ارتياح وترقب سمة الموقف الفرنسي من الإدارة الأميركية الجديدة

باريس متمسكة بـ«الاستقلالية الاستراتيجية» مع الحفاظ على المظلة الأطلسية

الرئيس الفرنسي لدى اتصاله ببايدن لتهنئته بالفوز في الانتخابات في 10 نوفمبر الماضي (رويترز)
الرئيس الفرنسي لدى اتصاله ببايدن لتهنئته بالفوز في الانتخابات في 10 نوفمبر الماضي (رويترز)
TT

ارتياح وترقب سمة الموقف الفرنسي من الإدارة الأميركية الجديدة

الرئيس الفرنسي لدى اتصاله ببايدن لتهنئته بالفوز في الانتخابات في 10 نوفمبر الماضي (رويترز)
الرئيس الفرنسي لدى اتصاله ببايدن لتهنئته بالفوز في الانتخابات في 10 نوفمبر الماضي (رويترز)

منذ ما قبل فوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية الأميركية، ولاحقاً تنصيبه يوم الأربعاء الماضي، كثرت التساؤلات في باريس عن هوية الرئيس الذي «يناسب» المصالح الفرنسية: بايدن أم دونالد ترمب؟ واستدعت الإجابة إجراء مراجعة لما عرفته فرنسا، ومعها الاتحاد الأوروبي، من معاناة في التعاطي مع الرئيس الجمهوري الذي انسحب من اتفاقية باريس للمناخ، ومن الاتفاق النووي مع إيران، وفرض رسوماً مرتفعة على صادرات أوروبية إلى بلاده، وتعامل بفوقية مع الاتحاد الأوروبي والأعضاء الأوروبيين في الحلف الأطلسي، ورفض الإدارة الجماعية لمشكلات وشؤون العالم، وشجع بريطانيا على «بريكست»؛ طبق شعار «أميركا أولاً».
وتطول لائحة «الإهانات» التي وجهها للأوروبيين، على رأسهم المستشارة الألمانية التي اتهمها بـ«تغذية روسيا» من جهة، وطلب الحماية منها من جهة ثانية والامتناع عن رفع مساهمتها في ميزانية الحلف الأطلسي.
وفي باب المآخذ الفرنسية على سياسة ترمب، أن الأخير «غض النظر» عن ممارسات تركيا في سوريا وليبيا ومياه المتوسط وناغوني قره باغ، وانحاز انحيازاً كاملاً إلى جانب اليمين الإسرائيلي على حساب الفلسطينيين، وسعى إلى دفن حل الدولتين. وفي لبنان، تعتبر باريس أن إدارة ترمب «قوضت» بشكل ما جهود ماكرون لإخراج وضعه الكارثي من عنق الزجاجة، بسبب العقوبات التي فرضها على قياديين في «حزب الله» وعلى متحالفين معه. وباختصار، فإن ترمب اعتمد سياسة تأخذ بعين الاعتبار مصالح واشنطن كما يراها، تاركاً جانباً نصائح ومصالح حلفائه الأوروبيين. لذا، لم تكن مفاجأة أن يتسابق هؤلاء، من بينهم فرنسا، في الترحيب الحار بانطلاق ولاية الديمقراطي بايدن. فرئيسة المفوضية الأوروبية رأت أن «صديقاً لأوروبا» سيشغل البيت الأبيض، فيما دعاه رئيس المجلس الأوروبي «رسمياً» للمشاركة في قمة أوروبية قادمة من أجل «ميثاق تأسيسي جديد» بين الطرفين.
أما الرئيس ماكرون، فقد غرد بالإنجليزية معبراً عن «أمنياته الطيبة» للرئيس ونائبته، وعن غبطته بقرار بايدن العودة إلى اتفاقية المناخ، وتوقعه بالعمل معاً «بشكل لم يسبق له مثيل حتى اليوم». ومن دواعي الارتياح الرئيسية اعتبار أن وصول بايدن إلى البيت الأبيض من شأنه أن يمكن من إصلاح العلاقات عبر الأطلسي، وإحياء التعددية التي أصيبت بأربع سنوات من الهجمات الممنهجة من قبل دونالد ترمب. كما ستكون هناك عودة إلى العديد من الاتفاقيات الدولية والهيئات الرئيسية، التي أغلق ترمب الباب أمامها، الأمر الذي يسر فرنسا التي تدافع عن التعددية.
- مقاربة «واقعية»
