رواية «خبايا اللال»... اكتشاف النفط وسؤال الهوية

فصول من تاريخ الإمارات بداية الخمسينات

رواية «خبايا اللال»... اكتشاف النفط وسؤال الهوية
TT

رواية «خبايا اللال»... اكتشاف النفط وسؤال الهوية

رواية «خبايا اللال»... اكتشاف النفط وسؤال الهوية

تستفيد الكاتبة من التراث المحلي في لغة الرواية، من حيث إبرازها للهجة أهل البادية ومشاهد احتفالات العشائر بالولائم وسباقات الهجن التي تقام ابتهاجًا بمناسبة حفر بئر ماء تبدو رواية «خبايا اللال»، الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة للكاتبة الإماراتية وداد خليفة، وكأنها معادل سردي لمسالك الثروة والشقاء في مناخ صحراوي قاحل، فجأة تتفجر فيه ينابيع الذهب الأسود، فتنقلب الحياة من اليأس إلى الأمل.
وتمتاز الرواية ببنيان لغوي مشرب أحيانا بمفردات من اللهجة البدوية، تمنح تفاصيلها الكثير من الحيوية، في تناولها تاريخ دولة الإمارات في بداية خمسينيات القرن الماضي وتحديدا في المنطقة الغربية من مشيخة أبوظبي، قبيل اكتشاف ذهبها الأسود الضامر في أعماقها لأول مرة في تاريخها.
تفتتح الرواية بمشهد لبطلها «هزاع بالمجادي» في قلب الصحراء والشمس تصب حممها على رأسه، الضاج بالأسئلة عن سر الدأب الذي يبذله الإنجليز وهم يحشدون معسكراتهم في مثل هذا المكان المقفر: «ماذا وجد الإنكريز في هذه المنطقة التي عقمت، لا ماء يسكن باطنها، ولا نبات بترابها، ولماذا يجازفون باختيارها مقرًا لمعسكر شركتهم؟».
يتسع المشهد مع وصول هزاع إلى خارج أسوار معسكر لشركة النفط البريطانية الذي يضم عدداً كبيراً من رجال القبائل، جميعهم في انتظار فتح بوابة المعسكر أو «الكمب»، كما في لغة الرواية، ينتظرون ما بين صبر وتصبر: «الصبر يا خوية، فنحن من تواصوا بالصبر حتى صار الصبر الجميل سجيتنا»، يقول أحدهم، لكن لهزاع، بطبيعته الناقدة، رأياً آخر: «نعم الصبر سجيتنا، لكن في انتظارنا كل تلك الأيام، عل (الإنكريزي الحمر) يتفضل علينا بالعمل بأرضنا، فيه مهانة لنا».
استعادة التراث الشعبي
على مدار صفحات الرواية، 446 صفحة، لم تتبدل نبرة «هزاع» ولا خطابه الأبي الحماسي رغم الفقر وعسر الحال، فهو مثل عشرات رجال العشائر الذين كانوا يتنقلون مع معسكرات الإنجليز وشركة النفط البريطانية، التي ترافقها بعثات تضم فرقا تنقيبية وجيولوجية تستعين بالعمال المحليين من بدو العشائر لأداء مهمات النقل والتركيبات، في ظروف عمل جائرة. تمر الرواية على مشاهدها واحدًا تلو الآخر، جاعلة من بطلها «هزاع» الشاهد والمعبر عن جور تلك الأوضاع، وذلك الصراع الدائر بداخلهم بين فقر وعوز، وسط ترقب لما يعد به الإنجليز من ثروات في باطن الأرض.
تستفيد الكاتبة من التراث المحلي في لغة الرواية، من حيث إبرازها للهجة أهل البادية كما في نعتهم لـ«الإنكريز»، أو توظيفها لأمثالهم وأشعارهم، وأسماء الثياب مثل «الغترة» و«الخزام»، والحيوانات مثل «الدبش» أي الغنم، واللال، وتعني سراب الصحراء، ومشاهد احتفالات العشائر بالولائم وسباقات الهجن التي تقام ابتهاجًا بمناسبة حفر بئر ماء، والإبل وحنينها ومدى ارتباطها عاطفيًا بأصحابها، مرورًا بالاستبشار بالمطر وترنيماته الشعبية (ديمة على ديمة... مسمنة البهيمة)، والتفاؤل بـ«نجم سهيل» الذي كان يتفاءل به العرب آنذاك: «هيض السكون قلبه لمناجاة نجوم السماء، فأرسل أمنياته مع نجم سهيل»، كما تزخر الرواية بالموروثات الشعبية الحميمة كطقوس القهوة التي ترسم لها الكاتبة مشاهد ذات دلالات متفرقة، منها مشهد التفاف العمال بعد العمل الشاق حول فناجينها: «غير فنجان القهوة الأول مزاج العمال، بأن صاح أحدهم (والله القهوة قناد الراس)» وهو مثل يضرب في قدرة القهوة على تطييب الكيف واعتدال الحالة المزاجية وكأن القهوة هي سلوانهم الوحيد في سنوات خدمتهم المضنية.
سؤال الهوية
وتطرح الكاتبة عبر بطلتها «اليازعة بنت ذياب» الملقبة بـ«الحرة» الكثير من ثيمات الرواية، ما بين حنينها «هزاع» الذي عرفته منذ أيام الطفولة وهما يتباريان في حل الألغاز، وانجذابها لـ«الميجور لويس» الضابط الإنجليزي الذي تقدمه الرواية كرمز للقلة الإنجليزية البعيدة عن عنجهية المستعمر، عبر احترامه للآخر وتقاليده، وهو في الرواية يفتتن بالحضور الطاغي لـ«الحرة»، وجمالها واعتدادها بذاتها، فيراها «خيط فضة في الصحراء»، ويفصح السرد من خلال هاتين الشخصيتين عن سؤال الهوية والنظرة الغربية للصحراء ما بين استخفاف بالبداوة، وشغف بما قاله الشعراء والرحالة عن سحر تبرها.
مع كل محطة من محطات التحري عن النفط، كان الاستخفاف بالعمال من أهل العشائر يأخذ منحى أكثر قتامة، مع سقوط ضحايا منهم وسط قلة حيلة من الباقين، وسط ساعات عمل طويلة وفترات راحة قصيرة تحت حمم الشمس اللاهبة. وفي كل مرة، يرتفع صوت هزاع معترضاً على ظروف العمل غير الإنسانية، التي أبسطها شربة ماء: «لن نواصل العمل قبل أن نستريح ونشرب الماء»، غير أن الأمور تفاقمت مع سقوط قتيل بين العمال بعد حادث تسرب غاز، ما جدد ثورتهم حيال غياب الرعاية الصحية للعمال وإسعافات الطوارئ في مواقع الحفر، يقابله تعال من الإنجليز ممثلا في القائد «كلايتون»، مدير معسكر طريف ورئيس مهندسي البترول، الذي يوجه حديثه لأحد الضباط: «يبدو أنك نسيت أنك هنا في صحراء بين أناس بسطاء سذج لا يعرفون أن لهم حقوقًا ولا يطالبون بها».
معادلة النفط والماء
وسط هذا التوتر، يتكرر عبر السرد سؤال الجدوى عن البحث عن النفط: «ليتكم حفرتم بئر ماء، فالماء يمنحنا الحياة وبترولكم الذي تبحثون عنه أخذ منا الحياة»، ويتصاعد السؤال وكأنه صرخة مكتومة، خاصةً مع تنقل البعثات بين المعسكرات فيما يبدو أن البترول سراب. لكن فجأة، ينبثق النفط من موقع «مربان3» وسط صيحات المهندسين والجيولوجيين.
إلا أن المعادلة تتبدل مع تحولات السياسة في العالم، والتي يتردد صداها في الرواية عبر صوت إذاعة «صوت العرب» التي كانت نافذة العمال لمعرفة حركة التمرد الواسعة من حولهم في العالم العربي والثورة على وجود المحتل البريطاني في منتصف الخمسينيات، وما واكبها من مقاومة للمستعمر متمثلة في قرار الحكومة البريطانية مضاعفة حجم قوة ساحل عمان واستمالة المواطنين للالتحاق بالقوة، وهو الوضع الذي يتبدل مع نجاحات اكتشاف النفط في أبوظبي، في لعبة يفرض فيها العمال كلمتهم على شركات النفط الأجنبية بعد سنوات من التضحيات والمناداة بحقوقهم في الرعاية الصحية والترقيات، لترتفع صيحة الفرح وكأنها شارة عتق وحرية: «حين توزعت أبراج النفط في كبد الصحراء تتوهج في أعلاها شعلة تعلن للبدوي أن الغد أفضل».



السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.