ارتفاع التوتر على جبهة لقاحات {كورونا}

توقعات بـ«كوارث» إذا لم تحصل عليها الدول الفقيرة

بنغلادش تطلق حملة تطعيم ضد «كورونا» (إ.ب.أ)
بنغلادش تطلق حملة تطعيم ضد «كورونا» (إ.ب.أ)
TT

ارتفاع التوتر على جبهة لقاحات {كورونا}

بنغلادش تطلق حملة تطعيم ضد «كورونا» (إ.ب.أ)
بنغلادش تطلق حملة تطعيم ضد «كورونا» (إ.ب.أ)

خلال الأسابيع الأولى لانتشار وباء «كوفيد - 19» في البلدان الأوروبية مطلع شهر مارس (آذار) من العام الماضي، دارت معركة البحث عن أجهزة التنفّس الصناعي التي كانت تفتقر إليها المستشفيات لمعالجة الإصابات الحادة بالفيروس، ثم عقبتها معركة الحصول على كميّات كافية من الكمّامات والقفّازات الواقية ومستلزمات حماية أفراد الطواقم الصحية الذين كانت نسبة عالية منهم تتعرّض للإصابة.
أما اليوم، وبعد مرور عام على انتشار الجائحة التي أوقعت أكثر من مليوني ضحيّة، وتجاوز عدد إصاباتها الموثّقة عتبة المائة مليون، في الوقت الذي كبّدت الاقتصاد العالمي خسائر لم يعرف لها مثيلاً منذ نحو مائة سنة، باتت الحرب على الوباء محصورة في معركة غير متكافئة للحصول على اللقاحات وتوزيعها على السكان بأسرع وقت ممكن.
وكانت الدراسة الأخيرة التي وضعها معهد البحوث التابع لغرفة التجارة العالمية التي تتخذ من مدينة جنيف مركزاً لها، قد أفادت بأن خسائر الاقتصاد العالمي قد تصل إلى 8.2 ألف مليار دولار إذا لم تتمكّن الدول الفقيرة من الحصول على اللقاحات الكافية ضد «كوفيد - 19» بالتزامن مع الدول الغنيّة التي قد يصل عبء الخسائر التي تلحق باقتصاداتها إلى نصف هذا المبلغ.
وبعد أن كان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، قد حذّر الاثنين الماضي من أن العالم على شفا كارثة أخلاقية، واقتصادية، إذا لم توزَّع اللقاحات بشكل منصف على جميع الدول، نبّهت منظمة العمل الدولية، أمس (الأربعاء)، في تقريرها الدوري إلى أن الاقتصاد العالمي سيصاب بخسائر فادحة إذا لم تصل اللقاحات إلى البلدان النامية لتبدأ حملات التطعيم قبل منتصف هذا العام.
ويستند تقرير منظمة العمل إلى تقديرات حركة الإنتاج والمبادلات التجارية شملت 35 قطاعاً في 65 دولة، ومقارنة نتائجها في حال تطعيم جميع السكان في البلدان الغنية بحلول نهاية الصيف المقبل وعدم التطعيم في البلدان الفقيرة، مع السيناريو الأكثر واقعية، حيث تكون الدول المتطورة قد طعّمت مواطنيها في نهاية هذا العام في حين تعجز الدول النامية عن تحقيق هذا الهدف حتى أواسط العام المقبل أو أواخره.
ويقول الأمين العام لغرفة التجارة العالمية جون دنتون، إنه لا يوجد اقتصاد واحد معزول في العالم، وإن الدول المتطورة ستعاني بشدّة من الركود الاقتصادي مهما أسرعت في استئناف نشاطها العادي، إذا لم توزَّع اللقاحات على البلدان النامية. ويضرب دنتون مثالاً على ذلك بقوله «الإطارات تصنَّع في تايلند، لكن عدم قدرة هذا البلد على إنتاجها بسبب من الجائحة ستكون له تداعيات على قطاع صناعة السيارات في الولايات المتحدة».
وكان دنتون قد دعا الجهات والدول المانحة إلى زيادة تبرعاتها لصندوق «كوفاكس» الذي يضمّ الدول الغنية والفقيرة بإشراف منظمة الصحة العالمية، ويهدف إلى مضافرة الجهود في مجالات البحوث لتطوير اللقاحات وإنتاجها والتفاوض على أسعارها وتوفير ملياري جرعة للبلدان الفقيرة بحلول نهاية العام الحالي، وقال «إن الاستثمار في هذا الصندوق ليس من باب الصدقة ولا حتى السخاء، إنه فعل منطق اقتصادي وحسّ سليم. والاستثمار في تحفيز الاقتصادات الوطنية، مهما بلغ، لن يكون مجدياً إذا لم يترافق مع حصول الدول النامية على العدد الكافي من اللقاحات».
وفي حين أعلن صندوق «كوفاكس» عن توقيع عقد مع بـ«فايزر» لشراء 40 مليون جرعة من اللقاح الذي تنتجه هذه الشركة، أي ما يعادل 2 في المائة فقط من مجموع الكميات التي تعاقدت على تسليمها حتى نهاية العام المقبل، كشف مصدر مسؤول في صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، عن أن ثلاثة أرباع اللقاحات التي ستنتجها شركات الأدوية هذا العام بيعت إلى الدول الغنيّة بموجب عقود سريّة، والربع الباقي يترك للبلدان النامية والمنظمات الإنسانية.
ومن جهتها، صرحت المسؤولة عن برنامج اللقاحات في منظمة «أطباء بلا حدود» مريم عليّة «حتى الآن وزّعت الدول الغنيّة 27 مليون جرعة من لقاح (فايزر) على سكانها، بينما لم توزّع البلدان الفقيرة جرعة واحدة بعد من هذا اللقاح، وذلك في الوقت الذي يكرّر القادة الأوروبيون في تصريحاتهم أن اللقاحات ضد (كوفيد – 19) هي سلعة عامة يجب أن تكون في متناول الجميع، لكنهم ما زالوا يرفضون مبادرة تعليق مفاعيل براءات اختراع اللقاحات حتى انتهاء الجائحة بما يتيح لمصانع الأدوية في البلدان النامية إنتاجها بتكلفة زهيدة». ويذكر أن الهند كانت قد تقدّمت بهذه المبادرة في منظمة التجارة العالمية، حيث نالت تأييد أكثر من 100 دولة، لكن عارضتها الدول الغنيّة بما فيها بلدان الاتحاد الأوروبي.
وكانت منظمة «أوكسفام» قد أشارت في التقرير الذي قدّمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أن الزيادة التي طرأت على الثروات العشر الأولى في العالم خلال السنة الماضية يكفي وحدها لشراء احتياجات جميع البلدان النامية من اللقاحات ضد «كوفيد - 19»، وأن زيادة بمقدار 0.5 في المائة على الضرائب التي يسددها واحد في المائة من كبار الأثرياء خلال السنوات العشر المقبلة كافية لاستحداث 117 مليون فرصة عمل جديدة في قطاعات التربية والصحة والعناية بالأطفال والمسنّين.
في غضون ذلك، يرتفع منسوب التوتّر في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وشركات الأدوية، حيث أعلنت المفوضيّة أمس، أن «آليّة الشفافيّة» التي تلزم الشركات بالإبلاغ مسبقاً عن صادراتها خارج بلدان الاتحاد ستكون جاهزة قبل نهاية الأسبوع الحالي. وتهدف هذه الآليّة لمعرفة إذا كان النقص أو التأخير في إمدادات اللقاحات مردّه إلى انخفاض معدّل الإنتاج كما تدّعي الشركات، أو تصديرها إلى أسواق أخرى.
ويتزامن هذا الارتفاع في حدّة التوتر بين الطرفين مع تعثّر حملات التطعيم في غالبية بلدان الاتحاد الأوروبي التي تتأخر مقارنة بمناطق أخرى. ولم تتجاوز نسبة السكّان الذين تناولوا اللقاح حتى الآن في بلدان الاتحاد 2 في المائة، في حين بلغت هذه النسبة 6 في المائة في الولايات المتحدة، وتجاوزت 10 في المائة في المملكة المتحدة.
ومع تزايد المخاوف من تأخيرات لاحقة في تسليم كميات اللقاحات الموعودة، بدأت بعض البلدان الأوروبية تستعدّ للاعتماد على إنتاجها المحلي في القريب المنظور لتوفير اللقاحات اللازمة. ومن المتوقع أن تبدأ بعض مصانع الأدوية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا في إنتاج اللقاحات التي تعمل على تطويرها، وينتظر أن تنهي المرحلة الثالثة من التجارب السريرية بحلول نهاية الصيف المقبل.
وكانت الشركة الفرنسية العملاقة لإنتاج اللقاحات «سانوفي» قد أعلنت أمس، أنها ستبدأ اعتباراً من مطلع هذا الصيف بإنتاج لقاح بـ«فايزر» بمعدّل 100 مليون جرعة حتى نهاية العام الحالي. وقال المدير العام للشركة بول هدسون، إن التأخير في تطوير اللقاح الرئيسي الذي تنتجه الشركة دفعها إلى مدّ يد التعاون في الجهد الجماعي المبذول للخروج بأسرع وقت من الجائحة.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended