تونس: مشهد إعلامي جديد وتحديات بالجملة

«كوفيد ـ 19» عمّق أزمة «التقليدي» ضارباً التلفزيون والإذاعة والصحف

تونس: مشهد إعلامي جديد وتحديات بالجملة
TT

تونس: مشهد إعلامي جديد وتحديات بالجملة

تونس: مشهد إعلامي جديد وتحديات بالجملة

يتفق الإعلاميون والحقوقيون، الذين رحبوا بثورة الإطاحة بحكم زين العابدين بن علي قبل 10 سنوات ومعارضوهم، بكون توسيع هامش الحريات في البلاد وتحرير الإعلام من هيمنة الدولة والحزب الحاكم «أهم مكسب سياسي» تحقق خلال العشرية الماضية في تونس. إلا أن ثمة شكوكاً الآن إزاء تطور المشهد الإعلامي، مع وضع البعض إياه في قفص الاتهام وسط انتقادات حادة بسبب التحديات الخطيرة التي تواجهه وتؤرّق الإعلاميين والقائمين على مؤسسات الدولة والمجتمع في كل المجالات وبينها معضلة التمويل.
«الشرق الأوسط» ناقشت الوضع الإعلامي الراهن، وتحدياته مع نحبة من المتخصصين، وخرجت بالحصيلة التالية:
أورد محمود الذوادي، رئيس «مركز تونس لحرية الصحافة» أن الدراسات التي أجرتها مؤسسته عن تطور قطاع الإعلام التونسي خلال العقدين الماضيين تكشف أن «أهم متغير في المشهد الإعلامي في تونس منذ 14 يناير (كانون الثاني) 2011 هو انهيار المنظومة السلطوية الزجرية القديمة ومركز التحكم فيها في قصري الرئاسة والحكومة وفي وزارة الداخلية وقيادة الحزب الحاكم السابق». كذلك اعتبر الصادق الحمامي، أستاذ الاتصال في الجامعة التونسية، أن من أهمّ المكاسب التي تحققت «التحرّر من المنظومة القديمة ومن النصوص القانونية الزجرية» المنظمة لقطاع الإعلام، ومن الهياكل الصورية التي كانت تشرف عليه مثل «المجلس الأعلى للاتصال» الذي كان عملياً تحت إشراف السلطة التنفيذية. إلا أن العميد محمد حمدان، مدير كلية الصحافة والأخبار، رأى أنه بصرف النظر عن هذا المكسب فإن «غالبية وسائل الإعلام التونسية التقليدية والإلكترونية أصبحت تواجه صعوبات مادية كبرى، قد تجعلها ضحية للابتزاز من قبل لوبيات لديها أجندات مالية وسياسية وشخصية».

الإعلام الاجتماعي...
والتمويل والإشراف
وفي سياق متصل، حذّر هاني مبارك، أستاذ الإعلام والاتصال في الجامعة التونسية، من ظاهرة «تضخّم دور المواقع الاجتماعية في تونس على حساب وسائل الإعلام التقليدية». وفسّر ذلك بتراجع ثقة غالبية المواطنين في الصحافة والصحافيين. كذلك ربطه بانخراط أكثر من 80 في المائة من التونسيين - بمن فيهم الأطفال والمسنون - في الشبكات الاجتماعية وخاصة في «فيسبوك». هذا، وكشفت إحصائيات وزارة تكنولوجيات الاتصال التونسية أن عدد الهواتف المحمولة في تونس تجاوز عام 2020 بكثير عدد السكان، وهو ما زاد من تأثير «الإعلام البديل» و«الإعلام الإلكتروني». غير أن الناصر المكني، الباحث في علوم الاتصال، يلفت بقلق إلى أن بعض فضاءات «إعلام المدوّنات والشبكات الاجتماعية» أضحت تؤدي دوراً سلبياً «وتطورت إلى فضاء للسب والقدح والتشهير بالخصوم، والنقاش المتوتر والانغلاق داخل مجموعات تتورط بدورها في بث الإشاعات والترويج لمعلومات كاذبة مزيفة لأسباب شخصية أو سياسية أو آيديولوجية».
من جانبه، مع أن الأكاديمي النوري اللجمي مقتنع بأن «من أهم ما تحقق من إصلاحات في قطاع الإعلام تأسيس هياكل تعديل بهدف تنظيم القطاع بعد حذف وزارة الإعلام، على رأسها «الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري» - التي أسندت إليه رئاستها منذ أكثر من 6 سنوات - بناءً على توافق بين البرلمان ورئاسة الجمهورية والنقابات، فإن «الهيئة التعديلية» أصبحت بدورها محل جدل ومزايدات بين السلطات والنقابات والأطراف السياسية الشعبوية. بل، ازداد وضع مؤسسات الإعلام تعقيداً، حسب الإعلامي والجامعي لطفي الحيدوري بسبب تعذر التوافق بين السياسيين والنقابيين حول تمويل المؤسسات الإعلامية العمومية: فهل تعتمد على الإعلانات مثل المؤسسات الخاصة... أم يجب أن توفر لها الدولة «موازنة محترمة» على غرار ما هو معمول به في بعض البلدان الديمقراطية الغربية ومؤسساتها العريقة مثل «بي بي سي» (بريطانيا) و«فرانس 24» (فرنسا) و«دويتشه فيله» (ألمانيا)؟

توزيع الإعلانات

من جهة أخرى، تطالب نقابة مديري الصحف والمؤسسات الإعلامية التونسية بتأسيس هيئة لقياس جمهور الإذاعة والتلفزيون والصحف وإحداث مؤسسة وطنية لتوزيع الإعلانات العمومية. ويعتبر محمد العروسي بن صالح، المدير التنفيذي لجامعة مديري المؤسسات الإعلامية، أن «معضلة التمويل تبقى أبرز أسباب ضعف الإعلام والمؤسسات الإعلامية في تونس»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«أزمة غياب مؤسسات مستقلة لقياس المشاهدة والمتابعة وتوزيع الإعلانات» تعوّض وزارة الإعلام. بيد أن تحسن هامش الحريات لا يجوز أن يقلل من خطورة مشاكل «تراكمت خلال السنوات القليلة الماضية» حسب الهادي الطرشوني الأمين العام المساعد للنقابة العامة للإعلام. إذ يشير الطرشوني إلى «الصعوبات الخطيرة التي يشهدها القطاع»، ومنها بالخصوص «الصعوبات المالية التي تسببت في إغلاق عشرات الصحف والإذاعة والقنوات التلفزيونية التي أسست بعد ثورة يناير 2011. ويقول إن مؤسسات الصحافة المكتوبة بالذات تضرّرت أكثر من غيرها من معضلة شحّ الموارد، وتدهورت أوضاعها جميعاً منذ مطلع عام 2020 مع بدء إجراءات الإغلاق والحجر الصحي بسبب جائحة «كوفيد - 19». وبالفعل، تراجع عدد الصحف من 255 صحيفة عام 2011 إلى أقل من 50 عام 2020. وفي هذا السياق، يقول نقيب الصحافيين ياسين الجلاصي إن معظم الإعلاميين يعانون من أوضاع اجتماعية صعبة، ومن ضعف الأجور وارتفاع نسب الفصل «لأسباب اقتصادية».
في الاتجاه نفسه، يوضح وجيه الوافي، نائب نقيب الصحافيين التونسيين، أن من بين معضلات قطاع الإعلام اليوم تراكم المشكلات المالية في مؤسسات الإعلام الحكومية والمؤسسات التي كانت ملكاً لأفراد من عائلة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وتقررت مصادرتها في مطلع 2011. وبينها صحف «دار الصباح» وإذاعتا «شمس إف إم» و«الزيتونة» وتلفزيون «الحوار التونسي». كذلك، تعاني مؤسسات أخرى أسّسها مقرّبون من بن علي وعائلته من عجز مالي يوشك أن يؤدي إلى إغلاقها، من بينها قنوات «حنبعل» و«نسمة» و«جوهرة» و«إكسبريس إف إم». وحقاً، تسببت الإضرابات في المؤسسات الإعلامية التي تمر بصعوبات مالية في إحالة مئات الصحافيين والعاملين في القطاع على البطالة، وفي انخفاض عدد الصحافيين التونسيين من أكثر من ألفين عام 2011 إلى نحو 800 فقط حالياً.
أيضاً، أدت الصعوبات المالية التي تواجهها المؤسسات الإعلامية التونسية إلى انتشار «النزعة التجارية الربحيّة» وتشجيع «صحافة الإثارة» والاستفزاز و«الخلط بين المهنية والتوظيف» حسب الأكاديمي والإعلامي المنجي المبروكي. وضمن هذا الإطار، دخلت غالبية القنوات التلفزيونية والإذاعية في تنافس على «التمويل الذاتي» عبر المسابقات التي يشارك فيها الملايين عبر المراسلات القصيرة الهاتفية وعبر «المشاهد الفضائحيّة والمثيرة، بما فيها من تعدّ على أخلاقيّات المهنة ومسّ من الذوق العام ونواميس الفضاء العمومي وضوابطه». ويلاحظ أن عدداً من فضائيات «الفضائح والإثارة» نجحت في تأمين نسبة عالية من المتابعة الشعبية والإعلانات... ثم تطورت إلى فضاءات يتنافس كبار السياسيين ورجال الأعمال على الظهور فيها مقابل تقديم دعم مالي لها. وحول هذا الأمر، يقول حسن زرقوني، مدير مؤسسة استطلاعات الرأي «سيغما كونساي» أنّ «أكثر وسائل الإعلام إثارة وفضائحيّة، أضحت في الطليعة من حيث نسب الاستماع والمشاهدة. وقد مكنها ذلك من مضاعفة تأثيرها في توجيه الأحداث والناخبين منذ يناير 2011». ولذا تزايدت الانتقادات للإعلام من قبل عدد من السياسيين، بمن فيهم رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان وزعامات الأحزاب والنقابات، مع تحميل الإعلاميين مسؤولية «إجهاض الثورة» و«إرجاع رموز النظام القديم إلى الصدارة» و«تخييب آمال المؤمنين بالاستثناء الديمقراطي التونسي».

