نوال نصر الله باحثة عراقية تُبحر في طعام الأولين

في حضرة أطباق «الرافدين» أتمنى لو أني بمعدتين

TT

نوال نصر الله باحثة عراقية تُبحر في طعام الأولين

كل لقمة طيبة أكلَتها نوال نصر الله التي تألقت في ترجمة وتحقيق كتب الطعام في العصور الوسطى، في طفولتها من مطبخ والدتها لا يمكن أن تنساها، ليشبه حالها في افتقادها لزمن جميل، ذلك الفتى المسافر المشتاق لأمه؛ الذي ورد ذكره في أحد النصوص البابلية؛ هذا النص كلما قرأته نوال ذرف قلبها دمعة ملتاعة.
بصعوبة؛ كانت تلهي نفسها باللعب والدراسة إلى حين الانتهاء من تحضير المائدة، مع أنها لم تكن أكولة؛ تكتفي بتناول «الموجود» طالما أنه مطهي بحب وذوق وعناية؛ ورائحته لطيفة ومذاقه جيد.
تقول نصر الله: «كثيراً ما وقفتُ مشدوهةً أمام الطعام وأجوائه في ذلك الوقت، كنا نفترش الأرض، فيما الوسائد تتوزع في الأرجاء بدلاً من الجلوس إلى طاولة، ما زلت أتذكر برودة البلاط في عزّ الصيف والعائلة تلتفّ بمرح وودّ مستمتعين بأطايب الطعام».
لخبزٍ طازج خرج لتوّه من التنور تحنّ؛ ولوعاء هريسة يتكون من عصيدة قمح مغطاة بالسمن الساخن والسكر والقرفة، فيما تذوب شوقاً لرائحة الأرز وهي تفوح من منازل الحي؛ حتى إن العراقيين سمّوه بالعنبر؛ وإلى الآن تشتهي شطيرةً بمخلل «العنبة» الحار، يُحضّر من فاكهة المانجو، فمن حبها لطعمها لم تكن لتأبه بتحذيرات أمها من تناولها، وسيظل شريط الذاكرة محتفظاً بفرحتها كلما اشترت «العنبة» من الباعة لتلتهمها برفقة صويحباتها في طريق العودة من المدرسة.
- سقطات لا يجوز الوقوع فيها
لم تطبخ عائلتها أطعمة باهظة الثمن، إلا أنها كانت أصنافاً تستغرق ساعات لتحضير وصفات المحاشي.
بضحكة مفعمة بعذوبة الحب؛ تحكي لـ«الشرق الأوسط» عن تلك الأيام: «هل سمعتِ عن أحد تمنى لو أن له معدتين! أنا تمنيت ذلك في كل مرة رأيت قِدر الدولمة المحشوة (شاملةً مختلف أنواع الخضراوات النضرة) يُسكب؛ لحظة الحقيقة تتجلى عندما ينبعث البخار وتتدفق النكهات الشهية في كل الجهات».
نوال؛ درّست الأدب الإنجليزي في جامعتي بغداد والموصل؛ وحاز كتابها «لذائذ من جنة عدن» المنشور عام 2003 على شهرة عالية؛ إذ صنّف أنه أفضل كتاب طبخ عربي في المملكة المتحدة؛ حيث روت فيه بعفوية الحكايات الفلكلورية المرتبطة ببعض الوصفات، ما كان دافعاً قوياً لتكرّس حياتها فيما بعد لترجمة كتب الطهي القروسطية، نسبة إلى القرون الوسطى، من العربية إلى الإنجليزية.
وبإلقاء نظرة على كتاب «كنز الفوائد في تنويع الموائد» الذي يحكي عن ثقافة الغذاء في المجتمع المصري ما قبل الحداثة، فمن الواضح أن الشهادات التي قيلت في جهد «مترجمته» لم تكن من قبيل المجاملة، وهذه إحداها: «إن إعداد الكتاب تم بخبرة لغوية وسياقية هائلة؛ ليتجاوز مجرد وثيقة تاريخية لا تقدر بثمن».
تخبرني حول سر التوجه إلى هذا الحقل: «نشأت في بيئة لا تعير الحديث عن الطعام اهتماماً، لكن بعد مجيئي إلى الولايات المتحدة عام 1990 بدأت أصبح قارئة نهمة لكتب ومجلات الطهي، وكأستاذة جامعية في الأدب الإنجليزي كان دائماً يشدني الجزء البحثي، فقررت أن أكتب عن الطعام العراقي لألقي الضوء على الوجه الإنساني لبلادي في وقت كانت تشهد فيه تحولات سياسية كبرى».
البحث في الطعام قد لا يأخذه البعض على محمل الجد كسائر الأجناس العلمية المتعارف عليها، إلا أن نوال تؤكد أن البحوث المتعلقة بالغذاء يشوبها التعقيد كأي مجال بحثي آخر يستحق الاستكشاف؛ ولا سيما حين تضع مجهرها على العادات الغذائية للناس وطرق استخدام الموارد المتاحة لهم؛ والكلام لها.
وبحسب تجربتها؛ فإن التعامل مع المصادر العربية في العصور الوسطى التي تعود إلى 10 قرون؛ يستدعي كثيراً من التقصي لمعرفة معاني بعض المصطلحات وأسماء الأعشاب والنباتات التي لم تعد متداولة في المنطقة أو ما زال الناس يستخدمونها لكن بأسماء جديدة.
استرعى انتباهها أثناء محاولتها العثور على مصادر ومراجع؛ مصادفتها بعض النصوص التي ظلمها الأداء السيئ، فصار لزاماً تنقيحها وتصحيحها، ويظهر امتعاضها في قولها: «أغضب عندما أطالع ترجمة غير كفؤة لكتب قيّمة، وعلى إثرها يتعرض المعنى الذي أراده الكاتب الأصلي للارتباك؛ ثم يلقي عامة الناس باللوم عليه، هذا ليس منصفاً؛ علينا أن نتذكر أن هذه النصوص القادمة من قرون خلت قد نُسخت مراراً وتكراراً، في بعض الأحيان مرّت على (كتبة) لم يكونوا على دراية بلغة الطباخّين قبل مئات الأعوام، فأحدثوا كثيراً من اللبس، لذا أبذل جهدي لجعل النص منطقياً وسليماً ليوافق ما قصده المؤلف».
لقد استحق الأمر أن تنبّه المتخصصون بشأن المرادفات والمسميات، كونها تتغير، ودلالاتها تتطور عبر العصور، ما يتطلب تفرّغاً وأدوات ثقافية ولغوية احترافية، وقدرة على البحث الشامل ومسؤولية علمية حيال النصوص؛ «ولا يمكن القيام بذلك إلا بصبر وحبّ». تبعاً لها.
- عن غابر الزمان
تتبعّت تاريخ نشوء وتطور الوصفات العراقية على مدار قرون، بدءاً من الحضارات السومرية والبابلية، ومروراً بالعصر العباسي والعصور الوسطى، حتى الوقت الحاضر، وفي ذلك تُقدم إسهاباً مليئاً بالمعلومات الغنية لـ«الشرق الأوسط».
ففي بلاد ما بين النهرين كانت الوصفات البابلية التي تعود إلى 1700 عام قبل الميلاد تشهد تنوعاً هائلاً؛ وكان المرق طعامهم الرئيسي؛ حيث تُغلي المكونات من لحم وخضار وأعشاب مع مرقٍ غني بدهن الغنم، ويُثخّن بفتات الخبز بما يشبه «الكشك»؛ وكان البابليون يتفنّنون في تحضير فطائر اللحم، عبر طهي لحوم الطيور في صلصة غنية بالحليب لترصّ داخل العجين.
وتضيف أن خبز التنور كان أساسياً لديهم؛ وهو «الفرن الطيني المقبّب» الذي أطلق عليه السومريون هذا الاسم، ومن ثم انتقل لاحقاً إلى العرب، وبعدها جاء التنور التركي والهندي؛ كما أن الأجداد في سالف الزمان هم من أطلقوا اسم «كباب» وقصدوا به الشواء، أما في العصور الوسطى فكان الناس مُولعين بكرات اللحم التي تحمل اسم «بنادق اللحم»، وقد تناقلتها الأجيال عن طريق سفر العرب إلى أصقاع الأرض.
ومن جهة أخرى، ازدهر المطبخ في العصر العباسي، وورثنا عنه كتابي طهي لكاتبين من بغداد، أحدهما في القرن العاشر لابن سيّار الوراق، والآخر لابن الكريم في القرن الثالث عشر، تفاصيل تواصل سردها: «ذلك العصر اشتهر أيضاً بأطباق المرق المقدمة مع الثريد (الخبز)، وبمجموعة رائعة من (النواشف)، وبعددٍ مذهل من أطباق الحلويات التي أخذناها عنه، مثل الزلابية والقطايف والحلوى المحضّرة من النشا، وتعرف بـ(الخبيص)».
تتطرق إلى العوامل التي غيّرت من طريقة الطهي في المنطقة العربية، ولا سيما العراق؛ بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر؛ ومن أبرزها ظهور محاصيل جديدة مثل الطماطم والبطاطس والفلفل الحار؛ فالحساء - والكلام لها - ما زال طبقاً رئيساً لدينا كما في العصور القديمة، إلا أننا أصبحنا نطهوه مع الطماطم أو الأرز بفضل تقدم التكنولوجيا في زراعة الحبوب.
سألناها عما يتميز به المطبخ العراقي عن باقي مطابخ الشرق الأوسط، وكان جوابها أن العراق يتقاسم كثيراً من الخصائص مع سائر دول المشرق؛ فإن كان المطبخ العربي يميل إلى الوصفات القائمة على الحشوات، مثل كبة البرغل والكوسا المحشية؛ فالمطبخ العراقي يحفل بأطباق فاتنة على هذا الغرار؛ وتقصد بذلك الدولمة العراقية التي لا تقتصر على نوع خضرة واحد، وكذلك الحال بالنسبة لعجينة البرغل المحشوة، والتي تُعرف بـ«كُبة الموصل»؛ وتأخذ عادةً شكل أقراص كبيرة مُسطّحة ورقيقة؛ وإذا نظرنا إلى امتداد ضفاف نهر دجلة فإن شهرة «السمك المسكوف» يُحكى بها؛ «هذا السمك لن تجديه في أي مكان آخر في العالم».


مقالات ذات صلة

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مذاقات مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر.

مذاقات «لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه»

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات «خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فاز «خوفو»، الواقع بمنطقة الجيزة في مصر، بجائزة أفضل مطعم في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)

سارة كنج: زعتر جدتي كان رفيقي في غربتي

تسجّل اللبنانية سارة كنج في مدينة ستراسبورغ الفرنسية إنجازاً. فهي استطاعت أن تصنع أطيب منقوشة زعتر فيها. وبالتالي تحوّلت إلى عنوان يقصده أهالي هذه المدينة.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات البيض بالشيري توميتو

الطماطم الكرزية... كيف تستخدم في الطهي؟

تتميز الطماطم الكرزية بقشرة رقيقة، ونكهة غنية بالعصارة وحلوة المذاق، سواء تناولتها طازجة أو مطبوخة، هي مكون مرن يرحب بإضافته لعدد كبير من الأطباق.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».