«مكافحة الوباء» و«التهديدات الخارجية» على رأس أولويات أوستن

أول وزير للدفاع من أصل أفريقي شدد على تعزيز التنسيق مع «الخارجية»

وزير الدفاع في إحدى جلسات المصادقة الثلاثاء (أ.ف.ب)
وزير الدفاع في إحدى جلسات المصادقة الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

«مكافحة الوباء» و«التهديدات الخارجية» على رأس أولويات أوستن

وزير الدفاع في إحدى جلسات المصادقة الثلاثاء (أ.ف.ب)
وزير الدفاع في إحدى جلسات المصادقة الثلاثاء (أ.ف.ب)

من النادر أن يلقى تثبيت مرشح أي رئيس أميركي جديد لمنصب وزير الدفاع معارضة من الكونغرس. فالمؤسسة العسكرية كانت، ولا تزال، تمثل صورة الولايات المتحدة وحضورها ودورها العالمي، ما يجعل التأخير في تثبيت المسؤول عن قيادتها أمراً غير مستحب. وندر أن يتسلم الرئيس منصبه من دون أن يكون قد تم تثبيت أبرز وزرائه، خصوصاً في الخارجية والدفاع بوقت مسبق. لكن هذا العام كان مختلفاً، بعد التشكيك بنتائج الانتخابات ورفض الرئيس السابق دونالد ترمب الاعتراف بالهزيمة وأحداث العنف التي رافقت نهاية عهده.
سيتسلم لويد، وهو أول وزير دفاع أميركي من أصول أفريقية، وزارة شهدت خلال حقبة ترمب استقالات متكررة لوزرائها دخلوا في خلافات معه، سواءً لأسباب خارجية أو داخلية. فالجنرال جيم ماتيس الذي حصل كأوستن على استثناء من مجلسي الكونغرس لتولي حقيبة الدفاع قبل مضي 7 سنوات على مغادرته المؤسسة العسكرية، استقال بسبب خلافاته مع ترمب على خطط الانسحاب من سوريا والعراق وأفغانستان. فيما استقال خلفه مارك إسبر بسبب إقحام الجيش في الخلافات الداخلية.

تنسيق مع البيت الأبيض والخارجية
في كلمته أمام مجلس الشيوخ، قال أوستن إنه سيقوم بالموازنة بين الدور الخارجي الذي يلعبه البنتاغون والداخلي في أي خلاف. وتعهد القضاء على التمييز والكراهية والعنصرية والتطرف في صفوف القوات المسلحة. وقال: «تحتاج وزارة الدفاع إلى موارد لمطابقة الاستراتيجية، واستراتيجية تتوافق مع السياسة، وسياسة تتوافق مع إرادة الشعب الأميركي». وأعاد التأكيد على أن «سلامة وأمن ديمقراطيتنا يتطلبان سيطرة مدنية كفؤة على قواتنا المسلحة، وإخضاع السلطة العسكرية للمدنية». ولمزيد من التطمينات، أعلن أنه سيضم وكيل وزارة الدفاع للسياسات في اجتماعات صنع القرار العليا، لضمان استنارة القرارات الاستراتيجية والتشغيلية بالتوجهات السياسية للبلاد.
كما أعلن أنه يريد إعادة التوازن إلى التعاون والتنسيق بين هيئة الأركان المشتركة ومكتب وزير الدفاع، لضمان دمج المدخلات المدنية في كل مستوى من العملية. ولا يخفى أن هذا الأمر يأتي لإصلاح الخلل الذي حصل خلال عهد ترمب، الذي عادة ما اتخذ قرارات فردية، وأحياناً أعلنها عبر «تويتر». ولعل التأكيد الأهم الذي سيعيد التوازن إلى السياسة والدور العسكري الخارجي، هو تأكيده على أنه سيعمل جنباً إلى جنب مع وزارة الخارجية، بعدما غاب التنسيق بينهما في السنوات الأخيرة، على الأقل في مناقشة بعض السياسات التي أدت إلى اتخاذ قرار سحب القوات الأميركية من ألمانيا مثلاً.

