أفلام تسجيلية جديدة عن الثورات والبيئات المهددة

أفلام تسجيلية جديدة عن الثورات والبيئات المهددة

أبرزها عملان لبناني وبريطاني
الاثنين - 12 جمادى الآخرة 1442 هـ - 25 يناير 2021 مـ رقم العدد [ 15399]

منذ سنوات عدّة، لم يعد الفيلم غير الروائي (التسجيلي منه والوثائقي) غريباً في أرض مقفرة. بات متوفراً أكثر من ذي قبل في مختلف الوسائط والمنصّات، من مهرجانات السينما غير المتخصصة (ناهيك عن تلك المتخصصة أصلاً) إلى العروض التجارية أو التلفزيونية، وتلك التي تتوجه مباشرة إلى المنازل عبر منصات مدفوعة.

هي لم تعد فورة ولا موجة بل هي تيار يدلف بالمرء صوب ما يُفترض به أن يكون حقيقة. صورة مقرّبة لا تمثيل فيها ولا حكاية. هذا رغم أن بعض التمثيل متوفر في العديد من الأفلام من خلال التحضير المسبق.

على سبيل المثال، لا يطرق أحد باباً وخلفه كاميرا تصوّره فيُفتح له الباب إلا بعد اتفاق مع من سيفتح الباب على طريقة الريبورتاجات التلفزيونية في أغلب الأحوال. وفي «أنا، غريتا» لناتان غروسمن (2020) مثال آخر على ذلك: يُعاد ترتيب وضع الفتاة الصغيرة غريتا تونبيرغ لكي تفعل ما كانت تفعله قبل ثلاث سنوات من جلوسها على الرصيف وحمل «يافطة» تطالب بالاهتمام الرسمي بمخاطر البيئة. هذا إلا إذا كانت كاميرا المخرج ناتان غروسمن كانت حاضرة (بلا سبب ظاهر) لتواكب غريتا منذ البداية.

ظاهرة غريتا ثونبيرغ مهمّة ومنفردة في طبيعتها. فتاة في مطلع شبابها (15 سنة) جلست على الرصيف مقابل البرلمان السويدي (سنة 2018) حاملة يافطة تدعو لحماية البيئة. من الرصيف إلى المظاهرات والخطب الرسمية بعدما استضافتها مؤسسات علمية واجتماعية كثيرة لجانب عدد من رؤساء الدول الأوروبية قبل وبعد انتقادها لتقاعسهم.

في الفيلم مشهد كامل للقائها بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبرئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، شارل ميشال وخيبة أملها من رد فعلهما الخطابي المتكرر. الحال ليس أفضل لاحقاً مع بوتين وترمب. كلاهما قلل من شأن ما تقوم به وتغزلا بسنّها الشاب كما لو كانت لا تعرف ما تقوم به.

الفيلم يتابعها من البداية وحتى اليوم، لكن كيف تسنى للمخرج ناتان غروسمَن معرفة ما سيؤول إليه وضعها فقام بتصويرها قبل أن تصبح مشهورة؟ هذا يلقي بظلال الشك على الفيلم الذي يبدو كما لو أنه خدمة دعائية وإعلامية، رغم نبل قضيّته. كان يمكن للفيلم أن يفتح نوافذ مختلفة عوض أن يبقى أسير الشخصية الواحدة. الأمر الذي كانت غريتا ترفضه في نشاطاتها.

صادق بلا نيّات

المنحى الأنقى لفيلم تسجيلي لا يداخله ترتيب مسبق ولا يحيد عن قضيّته ليخدم نفسه أولاً، نجده في فيلم «أرز أكتوبر». إذ يدور عن مظاهرات أكتوبر 2019 ويتركنا فيلم سليم صعب (الثالث له) وفي الحلق غصّة مشتركة عن بلد جميل تمّت التضحية به من قِبل زعماء الطوائف وأصحاب المصالح المادية والسياسية وهم - لكي لا ننسى - قلّة قليلة نسبياً تتصرّف هكذا. لا داعي لمقال حول البيئة الفاسدة التي تحكم لبنان ولا عن أهمية أعمال، كهذا الفيلم، تبرز عنفوان الجيل الجديد الرافض لكل ما رضي به الأسبقون.

لا يحاول المخرج اللجوء إلى التاريخ والتصنيف وتسجيل المواقف الانتقادية كما لو كان سيسبر غور ما هو ليس معروفاً لدى الجميع، بل يقدم على التعبير عن موقفه المؤيد لمظاهرات الشباب اللبناني (ذكوراً وإناثاً) من خلال الانتماء فعلياً (عبر الكاميرا التي حملها المخرج بنفسه) إلى جسد المظاهرات كما عبر المقابلات العديدة التي يجريها مع عدد كبير من المتظاهرين.

الجميع يقول، فعلياً، الشيء الواحد وهو أن الوقت حان للتخلي عن الزعامات والانتماءات الطائفية والحزبية والانسجام في جسد لبناني صرف مؤلف من الراغبين في مسيرة تحمي الحاضر والمستقبل. تختلف عن الدعوات السابقة في أنها صادرة من الشعب وليس ممن يقولون شيئا ويخفون أشياء.

فيلم المخرج صعب يوفّر ‪جيداً‬ حالات التعبير عن الرفض عبر الرسم والموسيقى والرأي المباشر للكاميرا. يبرز حضور المرأة في تلك المظاهرات ويضيف حسن التصوير وانتقاء اللحظات التي تشكّل معاً وحدة هذا الفيلم وخطابه. فيلم صادق وبلا نيّات أو تحزبات. ثم يلتفت صوب الإعلام المطبوع الذي قام به البعض مدركين أهميّته القصوى في هذا المجال رغم التقنيات التي تجاوزت، نظرياً، حضور المطبوعة الورقية. قبل حضور المرأة والمسألة الإعلامية أثرى المخرج فيلمه بتصوير الشبّان وهم يحوّلون الجدران إلى لوحات «غرافيتي» كذلك بالاهتمام بالقصيدة الخطابية ومحاولات البعض المشاركة بنصوص شعرية.

إذا كان لا بد من ذكر جانب سلبي فإن ذلك كامن في المفادات المتشابهة التي يطرحها المتحدثون أمام الكاميرا. صحيح أنها جميعاً تكشف وحدة الهدف على الاختلاف الشاسع بين طوائف الناس ومصادرهم الاجتماعية والدينية، لكن المرء يشعر بالاكتفاء في المرّات التي لا تضيف المقابلة ما سبق لسواها ذكره.

مثال جزائري

ومن يقلّب في سجلات المناسبات السينمائية المختلفة سيجد أفلاماً عديدة تتحدّث عن أوضاع سياسية واجتماعية على غرار «أرز أكتوبر» و«أنا غريتا». وكان عدد كبير من الأفلام المصرية عبّرت عن المظاهرات المصرية قبل عشر سنوات لكن القليل منها أحدث الإسهام الذي ينأى بنفسه عن مدح الذات ولفت الانتباه إلى أن المخرج اشترك في المظاهرة وطالب، كسواه، بالتغيير.

كذلك عانت العديد من تلك الأفلام من حقيقة أن طموحها كان مجرد نقل المظاهرات والأحداث بعد أن تناقلت منابر «السوشال ميديا» تلك المشاهد على نحو كثيف. صحيح أن السينما لم تكن في وارد الانكفاء عن التسجيل، لكن القليل من الأفلام أنجزت ما لم يكن معروفاً بالصورة والكلمة عما تناقلته محطات التلفزيون و«اليوتيوب» وسواها.

هذا شمل فيلم كريم عينوز، وهو جزائري هاجر إلى الغرب منذ سنوات بعيدة وحقق أفلاماً جيدة فيها، المُسمّى «نرجس أ.»: تسجيلي حول المظاهرات التي اندلعت في مارس (آذار) سنة 2019 في الجزائر عندما أعلن الرئيس السابق بوتفليقة رغبته في التجديد لنفسه لولاية خامسة.

لا ريب أن الحدث، الذي وُصف في الغرب على أساس أنه أكثر مظاهرات العالم العربي سلمية، استحق الاهتمام المباشر لسينمائي جزائري ذي صوت معروف عالمياً. ما لم ينجزه بنجاح الضرورة الكامنة وراء تخصيص شخص واحد تلاحقه الكاميرا في المظاهرات. صحيح أن هذا الشخص امرأة، وأن الفيلم يستنتج من أنثويتها الدور الذي لعبته المرأة في تلك الثورة معبّرة عن حضورها وطموحاتها، لكن الإحاطة بما هو أعمق وأشمل غاب عن الفيلم.

على ذلك، وضع المخرج خبرته حيث يحتاجها. المشاهد التي تصوّر نرجس وسط المتظاهرين (بعدما كان قدّمها وهي تخرج من منزلها للمشاركة) وتلك التي تصوّر، من حين لآخر، حجم المظاهرات، تتميّز بالحيوية والدراية. هو شغل بصري جيد للعين أكثر منه مادة تحيا للأبد أو تعيش طويلاً في الذاكرة.

لكن لجانب الثورات وحالات الإحباط التي تعيشها مجتمعات عربية من وراء المنتشر من الفساد فيها، نجد غياباً كاملاً للأفلام العربية التي تطرح مواضيع مهمّة أخرى مثل البيئة بما تطرحه على هذه المجتمعات، والعالم بأسره، من مشاكل ما زالت تشي بالأسوأ. ربما السبب في أن السينمائيين المقدمين على النوع التسجيلي كاشتراك فعلي في رصد الحياة الاجتماعية والسياسية مشغولون بالقبض على ما هو حاضر (وهو كثير). في حين أن السينما الغربية، المختلفة، تهتم، فيما تهتم به في مجال الفيلم غير الروائي بالأوضاع البيئية وتحاول لفت انتباه المسؤولين بها.

استنشق رائحة الفوسفات

«أنا غريتا» أعلاه يفعل ذلك لكنه من النوع الذي رتّب مصالحه الشخصية في سياق الرسالة التي يوعز بها. وفي مقابل إيمان الفتاة الشابّة بما تحارب من أجله نجد المخرج يسعى لجعلها أمثولة وهي التي تكرر طوال الفيلم أنها لا تقدم على ما تقوم به وتتبناه لغاية الانفراد بدورها وتعزيز حضورها. في ذلك تبدو شديدة الإيمان بقضيتها على عكس المخرج ناتان غروسمَن.

مثال آخر على السينما التي تتعامل مع قضايا الصحة العامّة والبيئة عموماً يأتينا من بريطانيا عبر فيلم الجميع يطير (Everybody Flies) الذي يكشف عن موضوع خطير وجديد لم يكن معظمنا على علم به.

إنه حول غاز الفوسفات الذي تمزجه الطائرات (تبعاً لتركيبتها الصناعية أساساً) بالهواء المنسحب من خارج الطائرة عند طيرانها. الناتج هو أن الهواء الذي نحاول استنشاقه داخل الطائرة سام. ومع أن العديد منّا سافر مئات المرّات ولم يتعرّض لحالات صحية بسببه، إلا أن ذلك ربما يعود إلى عوامل أخرى مثل المناعة أو قصر المسافة التي يجتازها بالطائرة. مهما كان السبب، يكشف الفيلم عما تحاول شركات الطيران إبقاءه بعيداً عن الكشف. يصوّر حالات عديدة أصيب فيها المسافرون كما طاقم الطائرة بالغثيان وبالإغماء أو بإعياء شديد.

تصوّر مثلاً لو أن كابتن الطائرة كان يجهد لكي يتحكم بالطائرة بعدما شعر بإعياء شديد. مساعده الأول أغمي عليه فعلياً وهو سارع لوضع كمامة الأكسجين ليحمي نفسه مما لا يعرف سببه. رغم ذلك وجد يديه غير قادرتين على القيام بما هو مطلوب منهما عمله وقد أخذت الطائرة تستعد للهبوط.

إنها ليست حالة واحدة، يقرر «الجميع يطير» وما يجعل الفيلم مثيراً جداً للاهتمام وناقوس خطر على الشركات الاستماع إليه ولو أزعجها ذلك، أن المخرج ترستان لورَن هو كابتن سابق في «بريتيش إيروايز» فضّل الاستقالة من عمله قبل عدة سنوات على أن يغفل عن ما يعرفه من حقائق في هذا المجال.

كل شيء بدأ عندما اتصل به زميل تقاعد باكراً، مثله ليخبره بما تحقق منه بالفعل. ذلك الزميل أحيل للتقاعد «بسبب المرض» لكنه يعرف أن السبب الحقيقي هو تسريب غاز الفوسفات خلال السفر الذي أصابه وسواه. والمخرج نفسه يروي حكايات كثيرة من خلال مقابلاته مع طيارين ومضيفات عانين خلال الرحلات وبعضهم تم نقله للمستشفيات للعلاج.

ما يحرص المخرج عليه هو الكشف عن أن الشركات حريصة، بدورها، على الكتمان ويذكر وضعاً شخصياً في حالة الكابتن قال له: «حين اتصلت إدارة شركة الطيران (التي يعمل لها) لم تسأله عن حالته الصحية التي كان من شأنها تعريض الركّاب جميعاً لخطر الموت لو أنه لم يستطع الهبوط بسلامة على أرض المطار، ولا حتى عن تسرّب الغاز إليهم، بل، وعلى لسانه، «فيما إذا أخبرت أحداً بما جرى».

لا يترك المخرج سبيلا للتخمين ويوجه أصابع الاتهام إلى كل شركات الطيران قاطبة: «هي تعلم المخاطر الناتجة لكنها تتستر عليه» كما يقول. ينقل مقابلات جرت مع بعض مسؤولي الخطوط الجوية البريطانية في محطات التلفزيون البريطانية وهم ينفون علمهم بما يواجهون به من دلائل ويكشف عن اشتراك الأطباء المعنيين في شركات الطيران في التزييف عندما ينفون وجود أي خطر. إحدى المضيفات تحمل شهادة من طبيب مستقل بأنها أصيبت بتسمم فعليا. التقرير نفسه ذهب إلى مكاتب الشركة لكنها حين اطلعت عليه وجدته محرّفاً.

ينهي المخرج بملاحظة مخيفة: إذا اشتريت علبة تستخدم في محتوياتها غاز الفوسفات، وجد عليها التحذير التالي: «لا يمكن استنشاقه». يقول في مفارقة مخيفة «رغم ذلك نستنشقه في كل مرّة نطير فيها».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة