لويد أوستن يدخل التاريخ كأول وزير دفاع أسود في الولايات المتحدة

يلقب بالجنرال «غير المرئي» ولا يحب التحدث مع الإعلام في الشؤون العسكرية

لويد أوستن يدخل التاريخ كأول وزير دفاع أسود في الولايات المتحدة
TT

لويد أوستن يدخل التاريخ كأول وزير دفاع أسود في الولايات المتحدة

لويد أوستن يدخل التاريخ كأول وزير دفاع أسود في الولايات المتحدة

دخل الجنرال المتقاعد لويد أوستن، يوم 22 يناير (كانون الثاني) الحالي، التاريخ كأول وزير دفاع للولايات المتحدة الأميركية من أصول أفريقية. واعتبر تعيين أوستن في هذا المنصب إنجازاً جديداً في الجهود التي تبذلها المؤسسة السياسية الأميركية لنزع صفة التفرقة العنصرية، ليس فقط في الدوائر السياسية، بل والعسكرية، وترجمتها في أكبر وأقوى جيش في العالم. وأيضاً، جاء تعيين أوستن تنفيذاً لوعد انتخابي قطعه الرئيس الأميركي الديمقراطي الجديد جو بايدن، بأن يقدّم إدارة هي الأكثر تنوعاً عرقياً وجنسياً في تاريخ الإدارات الأميركية.
بايدن كان يعلم أن اختياره لأوستن سيحظى بموافقة مجلس الشيوخ، على الرغم من التحفظ الذي يثيره عادة قرار تعيين عسكري لم يمضِ على خروجه من الخدمة 7 سنوات في منصب مدني، خصوصاً على رأس المؤسسة العسكرية. وقال بايدن خلال الإعلان عن ترشيح وزيره الجديد «لقد رأيته يقود القوات الأميركية المقاتلة في ميدان المعركة. شاهدته أيضاً ينفذ بأمانة أوامر القيادة المدنية لهذه الأمة... أعرف هذا الرجل. أعرف احترامه لدستورنا. أعرف احترامه لنظام حكمنا».

نص الدستور الأميركي واضح لجهة تشديده على الحفاظ على سيطرة المدنيين على المؤسسة العسكرية؛ بهدف ضمان إشراف السياسيين على قرارات تلك المؤسسة ومنع تقويض الديمقراطية. لكن استثناءات عدة شهدها هذا المنصب، وسمح بها الدستور نفسه عندما أجاز لمجلسي الشيوخ والنواب منح بعض العسكريين السماح بتخطي هذه العقبة في تصويت خاص قبل الموافقة على تعيينه وزيراً للدفاع.
وبالفعل، شغل العديد من العسكريين السابقين هذا المنصب، إلّا أن اثنين فقط قبل الوزير الجديد الجنرال لويد أوستن، هما الجنرال جورج مارشال والجنرال جيم ماتيس كانا من كبار الضباط المحترفين في الجيش الأميركي. وحصل أوستن في التصويت الخاص بالاستثناء من شرط مرور 7 سنوات على ترك الخدمة الفعلية لتعيينه على 69 صوتاً مقابل اعتراض 27 في مجلس الشيوخ، وعلى 326 مقابل 78 صوتاً في مجلس النواب، بينهم نواب ديمقراطيون على رأسهم سيث مولتون الذي حارب في العراق. ومن ثم، جرى تثبيت تعيينه في مجلس الشيوخ بغالبية 92 صوتاً ضد صوتين فقط. وبعد التعيين غرّد الوزير الجديد «إنه لشرف وامتياز أن أكون وزير الدفاع 28 لبلدنا، وأنا فخور بشكل خاص لكوني أول أميركي من أصل أفريقي يتولى هذا المنصب. لنبدأ العمل».

- سجلٌ عسكري حافل
تقاعد لويد أوستن من الجيش عام 2016 بعد 41 سنة أمضاها في الخدمة. وهو يتمتع بسجل طويل في المهمات العسكرية، وتربطه علاقة طويلة الأمد بالرئيس جو بايدن حين كان الأخير نائباً للرئيس السابق باراك أوباما. ولقد خدم أوستن قائداً للقوات الأميركية وقوات «التحالف» في العراق إبّان فترة ولاية أوباما الرئاسية الأولى، ثم صار عام 2012 أول أسود يشغل منصب نائب رئيس أركان الجيش، وهو ثاني أعلى مناصب الخدمة العسكرية. وبعد ذلك بسنة غدا أول قائد أسود لـ«القيادة الأميركية الوسطى» (السينتكوم) عندما حلّ محل الجنرال جيم ماتيس الذي تقاعد عام 2013. وبقي أوستن في منصبه هذا حتى 2016، حين أشرف على وضع استراتيجية عسكرية لقتال مسلحي تنظيم «داعش» في العراق وسوريا وتولى تنفيذها. هذا، ووُصف نهجه كقائد للقيادة الأميركية الوسطى بأنه نهج «جنرال غير مرئي»، بسبب إحجامه عن التحدث علناً في الأمور العسكرية. وهو الأمر الذي قد يستمر معه في الفترة المقبلة وزيراً للدفاع، في مرحلة سياسية يطبعها الغموض والترقب في العديد من الملفات الحساسة، من إيران إلى أفغانستان، وكوريا الشمالية، وروسيا، والصين.

- «حرب العراق»
شارك لويد أوستن في «حرب العراق» من البداية إلى النهاية. فقد شغل منصب مساعد قائد فرقة المشاة الثالثة أثناء غزو العراق في مارس (آذار) 2003 وأشرف على الانسحاب عام 2011. وعندما تقاعد عام 2016، أشاد أوباما بـ«شخصيته وكفاءته»، فضلاً عن حكمته وقيادته. ولكن على الرغم من إشادة بايدن بقدرة أوستن العسكرية، فإنه تعرض للانتقاد من زميل عسكري مثله، هو السيناتور الراحل جون ماكين، إبّان جلسة استماع شهيرة وسيئة لأوستن في الكونغرس عام 2015 خصصت لمناقشة توصيته بشأن كيفية التعامل مع الحرب ضد «داعش» في سوريا. ويومذاك قال ماكين في الجلسة «بشكل عام، ما تقوله لنا يتناسب مع الأحوال العادية حين يكون كل شيء على ما يرام، غير أن ما نراه هو أن مئات الآلاف من اللاجئين يغادرون ويغمرون أوروبا، كما قُتل 250 ألف سوري». وجاء ذلك رداً على قول أوستن، كقائد للقيادة الأميركية الوسطى: إنه لن يفعّل التوصية بإنشاء «منطقة عازلة» للسماح للاجئين السوريين بالهرب إليها؛ لأن ذلك يتطلب وجود قوات أميركية. وأضاف ماكين لأوستن الذي بدا عليه الإحراج «لم أرَ قط في جلسة استماع من رأي خبير خارجي انفصالاً عن الواقع كما أرى منك الآن».
عام 1975 تخرّج أوستن في الأكاديمية العسكرية الأميركية في ويست بوينت (بولاية نيويورك) وحصل على بكالوريوس العلوم بدرجة ملازم ثان، ليختم مهمته الأولى في فرقة المشاة الثالثة الآلية في ألمانيا. وبعد ذلك حصل على دورة تدريبية متقدمة لضباط المشاة، وعيّن بعدها في الفرقة 82 المجوقلة (المُقلّة جواً) في قاعدة فورت براغ بولاية نورث كارولينا، حيث تولى قيادة سريّة الدعم القتالي، الكتيبة الثانية مشاة المجوقلة، وعمل مساعد عمليات للواء الأول الفرقة 82 المجوقلة.
وعام 1981، عيّن أوستن في مدينة إنديانابوليس، عاصمة ولاية إنديانا، بمنصب ضابط العمليات لقيادة التجنيد في المنطقة، ثم تولى قيادة كتيبة التجنيد بالجيش. والتحق بعد ذلك، بجامعة أوبورن (في ولاية آلاباما)، حيث أكمل دراساته للحصول على درجة الماجستير في التربية. ومن ثم جرى تعيينه في ويست بوينت، حيث عمل كضابط تكتيكي.
بعد اختياره وإكماله علومه في كلية قيادة الجيش والأركان العامة في فورت ليفنوورث بولاية كانساس، عيّن أوستن في الفرقة الجبلية العاشرة مشاة خفيفة في فورت دروم بنيويورك، حيث شغل منصب قائد العمليات، وبعد ذلك ضابط تنفيذي للكتيبة الثانية مشاة ومدير خطط التدريب والتعبئة والأمن فيها.
في عام 1993، عاد أوستن إلى الفرقة 82 المجوقلة في فورت براغ بولاية نورث كارولينا، حيث قاد الكتيبة الثانية المجوقلة، ويتولى لاحقاً قيادة اللواء الثالث في الفرقة. وبعد فترة وجيزة من قيادة اللواء، جرى تعيينه في مبنى البنتاغون بمدينة أرلينغتون (ضواحي العاصمة واشنطن) بولاية فيرجينيا، حيث شغل منصب رئيس قسم العمليات المشتركة، في هيئة الأركان المشتركة. وبعدها كانت مهمته التالية هي مساعد قائد الفرقة للمناورة فرقة المشاة الثالثة ميكانيكية في قاعدة فورت ستيوارت بولاية جورجيا. ومن منصبه هذا ساهم في قيادة مهام الفرقة في غزو العراق في مارس 2003، وحصل على «النجمة الفضية» عن هذه المهمة.

- مع «القيادة الوسطى»
خدم لويد أوستن من سبتمبر (أيلول) 2003 حتى أغسطس (آب) 2005 قائداً عاماً للفرقة الجبلية العاشرة، وقائداً لقوة المهام المشتركة 180 أثناء الحرب في أفغانستان. وكان منصبه التالي هو رئيس أركان «القيادة الوسطى (السينتوم) للولايات المتحدة» في تامبا بولاية فلوريدا، من سبتمبر 2005 حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2006. في نهاية ذلك العام رقّي أوستن إلى رتبة جنرال، وتولى قيادة الفيلق الثامن عشر المجوقل في فورت براغ بولاية نورث كارولينا. ثم في بداية 2008، أصبح أوستن ثاني أعلى القادة في العراق رتبة، حين تولى قيادة الفيلق المتعدّد الجنسيات. وكقائد للقوات المتعددة الجنسيات في العراق، أشرف وأدار عمليات ما يقرب من 152 ألف جندي من القوات المشتركة وقوات «التحالف» في جميع أنحاء العراق.
عام 2009 سلم أوستن قيادة الفيلق الثامن عشر ليصبح مدير هيئة الأركان المشتركة. وجاءت هذه الترقية بتوجيه من الأدميرال مايكل مولين، رئيس هيئة الأركان المشتركة في ذلك الوقت، الذي طُلب منه زيادة التنوع في هيئة الأركان المشتركة. وأقرّ أوستن أن ترقيته هذه دفعت مسيرته المهنية قائلاً «بعد هذه الترقية بدأ الأشخاص في التعرف على لويد أوستن».

- الحرب ضد «داعش»
عندما تولى أوستن قيادة القوات الأميركية وقوات «التحالف» في العراق عام 2010 أشرف على الانتقال من عملية «حرية العراق» والعمليات القتالية، إلى عملية «الفجر الجديد» وعمليات الاستقرار التي تركز على تقديم المشورة والمساعدة وتدريب قوات الأمن العراقية. وشارك على نطاق واسع في المناقشات الأميركية الداخلية ثم المفاوضات مع الحكومة العراقية التي أدت إلى توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية. ولقد عارض أوستن الانسحاب الكامل من العراق، مفضلاً احتفاظ الولايات المتحدة بأكثر من 10 آلاف جندي بعد الانسحاب عام 2011. كذلك أوصى بخطط لإبقاء ما يصل إلى 20 ألف عسكري هناك. وفي النهاية أشرف على سحب وإعادة نشر 50 ألف جندي ليغادر مع الآخرين العراق نهاية ذلك العام.
ومما يذكر، في هذا السياق، أنه بعد سيطرة تنظيم «داعش» على مدينة الموصل في يونيو (حزيران) 2014، أشرف أوستن على تطوير وتنفيذ خطة الحملة العسكرية لمواجهة التنظيم في كل من العراق وسوريا. واعتباراً من أكتوبر 2014، جادل أوستن بأن التركيز الأساسي للجيش الأميركي في العمليات ضد «داعش» يجب أن يكون العراق وليس سوريا. وأقر عام 2015 خلال جلسة استماع للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، بأن برنامج تدريب مسلحي المعارضة السورية لمحاربة «داعش» لم يكن ناجحاً. ليتحول التركيز بعد ذلك على تعزيز دور المسلحين الأكراد وتشكيل ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» التي خاضت الحرب في سوريا ضد التنظيم.
كالعديد من الجنرالات المتقاعدين، عمل أوستن - الذي يصفه عارفوه بأنه رجل «شديد الخصوصية» ويكره التحدث إلى وسائل الإعلام، وغالباً ما كان يتحدث عن نفسه بصفة الغائب – في القطاع الخاص. وشملت حياته العملية بعد التقاعد من الخدمة الفعلية، انضمامه إلى مجالس إدارة عدد من الشركات. إذ انضم بعد تقاعده عام 2016 إلى مجلس إدارة شركة المنتجات العسكرية العملاقة «رايثيون تكنولوجيز». واعتباراً من أكتوبر 2020، قدّرت قيمة ممتلكاته من أسهم الشركة وتعويضاته 1.4 مليون دولار. وفي سبتمبر 2017، عُيّن في مجلس إدارة شركة «نوكور»، وعام 2018 أصبح عضواً في مجلس إدارة شركة «تينيت هيلث». ثم إنه إلى جانب إدارته شركة استشارية، فهو شريك في «باين أيلاند كابيتال» وهي شركة استثمارية تضم أيضاً وزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن ونائبة وزير الدفاع السابقة ميشيل فلورنوي. بيد أنه قال خلال جلسة الاستماع الخاصة بتثبيته وزيراً للدفاع، إنه سيتنحى عن تلك المناصب لمدة أربع سنوات، حسب ما ينص عليه القانون، وهو التعهد الذي أعلن بلينكن التزامه به أيضاً.

- بطاقة هوية
ولد لويد جيمس أوستن يوم 8 أغسطس (آب) عام 1953، في مدينة توماسفيل بولاية جورجيا، حيث نشأ على يد أم كاثوليكية متديّنة، ولا يزال يصف نفسه بأنه مؤمن ويمارس واجباته الدينية.
· تخرّج عام 1975 ضابطاً برتبة ملازم ثانٍ، حاصلاً على بكالوريوس علوم من الأكاديمية العسكرية الأميركية في ويست بوينت بولاية نيويورك.
· حصل عام 1986 على درجة الماجستير في التربية من جامعة أوبورن بولاية آلاباما. ثم عام 1989 على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة وبستر في ولاية ميزوري.
· تزوج منذ أكثر من 40 سنة من شارلين دينيس بانر أوستن التي كانت أماً لطفلين من زواج سابق. وعملت زوجته مديرةً في مؤسسة غير ربحية وفي مجلس إدارة معهد أبحاث الأسرة العسكري في جامعة بورديو بولاية إنديانا.
· حصل أوستن على أوسمة عسكرية عدة في مسيرته المهنية الطويلة، منها «وسام الخدمة الدفاعية المتميزة» و«النجمة الفضية» وميدالية إشادة من الجيش وجوائز أخرى.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.