إشكالية المعنى... بين المؤلف والنص والقارئ

عُرضة للتنازع من قبل 3 سلطات

رولان بارت - كمال أبو ديب - سعيد يقطين
رولان بارت - كمال أبو ديب - سعيد يقطين
TT

إشكالية المعنى... بين المؤلف والنص والقارئ

رولان بارت - كمال أبو ديب - سعيد يقطين
رولان بارت - كمال أبو ديب - سعيد يقطين

معظم النظريات النقدية الرومانسية، مثلاً، التي ترى أن الشعر هو تعبير عن الذات، وبعض النظريات التأويلية والنقدية الحديثة تؤكد ملكية المؤلف الشرعية للمعنى تمثل عملية البحث عن المعنى في الشعر، أو بشكل أدق المعنى الشعري، إشكالية كبيرة وخلافية في النقد الحديث. ترى أين يتموضع المعنى داخل القصيدة؟ وكيف يتسنى للقارئ التقاط هذا المعنى واقتناصه؟ يحاول الناقد الفرنسي رولان بارت الإجابة بصورة غير مباشرة عن مثل هذا التساؤل فهو يرى «إن المعنى ليس له معطىً في بداية النص، ولا في نهايته، وإنما يتم الإمساك به من خلال النص كله. (سيميولوجيا الشخصيات الروائية، فيليب هامون، ص88)
لو راجعنا مسيرة النقد الأدبي، لوجدنا أن المعنى عرضةً للتنازع من قبل ثلاث سلطات هي: سلطة المؤلف، وسلطة النص، وسلطة القارئ. وكل من هذه السلطات تزعم أنها صاحبة الحق الشرعي في امتلاكه والحديث باسمه.
فمعظم النظريات النقدية الرومانسية مثلاً، التي ترى أن الشعر هو تعبير عن الذات، وبعض النظريات التأويلية والنقدية الحديثة تؤكد ملكية المؤلف الشرعية للمعنى، بوصفه منتج النص الذي أودع فيه أسراره من خلال «قصدية» معينة.. وربما يمثل الناقد هيرش، أحد أبرز النقاد الحداثيين المدافعين عن حق حيازة المعنى من قبل المؤلف. وكما يبين الناقد وليم راي في كتابه «المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية «أن هيرش يهدف إلى إعادة تثبيت معنى المؤلف على أنه مبدأ معياري، يعتمد عليه الجهد الجماعي للتأويل، وأن أفضل معيار يمكن اعتماده هو الفعل الأصلي الذي أراد به المؤلف معنى محدداً. (المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية، وليم راي، ترجمة د. يوئيل يوسف عزيز، (بغداد، ص- 103 - 104 1987)
إلا أن أغلب الاتجاهات البنيوية كانت تميل إلى عد «النص» المالك الشرعي للمعنى، بعيداً عن سلطتي المؤلف والقارئ. فالنص الأدبي هو مستودع الأدبية والشعرية، وهو بالتالي المساحة الحرة التي يتحرك فيها المعنى الأدبي أو الشعري.
ومثل ظهور سلطة القراءة، بمثابة رد فعل ضد سلطة المؤلف. وعندما أعلن رولان بارت عن مفهوم «موت المؤلف» أشار إلى أن موت المؤلف يعني ميلاد سلطة القارئ: «إن ميلاد القارئ رهين إعلان موت المؤلف». (النقد والحقيقة، رولان بارت، ترجمة د.منذر عياشي، دمشق 2019 ص87)
ولا يمكن النظر إلى اتجاهات القراءة والتلقي بوصفها تمثل مدرسة واحدة منسجمة، بل هناك العديد من وجهات النظر تجاه فاعلية عملية القراءة، ومنها الانطلاق إلى درجة كبيرة من المنظور الفلسفي الفينوفيولوجي أو الظاهراتي الذي يركز على الفعل الذاتي للمتلقي. ويعد الألمانيان آيزر وياوس أبرز منظري اتجاهات القراءة والتلقي. وبشكل عام تؤمن مختلف هذه الاتجاهات بأن القارئ هو المنتج الحقيقي للمعنى.
ومن الجانب الأخرى تعنى الدراسات الثقافية بتقديم تصور «أن المعنى، كما يشير (كريس باركر) في «معجم الدراسات الثقافية» يعد من أهم التصورات داخل الدراسات الثقافية، فالثقافة مؤسسة على مفاهيم خرائط المعنى، والمعنى المتشارك أو المتنازع عليه، كما ركزت هذه الدراسات على التقاطع بين السلطة والمعنى ومن ثم، فالأفكار المفتاحية مثل الآيديولوجيا والهيمنة والخطاب تعتمد بعض الشيء على مفهوم المعنى (معجم الدراسات الثقافية، كريس باركر، ترجمة جمال بلقاسم، منشورات رؤية القاهرة 2089. ص333) ومن جهة أخرى فإن ديريدا يذهب إلى أن المعنى لا يمكن العثور عليه في كلمة مفردة، أو عبارة واحدة، ولكن نتيجة مجموعة من العلاقات بين النصوص، وهذا ما يسمى بالتناص». (المصدر السابق ص335) ونجد ديريدا يشكك بثبات المعنى وأنه لا يوجد مصدر أولي للدلالة، ولا معنى شفافاً يمتلك حضوراً ذاتياً، بل بالأحرى، المعنى منزلق دائماً تحت سلسلة من الدوال المخلخلة لاستقراء المدلول، ومن ثم، يحاول ديريدا أن بفضح لا يقينية المعنى». (المصدر السابق 335)
وسبق للناقد (هيرش) وأن ميز بين مصطلحين أساسيين هما، مصطلح المعنى المتماهي مع هدف المؤلف القصدي، ومصطلح الدلالة المتماهي مع المعنى اللغوي الكلي للنص، ضمن علاقته بسياق أكبر. (حول التفكيكية، جوثان كولر». (بالإنجليزية، ص76)
ويقيم الناقد ميشيل ريفاتر بدوره تمييزاً آخر بين هذين المصطلحين المتقاربين، إذ أن مصطلح المعنى بالنسبة له يقتصر على المعلومات التي يبثها النص على صعيد المحاكاة، بينما تكمن الدلالة في النص. (سيميوطيقاً الشعر، دلالة القصيدة، ميشيل ريفاتير، ترجمة فريال جبور غزال، في «مدخل إلى السيميوطيقا»، إشراف سيزا قاسم ونصر حامد أبو زيد، القاهرة 1986 ص215)
ويميل الناقد العربي، بشكل عام، إلى تجنب إقصاء المعنى أو حصره داخل البنية اللغوية. إذ ينتقد الناقد سعيد يقطين قصور التحليل الشكلاني عن إقامة تحليل دلالي متكامل، لذا فهو يضع على عاتق سوسيولوجيا النص الأدبي مهمة الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالدلالة وإلى تجاوز وعي الستينات والمرحلة البنيوية التي لم يبق ما يسوغها، عملياً ونظرياً. (انفتاح النص الروائي، النص - السياق - سعيد يقطين، بيروت 1987.ص 34)
ومع أن الناقد كمال أبو ديب يؤكد انطلاقه من رؤيا بنيوية خاصة به، لكنه لم يقتصر على دلالة البنية اللغوية فقط، وإنما كان يدعم تأمله النقدي بأبعاد خارج نصية، تؤكد على الوظيفة المعرفية والاجتماعية للخطاب الشعري، وطور تصوراً خاصاً بذلك من خلال تأسيس ما أسماه «نظرية بنيوية للمضمون الشعري» (جدلية الخفاء والتجلي، كمال أبو ديب، بيروت 1979، ص279.)
والناقد حاتم الصكر، هو الآخر كان يحرص دائماً على تطوير منهج خاص به في قراءة الخطاب الشعري يقوم على آليات نظرية القراءة والتلقي، لكنه كان لا يهمل دور الشاعر في إنتاج الدلالة، ولا يسقط تأثير السياق الاجتماعي الخارجي. (الأصابع في موقد الشعر، مقترحات لقراءة القصيدة، حاتم الصكر، بغداد 1986 ص312)