تقول الأكاديمية المتخصصة بالشؤون الأميركية ماري ــ كريستين بوزوم، إنه «من الطبيعي أن يعبر الأوروبيون عن بهجتهم في البداية بشكل غير مسبوق إزاء انتخاب بايدن. ولكن هذه البهجة لن تدوم، لأن كل طرف سيعود للدفاع عن مصالحه». وتضيف الباحثة أن «بايدن، قبل كل شيء، هو رئيس الولايات المتحدة، وسيكون همه الأول الدفاع عن مصالح أميركا، والعمل من أجل أولوياتها الاستراتيجية، التي هي اليوم الصين وآسيا». وبرأي الباحثة، فإن بايدن سيبقى في إطار الخط الذي بدأه الرئيس الأسبق باراك أوباما وعمقه ترمب بالاستدارة نحو آسيا، حيث يرى التحديات الكبرى.
لكن خطاب بايدن ومساعديه يعكس تمسكاً بحلفاء واشنطن ورغبة في التشاور، ما لا يلغي الاستدارة نحو آسيا. ولذا، فإن التوجه العام في باريس، رغم شعور الارتياح المسبق إزاء الرئيس الجديد، عنوانه التحلي بـ«الواقعية». وتنصب الدوائر المعنية على دراسة المتغيرات التي يمكن أن تظهر في الأسابيع والأشهر المقبلة في مقاربات بايدن، أكانت السياسية أو الاقتصادية، مع شعور عام بالارتياح لما تراه من عودة واشنطن إلى سياسة «تقليدية»، ورغبة في التعاون والتشاور مع الحلفاء.
ومن دواعي ارتياح باريس وصول وجوه معروفة لديها إلى مناصب رئيسية، أهمها تعيين أنتوني بلينكن وزيراً للخارجية. والأخير أمضى جزءاً من حياته في فرنسا، وكان تلميذاً في باريس، وله صداقات منذ الفترة التي عمل فيها داخل إدارة أوباما. وما لاقى أصداء إيجابية تصريحات الأخير أمام مجلس الشيوخ، في إطار الموافقة على تعيينه، حيث شدد على عزم إدارة بايدن «تمتين» التحالفات. ومما جاء في شهادته: «معاً، سنكون في وضع أقوى من أجل مواجهة التهديدات التي تطرحها روسيا وكوريا الشمالية وإيران، ومن أجل الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان... إن القيادة الأميركية (للعالم) ما زالت قائمة».
وما يهم باريس بالدرجة الأولى العلاقة الأميركية المزدوجة بالاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. وتفيد الأوساط الفرنسية بأن باريس ماضية في الترويج لمبدأ «الاستقلالية الاستراتيجية»، ولكن من غير التخلي عن المظلة الأطلسية. والشعور العام أن وصول بايدن وإعادة تمسكه بالحلف والحلفاء قد يدفع عدداً من البلدان الأوروبية إلى التراجع عن البحث عن هذه الاستراتيجية المستقلة، والعودة إلى الانضواء تحت المظلة الأطلسية الأميركية ما من شأنه إضعاف موقف باريس المتمسك بها.
- إيران
تنظر باريس بعين الرضا لعزم بادين العودة إلى الاتفاق النووي، ولرغبته في فتح ملفين إضافيين مع إيران، هما برامجها الصاروخية والباليستية، وسياستها الإقليمية المزعزعة للاستقرار في المنطقة، من الخليج إلى لبنان. لكن الأوساط الفرنسية تنتظر للتعرف إلى تفاصيل ما تسعى إليه واشنطن ونهجها في مقاربة هذا الملف. باريس دافعت دوماً عن الاتفاق النووي، وحثت إدارة ترمب على البقاء داخله مع إطلاق مفاوضات مع إيران لاستكماله لما بعد عام 2025، إضافة إلى الملفين السابقين. لكن ما لا تريده حقيقة، وفق العديد من المصادر والمحللين، رغم وحدة الأهداف، أن تشهد «تراخياً» في الموقف الأميركي يمكن أن تستغله طهران.
وجاءت تصريحات وزير الخارجية جان إيف لودريان بخصوص إيران بالغة التشدد، إذ اعتبر أنها «بصدد بناء قدرات نووية (عسكرية)»، مضيفاً أن العودة إلى اتفاقية فيينا «ستتطلب محادثات صعبة». وما لا تريده باريس هو أن تفرط واشنطن بأوراق الضغط التي بين يديها، على رأسها العقوبات دون التأكد من التوصل إلى أهدافها. وتجدر الإشارة إلى أن باريس كانت الأكثر تشدداً في 2015 إزاء بنود الاتفاق، لا بل إن وزير خارجيتها لتلك الفترة لوران فابيوس كشف لاحقاً أن نظيره الأميركي جون كيري كان «مستعجلاً» في التوصل إلى الاتفاق بضغط