مكافحة الوباء
لعل أبرز الأدوار الداخلية التي سيلعبها الجيش هو الاستعداد للتموضع «في الحرب» التي أعلنها الرئيس بايدن على وباء «كورونا»، بعد قراره تفعيل قانون الإنتاج الحربي ليغطي الحاجات للتجهيزات واللقاحات والمشاركة في عمليات الإغاثة والتطعيم. وقال أوستن إن «التحدي الأكبر» الذي يواجهه سيكون جائحة فيروس كورونا، متعهداً بمراجعة سريعة لمساهمات الوزارة في جهود الإغاثة، للمساعدة في «توزيع اللقاحات في جميع أنحاء البلاد وتلقيح قواتنا والحفاظ على الاستعداد».

«قوة الفضاء»
ورغم أن موازنة وزارة الدفاع قد شهدت خلال عهد ترمب أكبر زيادة في تاريخها منذ سنوات، ونفذت القوات الأميركية العديد من برامج تحديث معداتها العسكرية، إلا أن البعض يتوقع خفضاً العام المقبل، لأسباب تتراوح بين ضغوط الموازنة العامة والمشكلات الاقتصادية الناجمة عن الوباء، والمساعدات التي تستعد إدارة بايدن لإنفاقها، سواء لمواجهة تداعيات الفيروس أو لتجديد الالتزام باتفاقية المناخ.
ولا تبدو إدارة بايدن والمؤسسة العسكرية راغبتين في التخلي عن قوة الفضاء التي أسسها ترمب، والتي أصبحت فرعاً سادساً قائماً بذاته من فروع القوات الأميركية. لا بل شدد أوستن والبيت الأبيض على أن جهود مواجهة الهجمات السيبرانية والإلكترونية التي بات يرتبط بعضها بأسلحة تدار من الفضاء ستتعزز أكثر، متوعدين المتورطين فيها بدفع ثمن كبير.

إيران
أعاد أوستن التأكيد على الخطر الذي تمثله إيران على القوات الأميركية ودول المنطقة. وقال إن «إيران نووية» ستعقد مواجهتنا لسياساتها في المنطقة. ولعل التدريبات البحرية المشتركة الأميركية - السعودية، وطلعات القاذفات الاستراتيجية «بي 52» المتكررة، تشير إلى أن المؤسسة العسكرية لا تزال ملتزمة بتحالفات الولايات المتحدة في المنطقة، وبالتأهب لأي تطورات غير مستحبة. كما أكد البنتاغون أنه لن يطرأ أي تغيير على قرار ضم إسرائيل إلى منطقة عمليات القيادة الأميركية الوسطى، ما يعني أنه لا يوجد تعارض مع عمليات تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وأن نتائجها العسكرية ستتواصل، في تناغم مع تصريحات أنتوني بلينكن مرشح بايدن لوزارة الخارجية، الذي قال إنه سيتم البناء على «اتفاقيات إبراهيم».

الصين وروسيا
يشير تأكيد أوستن على أن الصين هي أكبر تهديد سريع للولايات المتحدة، وعلى ضرورة الاهتمام بمناطق المحيطين الهندي والهادئ، إلى عدم وجود تغيير في الاستراتيجية الدفاعية، منذ أن وضعها الرئيس السابق باراك أوباما.
كما جاء بيان البنتاغون الذي رحب برغبة إدارة بايدن في تمديد معاهدة «ستارت» لمدة 5 سنوات مع روسيا، ليعكس التنسيق المبكر بين البيت الأبيض والبنتاغون، في هذا الملف. فالبنتاغون لا تريد تشتيت الجهود للدخول في سباق تسلح جديد مع روسيا، على الأقل في هذه المرحلة، في ظل المشكلات الداخلية والخارجية. ويشدد على أن الفشل في تمديد معاهدة ستارت الجديدة بسرعة من شأنه أن يضعف فهم أميركا «للقدرات النووية بعيدة المدى لروسيا». وشدد البنتاغون على تقديم الدعم والتنسيق مع وزارة الخارجية لتنفيذ هذا التمديد، واستكشاف ترتيبات جديدة، مؤكداً في الوقت نفسه على أن البنتاغون سيواصل مراقبة التحديات التي تمثلها روسيا وأفعالها العدائية والمتهورة.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».