مداهمات لاعتقال متطرفين في فرنسا وبلجيكا

الشرطة الفرنسية تعتقل عائدين من سوريا * عمدة بروكسل: 70 شابا سافروا إلى سوريا للقتال عاد منهم 9 فقط

قوات النخبة الفرنسية تعتقل شخصا يشتبه في صلته بمتطرفين يقومون بتجنيد شباب للقتال في صفوف «داعش» في سوريا والعراق أمس (أ.ب)
قوات النخبة الفرنسية تعتقل شخصا يشتبه في صلته بمتطرفين يقومون بتجنيد شباب للقتال في صفوف «داعش» في سوريا والعراق أمس (أ.ب)
TT

مداهمات لاعتقال متطرفين في فرنسا وبلجيكا

قوات النخبة الفرنسية تعتقل شخصا يشتبه في صلته بمتطرفين يقومون بتجنيد شباب للقتال في صفوف «داعش» في سوريا والعراق أمس (أ.ب)
قوات النخبة الفرنسية تعتقل شخصا يشتبه في صلته بمتطرفين يقومون بتجنيد شباب للقتال في صفوف «داعش» في سوريا والعراق أمس (أ.ب)

جرت حملتا اعتقالات في كل من فرنسا وبلجيكا، أول من أمس، في إطار سعي السلطات في الدولتين لمكافحة التطرف بعد الهجمات التي شهدتها باريس في وقت سابق من الشهر الحالي. وبحسب السلطات الفرنسية، فإن نحو 20 شابا من مدينة لونيل جنوب فرنسا، البالغ عدد سكانها 26 ألف نسمة، انضموا منذ الصيف الماضي إلى القتال في صفوف جماعات متشددة في سوريا، حيث قتل 6 منهم تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وقال مصدر للشرطة الفرنسية إن قوات الشرطة الخاصة اعتقلت 4 رجال في بلدة لونيل الجنوبية في إطار عملية لضبط شبكات متطرفة. وذكر المصدر أن اثنين من المعتقلين عادا من سوريا. وسلطت الأضواء على بلدة لونيل بعد أن قالت تقارير وسائل إعلام محلية إن 10 من سكانها سعوا للسفر إلى سوريا للقتال في صفوف المتطرفين. وصعدت فرنسا من حملاتها لملاحقة خلايا لتجنيد المتطرفين بعد مقتل 17 شخصا على أيدي متشددين في 3 أيام من العنف شهدتها العاصمة الفرنسية باريس أوائل شهر يناير (كانون الثاني) الحالي. ومنذ ذلك الحين استجوبت الشرطة في بلجيكا وفرنسا وألمانيا عشرات المشتبه بهم، وفي الأسبوع الماضي طلب مدعون في باريس إجراء تحقيق رسمي مع 4 يشتبه في اشتراكهم في الإعداد لهجمات باريس في الفترة من 7 إلى 9 يناير الحالي.
والعملية التي باشرها عناصر النخبة في الشرطة والدرك في الساعة الثامنة صباحا (تغ) «لا تزال متواصلة»، على ما أفادت صحافية في وكالة الصحافة الفرنسية. وذكرت السلطات الفرنسية أن نحو 20 شابا متشددا من هذه المدينة البالغ عدد سكانها 26 ألف نسمة انضموا منذ الصيف الماضي إلى القتال في صفوف المتطرفين في سوريا، حيث قتل 6 منهم تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما منذ أكتوبر.
واعتقلت السلطات الأمنية البلجيكية 3 أشخاص، على خلفية مواجهة تهديدات إرهابية، وأكد مكتب التحقيقات أمس أن عملية الاعتقال جرت في إطار عملية تنسيقية بين الأفرع الأمنية المختلفة، ورفض مكتب التحقيقات إعطاء مزيد من التفاصيل في الوقت الحالي. وحسب مكتب التحقيقات في مدينة كورتريك القريبة من الحدود مع فرنسا، فقد اعتقلت القوات الأمنية في وقت متأخر من مساء أول من أمس، 3 أشخاص في بلدة هارلبيك القريبة من كورتريك، وتجرى حاليا اتصالات تنسيقية في هذا الصدد مع مكتب التحقيق الفيدرالي البلجيكي المكلف بالنظر في قضايا تتعلق بمكافحة الإرهاب. ورفضت السلطات التعليق على وجود علاقة بين الأشخاص الذي اعتقلتهم الشرطة مساء أول من أمس، و3 من الشباب سافروا الصيف الماضي من مدينة كورتريك إلى سوريا للانضمام إلى صفوف «داعش»، واتخذت السلطات المحلية أخيرا قرارا بشطب أسماء الأشخاص الثلاثة من سجلات سكان المدينة، وعقب ذلك، قام اثنان منهم بتوجيه تهديدات إلى بلجيكا. ومن المنتظر أن يتم الإعلان في وقت لاحق عن مزيد من المعلومات حول ملابسات الاعتقال في كورتريك.
وفي الصدد نفسه، قال إيفان مايور عمدة العاصمة البلجيكية بروكسل، إن 70 شابا من سكان منطقة وسط العاصمة، سافروا إلى سوريا للقتال هناك خلال الفترة الماضية، وعاد منهم 9 أشخاص فقط، كما أن عددا منهم لقي حتفه. وجاء الإعلان عن ذلك خلال اجتماع للمجلس المحلي لبلدية وسط بروكسل العاصمة، للرد على استفسارات وصلت من المعارضة وآخرين، حول الإجراءات التي اتخذتها السلطات لمواجهة الفكر المتشدد بين الشباب صغار السن، وتحدثت في الاجتماع فوزية هاريشي عضو المجلس المحلي والمكلفة بملف التعليم، وقالت إن إدارة التعليم في البلدية تبذل كل الجهود في حدود الإمكانات المالية المتوفرة لها، ومن بين تلك الجهود توفير الأنشطة والمجالات التي يمكن للطلبة أن يعبروا من خلالها عن آرائهم في الصعوبات التي يواجهها المجتمع الذي يعيشون فيه، ووجهت هاريشي الشكر للمدارس والمعلمين على مبادراتهم في هذا الصدد، «وتقوم البلدية بتوفير الضيوف للتحدث في تلك الأنشطة من الصحافيين والفلاسفة والفقهاء ورجال القانون والفنانين».
وقال مايور عمدة بلدية وسط العاصمة بروكسل، إن لجنة من الفلاسفة والمفكرين، جرى الإعلان عن تشكيلها عقب حادث المتحف اليهودي في مايو (أيار) من العام الماضي، تقرر توسيعها وأصبحت تضم 8 أشخاص بدلا من 4، ويشاركون في لقاءات مع الطلبة للتعبير عن الأفكار التي تتعلق بموضوعات مثل التطرف والمواطنة والعنصرية، وقال العمدة مايور: «البعض وجه لنا انتقادات من منطلق أن هذه الندوات تجعل الشباب يتحدثون في السياسة، ولكن الأمر ليس كذلك، فهم يركزون بشكل أكبر على الالتزام والمشاركة». وتتحدث أوساط متعددة في البلاد عن وجود ما يزيد على 350 شابا من بلجيكا ضمن المقاتلين الأجانب في صفوف الجماعات المسلحة التي تشارك حاليا في القتال بمناطق الصراعات في سوريا والعراق. وقبل يومين جرى الإعلان في بلجيكا عن اتخاذ إجراءات إضافية، لتشديد الحراسة والتأمين على شخصيات سياسية في البلاد، بسبب تهديدات ذات صبغة إرهابية، بحسب ما ذكرت محطة التلفزيون البلجيكية الناطقة بالهولندية «في تي إم»، وأضافت أن الأمر يتعلق بثلاثة شخصيات، وتقرر تشديد الحراسة على أماكن ممارسة عملهم وأيضا منازلهم، ومن بينهم رئيس الوزراء شارل ميشال، زعيم الليبراليين، وعمدة مدينة انتويرب (شمال البلاد)، وبارت ديويفر، وهو أيضا زعيم حزب التحالف الفلاماني اليميني، الفائز الأكبر في الانتخابات التشريعية التي جرت في مايو الماضي، والذي يشارك حاليا في الائتلاف الحكومي مع حزب الحركة الإصلاحية الفرنكفونية، الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة ميشال. وقال الأخير في تصريحات من بروكسل، إن الوضع في البلاد تحت السيطرة في أعقاب اكتشاف مخططات إرهابية، وحادث فرفييه شرق البلاد، وأسفر عن مقتل شخصين وإصابة ثالث واعتقاله.. «والأمر الآن في أيدي السلطات القضائية»، ونوه ميشال في تصريحات لمحطة «سي إن إن» الأميركية، بأن الأجهزة الاستخباراتية والأمنية تعمل بشكل جيد في ظل تنسيق بينها، واختتم بأن «الإجراءات الأمنية الأخيرة التي اتخذتها الحكومة كانت ناجحة، ومنها نشر قوات من الجيش في الشوارع، ولكن على بلجيكا أن تظل في حالة يقظة».
وفي الإطار نفسه كانت السلطات البلجيكية في مدينة دورنيك (تورنيه) جنوب غربي البلاد (بالقرب من الحدود مع فرنسا)، قررت إغلاق المجمع السينمائي «إيماجيكس» بالمدينة حتى نهاية الشهر الحالي، وجاء القرار بعد وقت قصير من قيام الشرطة بإخلاء المبنى، بعد تلقي تهديدات إرهابية باستهدافه بالتزامن مع استضافته فعاليات المهرجان السينمائي «رامدام» الذي انطلقت نسخته الثالثة في 20 من الشهر الحالي وكان من المفترض أن تستمر حتى 27 من الشهر الحالي.
وقررت السلطات المحلية ومكتب التحقيق الجنائي التدخل في الأمر بعد الكشف عن التهديدات الإرهابية، وإلغاء فعاليات المهرجان وإغلاق المبني والأنشطة التجارية المرتبطة به، اعتبارا من الجمعة الماضي حتى اليوم 28 من الشهر الحالي.
يشار إلى أنه تم تشديد الإجراءات الأمنية في فرنسا عقب وقوع هجمات إرهابية مطلع يناير الحالي، أسفرت عن مقتل 20 شخصا، بينهم 3 مسلحين فرنسيين لهم صلة بتنظيم داعش وتنظيم «القاعدة في اليمن». ودفعت هذه الهجمات الحكومة لزيادة الإنفاق على جهود مكافحة الإرهاب والدفاع. كما أن هناك خططا لمكافحة الآيديولوجيات المتطرفة. وقال وزير الداخلية الفرنسي إنه سوف يتوجه إلى الولايات المتحدة خلال الأسابيع المقبلة للقاء ممثلين عن شركات «غوغل» و«فيسبوك» و«تويتر» وشركات إلكترونية أخرى، لتشجيع هذه الشركات على المساهمة في مراقبة الصفحات التي تروج للتفكير المتطرف.
إلى ذلك، كشف تقرير بأن المسلمين يشكلون أكثر من نصف عدد المساجين في السجون الفرنسية، وأشار إلى أنه منذ «الهجوم الإرهابي في باريس، تتعالى المطالب بإيجاد سبل جديدة لمنع تحول السجون إلى مراكز لتجنيد المتطرفين». وأوضح التقرير أن رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس أعلن بعد الهجمات على باريس، عن ازدياد ملحوظ في جمع المعلومات الاستخباراتية ومراقبة محاولات تجنيد أفراد لتبني الفكر المتطرف. وتضيف صحيفة «فايننشيال تايمز» إن أحد الاقتراحات المطروحة هو فصل المساجين المتطرفين عن باقي السجناء في محاولة لحمايتهم من مجاراتهم والغرق في التطرف، إلا أن بعض الخبراء ما زالوا غير متفقين على فعالية هذا القرار.



حرب أوكرانيا تكشف أوهام الأوروبيين «الأميركية» وهواجسهم «الروسية»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)
TT

حرب أوكرانيا تكشف أوهام الأوروبيين «الأميركية» وهواجسهم «الروسية»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)

تعي الأكثرية الساحقة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أهمية الخطر الذي تُشكّله روسيا بالنسبة لأمنها. لذا، فإن تركيزها توجه، في السنوات الأربع الأخيرة، إلى الارتقاء بقدراتها الدفاعية الذاتية.

وكان إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي ووريث العقيدة الديغولية، من أشد الدعاة لبناء «الاستقلالية الاستراتيجية» الأوروبية، وذلك منذ عام 2017. وبرزت دعوته مجدداً في كلمته أمام منتدى ميونيخ، حيث حث أقرانه على «إظهار القوة والمثابرة بشأن أوكرانيا... لأنه الوقت المناسب لإبداء الجرأة وقيام أوروبا قوية».

ودعا ماكرون أوروبا لأن «تتعلم كيف تصبح قوة جيوسياسية (رغم أن ذلك) لم يكن جزءاً ⁠من حمضنا النووي... ولذا علينا أن نعيد ترتيب وتنظيم هيكل أمننا في أوروبا؛ إذ إن الهيكل السابق صُمّم بالكامل في زمن الحرب الباردة، وبالتالي لم يعد ملائماً». ودعا جان نويل بارو، وزير خارجيته، إلى «بناء أوروبا قوية ومستقلة... بغض النظر عن الخطابات التي تُلقى في مؤتمر ميونيخ للأمن».

ترمب مستقبلاً بوتين لدى وصوله للمشاركة في قمة ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

وفي السياق نفسه، طالبت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بقيام «أوروبا قوية ومستقلة... تتحمل مسؤولياتها، بما في ذلك تفعيل بند الدفاع المشترك» الذي يشبه البند الخامس من معاهدة الحلف الأطلسي. أما كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، فقد ناشد الأوروبيين «الاستعداد للقتال» وقال: «دعونا نضاعف قوانا، ونبني قاعدة صناعية مشتركة عبر أوروبا، قادرة على تعزيز إنتاجنا الدفاعي».

كذلك حث المستشار الألماني الأوروبيين على العمل لبناء «أوروبا قوية»، وتقوية الجناح الأوروبي للحلف الأطلسي؛ لذا تدفع برلين بمئات مليارات اليورو لتعزيز قدراتها العسكرية، ولتتحول كما قال في كلمته أمام مؤتمر ميونيخ إلى «أقوى جيش أوروبي تقليدي». وتسير بولندا على خطى مثيلاتها الأوروبية لجهة تحديث قواتها.

أولوية الملف النووي

كل ما سبق لا يمكن فهمه إلا على ضوء المخاوف الأوروبية من خطط عدائية روسية على المدى القريب وقبل نهاية العقد الراهن. ومن نافل القول إن الاتحاد الأوروبي يعاني من انقساماته الداخلية المترتبة على الحاجة للتوفيق بين 27 دولة تريد أن تكون سيدة نفسها في مسائل السياسة الخارجية والدفاع. ورغم تشظيهم، فقد اجتاز الأوروبيون في السنوات الأخيرة مراحل مهمة في تعزيز صناعاتهم الدفاعية من خلال برامج إنتاج عسكرية مشتركة، وكذلك الارتقاء بميزانياتهم العسكرية الذي تم غالباً بضغط من ترمب.

وبعد أن كانت غالبية أعضاء التكتل الأوروبي دون سقف الـ2 في المائة من ناتجها الداخلي الخام المخصص للدفاع، فإن معظمها وصل اليوم إلى نسبة 3 في المائة وهدفها المعلن الوصول إلى 5 في المائة مع نهاية العقد الجاري.

وباستثناء فرنسا وبريطانيا الدولتين النوويتين الوحيدتين في القارة القديمة، فإن الميزانيات الدفاعية مركزة على الأسلحة التقليدية المتنوعة، وإن جزءاً منها للحرب السيبرانية والاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي. لكن الحاجة التي تستشعرها أوروبا عنوانها الحماية من السلاح النووي.

فمنذ خمسينات القرن الماضي وإلى سنة خلت، أي حتى عودة ترمب إلى البيت الأبيض، كان الأوروبيون ينعمون بحماية المظلة النووية الأميركية - الأطلسية. وحدها فرنسا تمتلك، داخل التكتل الأوروبي، قوة ردع نووي مستقلة. كذلك أيضاً حال بريطانيا التي خرجت من الاتحاد في عام 2020. لكن ثمة فروقاً بين حالتي فرنسا وبريطانيا؛ إذ إن القدرات النووية البريطانية مرتبطة عضوياً بالردع النووي الأميركي لكون الصواريخ البريطانية المجهزة برؤوس نووية التي تطلق من الغواصات العاملة بالدفع النووي، إنتاج مشترك أميركي - بريطاني ما يعني أن لندن لا تتمتع بالحرية نفسها التي تتمتع بها باريس لجهة استقلالية ردعها النووي.

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

كذلك تجدر الإشارة إلى أن واشنطن نشرت في خمس دول أوروبية صواريخ (ما بين 80 و100 صاروخ) مجهزة برؤوس نووية في ألمانيا، وبلجيكا، وإيطاليا، وهولندا وتركيا. وهذه الصواريخ مخزنة في خمس قواعد جوية خاضعة للرقابة الأميركية، وبالتالي لا يمكن استخدامها إلا بقرار مشترك أميركي - أوروبي. والخلاصة أن أوروبا أوكلت للشريك الأميركي، خلال العقود الماضية، توفير المظلة النووية التي وفرت لها الحماية، ولكن إلى متى؟

عرض الخدمات الفرنسية

هذا الواقع كان موجوداً سابقاً. لكنه اليوم تغير. وما فاقم من المخاوف الأوروبية أن «الخصم» الروسي لم يفتأ يذكّر الغرب بأنه يمتلك هذا السلاح، وأنه لن يتردد في اللجوء إليه. وخلال السنوات القليلة الماضية وبسبب الحرب في أوكرانيا، تطورت العقيدة النووية الروسية، حيث صدرت تصريحات لمسؤولين روس لا تستبعد اللجوء إلى السلاح النووي «الموضعي» أي على أرض المعركة. وهذا الأمر المستجد يضع أوروبا في حالة من الترقب، وانعدام اليقين في ظل الشروخ الجدية مع واشنطن واستبعاد ترمب، أكثر من مرة، تفعيل البند الخامس من معاهدة الحلف الأطلسي بشكل «آلي»، وهي تنص على أن أي اعتداء «خارجي» على عضو في الحلف يعد اعتداءً على الجميع.

الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

وعندما يهدد ترمب بالاستيلاء بالقوة على أراض غرينلاند لدولة أطلسية، فإن البند الخامس يفقد كامل معناه، ويدفع الأوروبيين للبحث عن شبكة أمان مختلفة أو أخرى. وفي هذا السياق، يتعين وضع «عرض الخدمات» النووية الذي تقدم به الرئيس الفرنسي في ميونيخ، حيث أعلن عن وجود «حوار استراتيجي (بشأن الردع النووي) مع المستشار الألماني وشركاء أوروبيين آخرين لبحث كيفية مواءمة عقيدتنا الوطنية للردع - التي تظل سيادية - مع مصالح أمنية مشتركة».

ولأن الموضوع بالغ الحساسية، فقد سارع ماكرون للإشارة إلى أن الأمر «لا يتعلق بتقاسم السلاح النووي الفرنسي، بل بإدماج الردع ضمن مقاربة شاملة لأمن أوروبا». ورغم أن ماكرون يركز على الشراكة مع ألمانيا، حيث إن الهدف يقوم على «خلق تقارب في نهجنا الاستراتيجي وثقافتنا الاستراتيجية بين البلدين... وهو ما يحصل للمرة الأولى في التاريخ مع ألمانيا»، فإنه يوسع «أشكال التعاون النووي الخاص» ليشمل «بعض الدول الرئيسية» الأوروبية التي لم يحددها.

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)

«فرملة» أوروبية

يعي الرئيس الفرنسي أهمية «اللحظة» الراهنة والدور المتفرد الذي يمكن أن تلعبه بلاده. لكن مشكلته أنه لم يضع «عرض الخدمات» في إطار شبكة الأمان النووية الأطلسية. لذا، فإن المستشار الألماني سارع إلى وضع النقاط على الحروف بتأكيده أن «المناقشات (مع ماكرون) لا تستهدف استبدال المظلة (النووية) الأميركية، بل تعزيز الجناح الأوروبي للحلف الأطلسي».

وخلاصته ليست الابتعاد عن الولايات المتحدة، بل إن أولويته المطلقة «تعزيز أوروبا داخل حلف شمال الأطلسي... وإعادة تأسيس الشراكة الأطلسية ما دمنا غير قادرين على ضمان أمننا بوسائلنا الخاصة». وبنظره أن تخطي العلاقة مع واشنطن «غير واقعية»، خصوصاً أن الولايات المتحدة، رغم الدعوات لتحمل أوروبا مسؤولياتها الدفاعية التقليدية، ما زالت ملتزمة، وفق مسؤوليها، بتوفير الغطاء النووي لأوروبا.

لذا يريد المستشار الألماني الذي تمنع المعاهدات الدولية التي وقعتها برلين من الذهاب نحو الاستحواذ على السلاح النووي، التركيز على التكامل مع أميركا (التي ما زالت لها قواعد في ألمانيا) في إطار الحلف الأطلسي وليس الانفصال عنها، وهو ما توحي به ضمناً دعوات ماكرون.

تفترق مقاربة ميرتس عن دعوات ماكرون، بيد أنها تتطابق حرفياً مع مقاربة أمين عام الحلف الأطلسي مارك روته الذي دافع في مؤتمر صحافي في ميونيخ، يوم 14 الحالي، عن أهمية المؤسسة التي يتولى إدارتها.

أمين عام الحلف الأطلسي مارك روته متحدثاً بمؤتمر صحافي بميونيخ يوم 14 فبراير (د.ب.أ)

وقال روته ما حرفيته: «أعتقد أن أي نقاش في أوروبا يهدف إلى تعزيز الردع النووي الجماعي أمر جيد، لكن لا أحد في أوروبا يدعو إلى استبدال المظلة النووية الأميركية»، مضيفاً أن «الجميع يدرك أنها الضامن النهائي، وأن سائر النقاشات الأخرى تأتي مكملة لها». وبالمقابل فقد رحّب بأن أوروبا «باتت تضطلع بدور أكبر على صعيد القيادة في حلف شمال الأطلسي... وتولي اهتماماً أكبر بدفاعها الذاتي»، مؤكداً أن وجود «أوروبا قوية داخل (ناتو) قوي يعني أن الصلة بين ضفتي الأطلسي ستكون أقوى من أي وقت مضى».

فرنسا وحيدة

تجد فرنسا نفسها وحيدة في الدعوة إلى تطوير قدرات نووية خارج الحلف الأطلسي. فبريطانيا مثلاً، كما جاء على لسان رئيس وزرائها كير ستارمر في ميونيخ، متمسكة بدمج قدراتها الردعية في إطار الحلف الأطلسي الذي تدعو إلى تقويته، وتعدها جزءاً لا يتجزأ من الردع الأطلسي.

وتسير بولندا على نهج بريطانيا لجهة التمسك بالمظلة النووية الأميركية - الأطلسية، وهي ترفض مبدأ الردع الأوروبي الأحادي، وترى في المظلة الأميركية - الأطلسية ضمانة قائمة وفورية رغم الظنون والشكوك «الحكومية». وما يصح على بولندا يصح أيضاً على غالبية دول أوروبا الوسطى والشرقية وعلى دول بحر البلطيق التي لا ترغب بمقايضة مظلة نووية أميركية - أطلسية موجودة وجماعية بمظلة نووية أوروبية غير موجودة، وقيامها يستوجب التغلب على عقبات دستورية فرنسية.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مغادراً مطار بودابست بعد زيارة رسمية للمجر، يوم 16 فبراير (أ.ف.ب)

كذلك، فإن باريس نفسها لا تنظر إلى ردعها النووي على أنه قادر على تغطية كل بلدان القارة القديمة. هكذا تبدو صورة الوضع الأوروبي اليوم: بينت حرب أوكرانيا وخطط ترمب أن واشنطن لم تعد الحليف الموثوق به الذي يضمن لها الأمن والاستقرار كما فعل منذ خمسينات القرن الماضي. وبالمقابل، فإنها ترى في روسيا خصماً خطراً يهدد بيئتها. ولأنها ترى أن التهديدات جدية وأن الشريك الأميركي يوفر لها خشبة الخلاص منها، فإنها تتمسك بأمريكا ولا تعرف متى تفلت من بين يديها.


عشية ذكرى الغزو الروسي... زيلينسكي يحض ترمب على الوقوف بجانب أوكرانيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

عشية ذكرى الغزو الروسي... زيلينسكي يحض ترمب على الوقوف بجانب أوكرانيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

حض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الاثنين، نظيره الأميركي دونالد ترمب على البقاء «إلى جانبنا»، وذلك قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي الدامي لأوكرانيا، وفقاً لمقابلة مع شبكة «سي إن إن».

وقال زيلينسكي لـ«سي إن إن» في كييف إنه على الولايات المتحدة أن «تبقى إلى جانب (...) دولة ديمقراطية تحارب ضد شخص واحد. لأن هذا الشخص هو الحرب. (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين هو الحرب».

وتابع الرئيس الأوكراني: «إذا كانوا يريدون حقاً وقف بوتين، فإن أميركا قوية جداً».

وعندما سُئل إن كان يعتقد أن ترمب يمارس ضغطاً كافياً على بوتين، أجاب زيلينسكي: «لا».

وأضاف: «لا يمكننا أن نمنحه كل ما يريده. لأنه يريد احتلالنا. إذا منحناه كل ما يريد، فسنخسر كل شيء (...) جميعنا، وعلى الناس حينها إما الفرار أو الانضمام إلى الروس»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

كانت روسيا قد شنت غزوها الشامل لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، ما أشعل فتيل حرب تعد الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وأسفرت الحرب عن مقتل عشرات آلاف المدنيين ومئات آلاف الجنود من الجانبين. كما نزح ملايين اللاجئين من أوكرانيا التي تعرضت مناطق شاسعة فيها للتدمير.


فرنسا تقيد صلاحيات السفير الأميركي بعد تغيبه عن «استدعاء رسمي»

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ب)
TT

فرنسا تقيد صلاحيات السفير الأميركي بعد تغيبه عن «استدعاء رسمي»

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ب)

طلب وزير الخارجية الفرنسي، الاثنين، منع السفير الأميركي تشارلز كوشنر من التواصل المباشر مع أعضاء الحكومة الفرنسية، وذلك بعد تخلفه عن حضور اجتماع لمناقشة تصريحات أدلت بها إدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن مقتل ناشط من اليمين المتطرف إثر تعرضه للضرب.

كانت السلطات الفرنسية قد استدعت كوشنر، وهو والد جاريد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس ترمب، إلى مقر وزارة الخارجية (كي دورسيه)، مساء الاثنين، إلا أنه لم يحضر، وفقاً لمصادر دبلوماسية.

وبناء على ذلك، اتخذ وزير الخارجية جان نويل بارو خطوة لتقييد وصول كوشنر للمسؤولين «في ضوء هذا المفهوم الخاطئ والواضح للتوقعات الأساسية لمهمة السفير، الذي يحظى بشرف تمثيل بلاده».

ومع ذلك، تركت الوزارة الباب مفتوحاً أمام المصالحة، حيث ذكرت في بيان نقلته وكالة «أسوشيتد برس» أنه «لا يزال من الممكن بالطبع للسفير تشارلز كوشنر القيام بمهامه والحضور إلى (كي دورسيه)، حتى نتمكن من إجراء المناقشات الدبلوماسية اللازمة لتجاوز المنغصات التي يمكن أن تنشأ حتماً في علاقة صداقة تمتد لـ250 عاماً».

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.