من أوباما. وفي الأيام القليلة الماضية، أطلقت باريس جولة من المشاورات بشأن هذا الملف. وحسب معلومات متداولة في باريس، فإن محادثات أميركية ــ إيرانية تمهيدية انطلقت في نيويورك. وجاءت تصريحات بلينكن أمام مجلس الشيوخ للموافقة على تعيينه في منصبه، لتكون بمثابة رد جزئي على المخاوف لدى أعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب أو لدى حلفاء واشنطن في أوروبا والخليج، إذ قال إن العودة إلى الاتفاق «ستكون نقطة انطلاق لنعمل مع حلفائنا وشركائنا للتوصل إلى آفاق أقوى وأكثر ديمومة». هل سيكون ذلك كافياً لطمأنة باريس؟
- تركيا
من دواعي ارتياح باريس توقعها لسياسة أميركية أكثر تشدداً إزاء تركيا، التي ساءت علاقاتها بباريس «والاتحاد الأوروبي» بشكل كبير في السنوات الأخيرة بسبب أنشطة أنقرة في سوريا والعراق وليبيا وشرق المتوسط. وتعتبر الأوساط الفرنسية أن وصول بايدن إلى البيت الأبيض وتلويح الأوروبيين بعقوبات على أنقرة، دفع الأخيرة لانعطافة قوية بغرض «تطبيع» علاقاتها مع الاتحاد، لا بل عدم تردد الرئيس التركي بمراسلة نظيره الفرنسي بعد أن كال له خلال شهور طويلة أسوأ النعوت.
من هنا، فإن هناك تلاقياً بين باريس وواشنطن جاءت شهادة بلينكن لتؤكده. فقد اتهم الأخير في الشهادة المشار إليها تركيا بأنها «لا تتصرف كحليف»، كما أنه لم يستبعد أن تفرض عليها بلاده عقوبات إضافية بسبب شرائها منظمة الصواريخ «إس - 400» روسية الصنع. يضاف إلى ذلك أن تصريحات سابقة للرئيس بايدن شددت على تمسكه بمحاسبة تركيا بسبب ملف حقوق الإنسان، لا بل إنه دعا في مقابلة شهيرة المعارضة التركية للإطاحة بإردوغان عبر صناديق الاقتراع، مقترحاً مد يد المساعدة لها.
- الملف الفلسطيني - الإسرائيلي
أما في السياق الشرق أوسطي، فإن باريس وواشنطن سوف تتلاقيان فيما يخص الملف الفلسطيني ــ الإسرائيلي، إذ إن باريس انتقدت دوماً خطط ترمب و«صفقة القرن»، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري. وترى باريس أن إدارة بايدن ستعود إلى الالتزام بالمواقف التقليدية الأميركية «حل الدولتين»، وهو ما أعاد بايدن التأكيد عليه في اتصال هاتفي بملك الأردن عبد الله الثاني في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. لكن من غير المتوقع أن تتراجع إدارة بايدن عن ملف القدس أو السفارة. وبالمقابل، فمن المرجح أن يعاود بايدن المساهمة في ميزانية الأونروا ويعيد التواصل مع الجانب الفلسطيني. لكن تبقى هناك علامة استفهام حول الدور الذي ستلعبه نائبة الرئيس كامالا هاريس المعروفة بدعمها الشديد لإسرائيل.
وفي سياق مواز، تنظر باريس بارتياح إلى تصريحات وزير الدفاع الأميركي الجديد الجنرال لويد أوستن، لجهة التأكيد على الاستمرار في محاربة الإرهاب وإعادة النظر في قرارات ترمب سحب القوات الأميركية من عدة ميادين، منها العراق. كثيرة الملفات التي تريد فرنسا أن تناقشها مع الإدارة الجديدة، وأحدها يرتدي أهمية خاصة، إذ يتناول المساعدة التي تقدمها واشنطن إلى قوة «برخان» الفرنسية في مالي. وما لا تتمناه باريس أن تعمد القيادة الأميركية إلى إغلاق قاعدة جوية تشغلها في النيجر، ومنها تنطلق الطائرات المسيرة (درون) التي تحتاج باريس لمعلوماتها الاستخبارية الإلكترونية ولصورها في ملاحقة التنظيمات الإرهابية في منطقة شاسعة. وكل ذلك يشكل مادة دسمة لملفات سيلاحقها الطرف الفرنسي بانتظار أن تكشف واشنطن عن مخططاتها المستقبلية.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.