ومن هنا نرى أن مفهوم «المعنى» أصبح الشغل الشاغل للنظرية النقدية، وقضية خلافية كبرى بسبب هذا التنازع بين أطراف عملية التواصل الأساسية: (الشاعر) بوصفه باثاً أو مرسلاً، و(القارئ) بوصفه متلقياً، و(النص) بوصفه بنية لسانية وسيميائية مشفرة تنطوي على مقومات الشعرية الداخلية. لذا فقد كان الدكتور عبد الله الغذامي على حق عندما أعلن في ندوة تفاعلية أقامتها معه مجلة «الأقلام» العراقية مؤخراً بأن مفهوم المعنى يمثل أخطر مؤسسة ثقافية في النقد الأدبي، وأنه يميل إليه أكثر من ميله إلى مفهوم مقارب آخر هو مفهوم «الحقيقة» الفلسفي. ومن المعروف أن مفهوم المعنى يتداخل مع مفهوم (الحقيقة) من جهة ومفهوم (الفهم) من جهة أخرى في الدراسات التأويلية (الهرمنيوطيقية) والفلسفية لدرجة كبيرة، ولذا فمن مصلحة النظرية النقدية الأدبية التركيز على مفهوم المعنى، وقرينه مفهوم الدلالة، وتجنب الانجرار إلى مفهوم الحقيقة الفلسفي الذي قد يقود إلى تأويلات ومتاهات ميتافيزيقية أو شكلانية لا نهاية لها.
ومن المعروف أن هدف التأويل، في البداية، كان يتراوح بين محاولة استنطاق المعنى الذي يقوله المؤلف، وبين ما يفهمه القارئ. وكان هناك من يرى أن هدف التأويل يجب أن ينصب على النص ذاته. وللتخلص من مأزق التفسير الأحادي يقترح (غادامير) توظيف مفهوم «انصهار الآفاق «حيث ينصهر أفق عالم القارئ بأفق عالم الكاتب. (نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى، بول ريكور، ترجمة سعيد الغانمي، بيروت، 2003، ص146)
وأشار الفيلسوف (دلثاي) إلى أن مفهوم الحلقة أو الدائرة الهيرمنيوطيقية يذهب إلى أن من أجل فهم أي وحدة لغوية، لا بد لنا وأن نتعامل مع هذه الأجزاء، وعندنا حس مسبق بالمعنى الكلي، لكننا لا نستطيع معرفة المعنى الكلي إلا من خلال معرفة مكونات أجزائه. (دليل الناقد الأدبي، د.ميجان الرويلي ود.سعد البازعي، المركز الثقافي العربي، بيروت 2007، ص89)
وللخروج من أزمة التنازع حول ملكية المعنى بين المؤلف والقارئ والنص، فقد سبق لي وأن اقترحت في ورقة نقدية تحت عنوان «من سلطة النص إلى سلطة القراءة» ألقيتها في إحدى دورات مهرجان المربد، ونشرت حينها في مجلة الأقلام العراقية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي إلى تقديم قراءة نقدية شاملة للنص، وليست أحادية الجانب، قراءة توازن بين سلطة المؤلف وسلطة القارئ وسلطة النص فضلاً عن اعتماد شبكة العلاقات السياقية المقترنة بالنص بوصفه ظاهرة اجتماعية وتاريخية مشروطة. لكن علينا الاستدراك إلى أن الركون إلى أن تحقيق ذلك مرهون من خلال تحقيق مزاوجة خلاقة لأدوات التحليل النصي الداخلي، وآليات التحليل السياقي الخارجي، للوصول إلى قراءة شاملة للنص الأدبي أو للظاهرة الثقافية. (اللغة الثانية: في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح، في الخطاب النقدي العربي الحديث، فاضل ثامر، المركز الثقافي العربي، بيروت 1994، ص41 - 63)
ومن هنا يمكن القول بأن ميراث المعنى يظل هدفاً مركزياً تحاول مختلف السلطات الوصول إليه وامتلاكه، وأن الحديث عن انتفاء المعنى في النص الشعري، وعدم لزوميته، والزعم بوجود قصيدة اللامعنى، هو مجرد خيال بعيد عن الواقع، ذلك أن الإنسان بطبيعته يبحث عن المعنى الذي يحاول أن يتلمسه في كل مظهر نصي أو حياتي. فلا نص بلا معنى، ولا قصيدة بلا معنى ما، حتى وإن كان هذا المعنى، متشظياً أو شبحياً أو افتراضياً، أو قد يكتنفه الغموض والإبهام والغياب، حيث إن جدلية العلاقات بين العناصر الحضورية والغيابية في النص أو ما يسميها د.كمال أبو ديب بـ«جدلية الخفاء والتجلي» أو ما أسماها تودوروف ثنائية الحضور والغياب تؤكد حضور المعنى في النص الشعري بوصفه معنىً شعرياً خاصاً، يختلف جذرياً عن مفهوم المعنى في النص النثري.



بعد 35 عاماً من الشغف… «ساعات الأجداد» الأثرية تُعرض في مزاد ببريطانيا

مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
TT

بعد 35 عاماً من الشغف… «ساعات الأجداد» الأثرية تُعرض في مزاد ببريطانيا

مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)

تُطرح مجموعة خاصة من الساعات الأثرية الطويلة، المعروفة باسم «ساعات الأجداد»، للبيع في مزاد علني، بعدما جُمعت على مدى 35 عاماً بدافع شغف الاقتناء والترميم.

وتنتمي هذه الساعات إلى بلدات ديفايز، ورويال، ووتون باسيت، وكالن في مقاطعة ويلتشير البريطانية، وهي مملوكة للزوجين بول وجان سوكوني، اللذين قررا أن الوقت حان لانتقال هذه القطع التاريخية إلى «أيدٍ أمينة»، عند عرضها في مزاد تنظمه دار «RWB Auctions» في 4 مارس (آذار)؛ وفق هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وقال بول سوكوني: «لقد تجاوزت السبعين من عمري، وما زلت أعمل مستشاراً في قطاع الأغذية. شعرنا أنا وزوجتي بأن الوقت قد حان للتخلي عن بعض الساعات، ولا سيما تلك التي لا تزال تحتاج إلى ترميم. علينا التفكير في المستقبل، وليس من العملي الاحتفاظ بكل ما نملك».

وتضم مجموعة الزوجين ساعات متنوعة، إضافة إلى أجزاء ميكانيكية مرتبطة بها. وما بدأ بعملية شراء شخصية بسيطة تحوَّل مع مرور السنوات إلى شغف عمر، قادهما إلى البحث عن ساعات صنعها حرفيون محليون والعمل على ترميمها.

ويضيف بول، المقيم قرب ديفايز: «كانت لدى زوجتي رؤية رومانسية؛ أن تجلس بجوار مدفأة الحطب، تقرأ روايات توماس هاردي، في حين يملأ المكان صوت دقات ساعة عتيقة تبعث على الطمأنينة. لذلك اشتريت لها، قبل 35 عاماً، ساعة من هذا الطراز».

وتابع: «من هنا بدأت الحكاية. أصبحنا نبحث عن ساعات تحمل طابعاً محلياً وتاريخاً خاصاً؛ فلكل ساعة شخصيتها وهويتها».

ويبلغ عدد الساعات في مجموعتهما اليوم أكثر من 60 ساعة، وقد باع الزوجان عدداً منها لمشترين من مختلف أنحاء العالم، سعياً من هؤلاء إلى استعادة صلتهم بتاريخهم أو بجذورهم العائلية.

ومن المتوقع أن تحقق القطع المعروضة أكثر من ألف جنيه إسترليني عند عرضها للبيع هذا الأسبوع، وفق تقديرات دار المزاد.

وقال مساعد المزادات وخبير التقييم ويل والتر: «هذه قطع محلية لافتة للاهتمام، ومن المرجح أن تجذب هواة جمع من المنطقة، أو أشخاصاً يقيمون في الخارج لكن تربطهم صلة بهذه البلدات».

ويُنتظر أن يستقطب المزاد اهتمام المهتمين بالساعات الأثرية وتاريخ الحِرف المحلية في منطقة ويلتشير.


«كنوز غارقة» يعيد قراءة ذاكرةٍ ظلت قروناً تحت الماء

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
TT

«كنوز غارقة» يعيد قراءة ذاكرةٍ ظلت قروناً تحت الماء

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)

على طول الساحل الغربي للمملكة، يمتد تاريخ لا يمكن رؤيته من اليابسة. تحت طبقات المياه في البحر الأحمر، ترقد موانٍ قديمة، ومسارات تجارة اندثرت، وسفن توقفت رحلاتها قبل أن تصل إلى وجهتها الأخيرة. ولقرون طويلة، ظل هذا التاريخ صامتاً، ومحفوظاً في الأعماق، وبعيداً عن السرد التاريخي التقليدي.

اليوم، يحاول معرض «كنوز غارقة: التراث البحري للبحر الأحمر»، الذي افتتحه متحف البحر الأحمر في جدة التاريخية، إعادة هذا التاريخ إلى المجال العام، ليس بوصفه اكتشافاً أثرياً فحسب، بل باعتباره جزءاً من الهوية الحضارية للساحل السعودي. المعرض، الذي جاء ثمرة تعاون بين متحف البحر الأحمر وهيئة التراث وعدد من الشركاء البحثيين، يقدّم قراءة موسّعة لدور البحر الأحمر بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في التاريخ، حيث التقت عبره طرق الحج، والتجارة، والهجرة، وربطت موانيه الجزيرة العربية بآسيا، وأوروبا، وأفريقيا.

مديرة متحف البحر الأحمر إيمان زيدان ترى أن الحاجة إلى هذا المعرض نشأت من طبيعة الساحل السعودي نفسه، الذي وصفته بأنه ساحل غني شهد عبور الحجاج، والرحالة، وازدهار موانٍ رئيسة، مثل الشعيبة، وجدة، إلى جانب مرافق ساحلية في فرسان، والسيرين، والحفز، شكّلت عبر القرون شبكات تجارة واسعة نقلت السلع، والمعرفة، والثقافات بين القارات.

وتوضح زيدان لـ«الشرق الأوسط» أن جزءاً كبيراً من هذا الإرث ظل غير مكتشف، أو غير متاح للمجتمع، رغم أعمال المسح الأثري التي شهدتها مواقع عدة على الساحل السعودي، إضافة إلى مواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه، ومن أبرزها حطام سفينة أملج التي كشفت مكتشفاتها عن روابط تجارية وثقافية امتدت من شرق آسيا إلى مواني البحر الأحمر.

أوانٍ خزفية اكتشفت في باب البنط على ساحل البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

يضم المعرض نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، تتراوح تواريخها بين ما يقارب 1600 عام، بينها قطع خزفية، وفناجين بورسلين صينية تعود إلى فترات ازدهار التجارة البحرية، في شواهد تعكس حجم التبادل التجاري بين الصين والجزيرة العربية.

وتشير زيدان إلى أن طبيعة البحر الأحمر الجغرافية -كونه بحراً ضحلاً تحيط به الشعاب المرجانية والتيارات المتغيرة- دفعت البحارة تاريخياً إلى تطوير سفن تقليدية مختلفة في تصميمها عن غيرها من سفن العالم، كما اعتمدوا على الخرائط، وأدوات الملاحة، مثل الأسطرلاب، للاستدلال على الطرق البحرية.

وفي سياق الكشف عن حجم التراث غير المكتشف، أوضحت زيدان أن الدراسات الحالية تشير إلى وجود 40 سفينة غارقة على الساحل السعودي، وهو رقم لا يزال قيد الدراسة، ومرشح للارتفاع مع استمرار أعمال الاستكشاف والتوثيق، ما يعكس اتساع المخزون الثقافي الكامن تحت مياه البحر الأحمر.

من جانبه، أكد ماجد العنزي، مدير عام التراث الثقافي المغمور بالمياه المكلف في هيئة التراث، أن مشاركة الهيئة في المعرض تأتي ضمن جهود وطنية متواصلة في المسح والتنقيب عن مواقع التراث البحري، وحمايتها، مشيراً إلى أن الهيئة عرضت خلال المعرض عدداً من المكتشفات الناتجة عن أعمال ميدانية حديثة.

فناجين خزف صيني (الشرق الأوسط)

وأوضح العنزي، خلال الجلسة الحوارية المصاحبة للمعرض، أن فهم التراث المغمور لا يقتصر على دراسة الحطام، أو القطع المكتشفة، بل يتطلب قراءة أوسع للتغيرات البيئية والتاريخية، خصوصاً تحولات مستوى سطح البحر عبر آلاف السنين، إذ إن الحدود الساحلية التي نراها اليوم تختلف عمّا كانت عليه في العصور الحجرية، والبرونزية، ما يعني أن مواقع استيطان بشرية قديمة أصبحت اليوم تحت الماء.

وأشار إلى أن هذه الدراسات تساعد الباحثين على تحديد أماكن عيش الإنسان القديم، ومسارات الحركة البشرية والتجارية عبر الزمن، ما يمنح علم الآثار البحري دوراً متقدماً في إعادة فهم تاريخ المنطقة. ولم تغب مسألة الحماية عن النقاشات المصاحبة للمعرض؛ إذ شدد كل من زيدان والعنزي على أن التراث المغمور يمثل منظومة أثرية وبيئية متكاملة يجب الحفاظ عليها في موقعها الطبيعي، مع دعوة خاصة للغواصين والهواة بعدم العبث بحطام السفن، لأنها سجلات تاريخية قائمة بذاتها.

كما ناقشت الجلسة أهمية إشراك المجتمع في حماية هذا الإرث، عبر برامج التطوع التي تتيح للمهتمين والمتخصصين، خصوصاً الغواصين، المشاركة في أعمال التوثيق، والحفاظ على مواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه. في النهاية، يكشف «كنوز غارقة» أن البحر الأحمر لا يزال يحتفظ بتاريخ لم يُقرأ كاملاً بعد.

فكل بعثة استكشاف، وكل قطعة تُكتشف، لا تضيفان معلومة جديدة فحسب، بل تعيدان رسم صورة المنطقة باعتبارها نقطة التقاء حضارات، لا مجرد ساحلٍ على خريطة. فالتاريخ هنا لم يختفِ... بل انتظر تحت الماء حتى يحين وقت ظهوره.


الشيف طرفة الفوزان: السمبوسة والفوانيس دخيلة… والسفرة تحكي أطباق رمضان

الشيف السعودية طرفة الفوزان خلال حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)
الشيف السعودية طرفة الفوزان خلال حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)
TT

الشيف طرفة الفوزان: السمبوسة والفوانيس دخيلة… والسفرة تحكي أطباق رمضان

الشيف السعودية طرفة الفوزان خلال حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)
الشيف السعودية طرفة الفوزان خلال حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

السفرة الرمضانية في السعودية تتجاوز كونها أطباقاً تُرصّ قبيل أذان المغرب، فهي مشهد اجتماعي مكتمل تتجاور فيه الذاكرة مع الرائحة، وتتكئ فيه الجغرافيا على قدر يغلي منذ عشرات السنين. هكذا تصف الشيف السعودية طرفة إبراهيم الفوزان مائدة الإفطار، بوصفها «حكاية بيت» قبل أن تكون وصفة مطبخ، مؤكدة أن لكل منطقة بصمتها الخاصة، وإن اجتمعت القلوب على طقس واحد.