محطات في تاريخ الصحافة التونسية

> أسست أول صحيفة تونسية ناطقة بالعربية في يوليو (تموز) 1860 وسُمّيت «الرائد التونسي».
> أسّس يهود تونس أول صحيفة ناطقة بالعبرية عام 1878 تحت اسم «العمالة (أي الولاية) التونسية». وتعدّدت الصحف الناطقة بالل غة العبرية بين 1904 و1942. وتوقفت الصحف العبرية عن الصدور منذ احتلال قوات ألمانيا لتونس وشمال أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية.
> بدأ معظم زعماء الكفاح الوطني في تونس والجزائر والمغرب وليبيا مسيرتهم بالكتابة في الصحف التونسية، وتأسيس صحف ناطقة باسم الحركة الوطنية في تونس وشمال أفريقيا والدول العربية. ولعل أبرزها صحيفة «التونسي» التي أصدرها في 1904 الزعيمان عبد العزيز الثعالبي وعلي باش حانبه، و«تونس الفتاة» ثم «الإرادة» و«العمل» و«الزهرة» و«الصباح».
> تفوّق الزعيم الحبيب بورقيبة على رفاقه منذ 1927 بإدمانه على الكتابة في الصحف الناطقة بالعربية والفرنسية.
> تونس كانت المقر الرئيسي لغالبية وسائل الإعلام الناطقة باسم «حركة التحرير الوطني» الجزائرية حتى إعلان الاستقلال في 1962. وقد تولى عدد عشرات من كبار الصحافيين الجزائريين تأسيس وكالة الأنباء التونسية والصحف والإذاعة التونسية بعد استقلال تونس عن فرنسا في 1956.
> مرّت الصحافة في عهدي بورقيبة (1956 - 1987) وبن علي (1987 - 2011) بمراحل انغلاق وأخرى سمح فيها بإصدار صحف معارضة وصحف مستقلة أو تابعة للقطاع الخاص.
> ألغيت وزارة الإعلام عام 1990 واستعيض عنها بإدارة عامة للإعلام. ثم أعيدت بعد 5 سنوات. كذلك أسست «وكالة للاتصال الخارجي» عام 1992 كانت بمثابة وزارة للإعلام الخارجي والهيئة العليا المشرفة على توزيع الإعلانات العمومية وعلى التنسيق بين مؤسسات الإعلام الداخلي وسفارات تونس في الخارج.
> ألغيت وزارة الإعلام و«وكالة الاتصال الخارجي» وكل المؤسسات الحكومية التي تتدخل في قطاع الاتصال خلال يناير 2011 مباشرة بعد سقوط بن علي.
> أسست عام 2011 هيئة مؤقتة مستقلة لتعديل الإعلام السمعي البصري، وعيّن على رأسها الصحافي (المعارض سابقاً) كمال العبيدي. وطوّرت الهيئة عام 2013 إلى هيئة عليا مستقلة للإعلام من بين مهامها «تنظيم» عملية تعيين كبار المسؤولين على المؤسسات الإعلامية العمومية.



الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يخلق تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليخلق بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».