 60 في المائة مقارنة بالموانئ الواقعة تحت سيطرة الحوثيين؛ مما أدى إلى تكرار نفاد الوقود من محطات التعبئة، وانقطاعات كهرباء تراوحت بين 18 و20 ساعة يومياً في بعض المديريات، بينما تجاوز الطلب على الوقود بنحو 3 أضعاف الكميات المتاحة.

تحسن محدود

في المقابل، أظهر «برنامج المساعدة الغذائية الطارئة المستهدفة»، الذي ينفذه «برنامج الأغذية العالمي» في المناطق الخاضعة للحكومة، نتائج إيجابية في الحد من مستويات الحرمان الغذائي بين المستفيدين، رغم تقليص نطاقه بسبب نقص التمويل.

وأوضح التقرير أن «البرنامج» بدأ مرحلته الأولى في منتصف فبراير (شباط) الماضي، بعد خفض عدد المستفيدين من 3.4 مليون شخص إلى 1.7 مليون فقط نتيجة شح التمويل.

وأظهرت بيانات المتابعة انخفاض نسبة «الحرمان الغذائي الشديد» بين المستفيدين من 46 إلى متوسط 25 في المائة خلال مايو الماضي، كما تراجعت نسبة الاستهلاك الغذائي غير الكافي من 75 إلى 52 في المائة، بتحسن بلغ 23 نقطة مئوية.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء إلى التسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

كما سجلت مؤشرات التنوع الغذائي تحسناً؛ إذ انخفضت نسبة المستفيدين الذين يستهلكون 4 مجموعات غذائية أو أقل أسبوعياً من 72 إلى 56 في المائة، بينما ارتفع استهلاك الأغذية الغنية بالبروتين بنحو 18 نقطة مئوية، بعد إدراج البقوليات ضمن الحصص الغذائية.

وخلص التقرير الأممي إلى أن الحفاظ على هذه المكاسب يتطلب توفير تمويل إضافي؛ لتوسيع برامج المساعدات الغذائية، ودعم برامج التغذية وسبل العيش، والمياه، والصرف الصحي، والتحويلات النقدية؛ لمنع اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي في المناطق الأعلى هشاشة.