المرقوق أحد الأطباق الشعبية التي أعدتها الشيف السعودية طرفة الفوزان

وتأتي نجد بأطباق رمضانية مثل «التاوة»، حيث تُخبز على الصاج وتُقدَّم مع الدبس أو السمن، و«اللقيمات» وهي كرات صغيرة من العجين تُقلى في الزيت ثم تُغمس في الدبس، بالإضافة إلى حلوى «التطلي» التي تُعرف اليوم بالكاسترد، والمهلبية البيضاء، والشعيرية المحلّاة بالسكر؛ وهي حلويات بسيطة في مكوّناتها وعميقة في رمزيتها. وأوضحت الفوزان أن «السمبوسة» لم تكن دائماً بنت البيت، بل كانت تُشترى أحياناً من الباعة في الشوارع، في مشهد يعكس بساطة الحياة آنذاك.

وأشارت الفوزان إلى أن الفطور النجدي في شهر رمضان يشمل تحضير «القرصان» و«السليق» بالحليب، ومعهما المكرونة الطويلة التي كانت تُكسر 5 كسرات قبل طهيها، في حين يتصدر «الجريش» و«المرقوق» المائدة، إلى جانب أطباق مثل «المراصيع».

اللقيمات أحد الأطباق التي أعدتها الشيف السعودية طرفة الفوزان

واستعادت خلال حديثها مع «الشرق الأوسط» زمناً كانت فيه بعض الأكلات حكراً على شهر رمضان، حتى إن تناول «الجلي» في غيره كان يُعد خروجاً عن المألوف، في إشارة إلى الارتباط الوثيق بين هذه الأطباق والشهر الكريم، وحضورها الموسمي الذي كان يمنحها طابعاً خاصاً في الذاكرة الاجتماعية.

المائدة الشرقية... نكهات البحر والهريس

من الأحساء إلى الجبيل، يفرض «الهريس» حضوره بوصفه سيد الشوربات، فيما تتزين المائدة بـ«الساقو»، وهي حلوى تقليدية تُطهى بالسكر والزعفران وتُقدَّم باردة، و«البلاليط» المطهية بالهيل والزعفران والمكللة بقرص من البيض، على خلاف الطريقة النجدية في إعداد الشعيرية. كما يحضر «الرز الأحمر» المطهو مع الكنعد أو الهامور، بلونه المائل إلى البني بعد تحميصه، إلى جانب «التشريبة»، حيث تبدو النكهات أكثر اقتراباً من البحر وأشد التصاقاً بتفاصيل البيئة الساحلية.

المائدة الغربية... قمر الدين والدخن

تستقبل المنطقة الغربية الصائمين بنكهة مختلفة، حيث يتقدم عصير «قمر الدين» المائدة بلونه البرتقالي الكثيف، في تقليد استقر منذ عقود، وأصبح جزءاً من ذاكرة الإفطار في مدن مثل جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة. وإلى جانبه تحضر «شوربة الدخن» غير المحمصة، بقوامها ونكهتها الهادئة التي تعكس اعتماد المنطقة تاريخياً على الحبوب، كما تتربع «شوربة الحب» المصنوعة من القمح الكامل على عرش الأطباق المشبعة.

ولا تغيب المهلبية والشعيرية عن المشهد، حيث تُزيَّن أحياناً بالقرفة أو المكسرات، وتُقدَّم في صحون فردية صغيرة، كما تحضر أطباق الأرز واللحوم المطهوة بتتبيلات تميل إلى التنوع، متأثرة بحركة التجارة والحجاج التي مرّت عبر مواني البحر الأحمر لقرون طويلة، فحملت معها نكهات وتوابل من بلدان عدّة اندمجت تدريجياً في المطبخ المحلي.

جنوب المملكة... العريكة والخبز على الحطب

ويمتد هذا التنوع جنوباً، في مناطق عسير وجازان والباحة، حيث تتشكل المائدة الرمضانية من علاقة وثيقة بالأرض والموسم. وتُطهى «العريكة» المصنوعة من الدقيق الأسمر أو الدخن والممزوجة بالسمن والعسل، و«المعصوب» بطبقاته الدافئة من الخبز والموز والقشطة، بوصفهما خيارين مثاليين لبداية الإفطار أو ختامه. كما يبرز خبز «الملّة» و«الميفا» المخبوزان على الحطب، برائحتهما المدخنة، في مشهد يستحضر الأفران الحجرية والبيوت الجبلية القديمة.

وتُعد أطباق الدخن والعصيدة من الأطباق الرئيسية، تُسكب في صحون واسعة ويتشكل في وسطها تجويف صغير يُملأ بالمرق أو السمن، فيما تنضم أطباق اللحم المطهو ببطء إلى جانبها، وتُصنع الشوربات من الحبوب المحلية التي تمنح الدفء والشبع بعد الصيام.

المنطقة الشمالية... الدسامة والكرم البدوي

تميل المائدة الرمضانية في مدن شمال المملكة إلى الأطباق الدسمة، خصوصاً في مناطق الجوف والحدود الشمالية وتبوك، وتنسجم هذه الأطباق مع طبيعة الطقس البارد واتساع المساحات المفتوحة. ويتميز «الجريش» بقوامه الكثيف المطهو لساعات حتى يلين تماماً، ويجاوره «المطازيز» المحضّر من أقراص عجين صغيرة تُطهى مع اللحم والخضار في قدر واحد، بينما يأتي «القرصان» بطبقاته المشبعة من الخبز الرقيق والمرق الغني.

وغالباً ما تبدأ السفرة بشوربات القمح أو الشعير قبل أن تصل أطباق اللحم، سواء كانت على هيئة قطع مطهية في المرق أو أطباق أرز يعلوها اللحم، في انعكاس واضح لثقافة الكرم المتجذرة في المجتمعات البدوية، حيث تتعدد أطباق السفرة الشمالية وطرق تقديمها.

وأوضحت طرفة الفوزان، رغم كل هذا التنوع في المأكولات الرمضانية، أن هناك أطباقاً أساسية لا غنى عنها في السفر، مثل «التاوة واللقيمات والسمبوسة»، مع شوربة الجريش أو الشوفان، قائلة: «هي أطباق انتقلت من جيل إلى جيل، ولذلك ارتبطت في وعينا الجمعي برمضان نفسه».

المرقوق أحد الأطباق الشعبية التي أعدتها الشيف السعودية طرفة الفوزان

وقالت الفوزان إن شكل السفرة شهد تغيّرات ملحوظة في العقود الأخيرة؛ فبعد أن كانت تُفرش على الخوص ويُضاء فوقها سراج صغير، دخلت الفوانيس ذات الطابع غير المحلي، وتسللت ألوان وزينات مستوردة لا تعكس البيئة السعودية التقليدية، وهو ما أدى، حسب وصفها، إلى ترسيخ تصور لدى الأطفال والشباب بأن بعض هذه العناصر جزء من التراث، في حين غابت عنهم التفاصيل المحلية الأصيلة التي كانت تميز سفرتهم الرمضانية.

وبيّنت الفوزان أن الحفاظ على هوية المائدة يشمل أدوات الضيافة وطريقة التقديم وحتى المفردات المستخدمة أثناء الإفطار، مشيدة بجهود المؤسسات المعنية بالتراث التي تسعى لإعادة الاعتبار للموروث الرمضاني، لكنها تؤكد أن الدور الأهم يبقى للأسرة ووسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز الوعي الغذائي المحلي، ونشر الثقافة المرتبطة بالتمر والقهوة العربية، وهما عنصران أساسيان يجتمع عليهما السعوديون في كل منطقة، ليكونا العامل المشترك الذي يوحد المائدة رغم اختلاف الأطباق والألوان.