أرمين لاشيت... هل يكون وجه ألمانيا الجديد أمام العالم؟

زعيم الاتحاد الديمقراطي المسيحي مدافع عن نظام الأسد وسياسات روسيا والصين

أرمين لاشيت... هل يكون وجه ألمانيا الجديد أمام العالم؟
TT

أرمين لاشيت... هل يكون وجه ألمانيا الجديد أمام العالم؟

أرمين لاشيت... هل يكون وجه ألمانيا الجديد أمام العالم؟

حتى قبل أيام معدودة، لم يكن أرمين لاشيت إلا مجرد سياسي ألماني محلي. إلا أنه اليوم بعد فوزه بزعامة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي قادته أنجيلا ميركل لعشرين سنة، بات وجهاً يثير اهتمام العالم. فهو قد يكون «خلف» السيدة التي تحولت إلى وجه ألمانيا الحديثة، بعدما حكمت البلاد منذ 16 سنة وتغادر منصبها في سبتمبر (أيلول) المقبل بشعبية قد تكون الأعلى لزعيم يخرج من السلطة.
نهاية عهد هذه المرأة المعروفة هنا بـ«ماما ميركل» - أو «موتي» بالألمانية - يدفع كثيرين للتساؤل عن كيف ستكون ألمانيا من بعدها؟ ومن سيحكمها؟ وبما أن حزبها، الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، يحل أولاً في استطلاعات الرأي، فأمام لاشيت فرصة كبيرة بأن يكون هو مَن يحكم ألمانيا بعد ميركل، في حال تخطيه بضع عقبات إضافية أمامه.
في المقابل، فإن هذا السياسي، المعروف بقرب سياساته المتعلقة بالهجرة والتعاون الأوروبي وغيرها من سياسات المستشارة، يحمل أفكاراً خاصة في مجال السياسات الخارجية تخيف البعض، خاصة فيما يتعلق بروسيا والصين وسوريا. هذه الأفكار تناقض بشكل أو بآخر انفتاحه الكبير على التعدد الثقافي وعلى اللاجئين والمهاجرين لدرجة دفعت رفاقه في الحزب يلقبونه بـ«أرمين التركي»؛ بسبب تأييده الشديد دمج الألمان من أصول تركية داخل الحزب والمؤسسات الحكومية. ولكن من يكون فعلاً هذا الرجل الذي قد يصبح قريباً وجه ألمانيا أمام العالم؟
مع أن أرمين لاشيت البالغ من العمر 59 سنة، لم يتبوأ منصباً حكومياً فيدرالياً منذ انخراطه في العمل السياسي، فإن السياسة الخارجية كانت حاضرة في مسيرته. إذ إنه من منصبه الحالي كرئيس حكومة ولاية شمال الراين ووستفاليا - كبرى الولايات الألمانية الـ16 من حيث عدد السكان وأقواها اقتصادياً - يدير لاشيت العلاقات «الخارجية» لولايتها بما يخدم مصلحتها الاقتصادية.
وربما تكون هذه المصالح هي التي تتحكم بالكثير من آرائه السياسية التي عبّر عنها، خاصة فيما يتعلق بروسيا والصين. ففي شمال الراين ووستفاليا هناك قرابة 1200 شركة تعمل في روسيا، وعلاقات الولاية الاقتصادية مع الصين هي الأقوى بين الولايات الأخرى. وفي سياق متصل، فإن مقاربة لاشيت «اللينة» تجاه الدولتين دفعت بالبعض لاتهامه بأنه متعاطف مع «أنظمة أوتوقراطية».

تأييده نظام الأسد
لم تساعد تصريحات لاشيت المدافعة عن رئيس النظام السوري بشار الأسد عام 2014 برد هذه السمعة عنه، بل زادتها صدقية. ورغم أن تصريحاته عن الأسد قديمة، فهي عادت لتظهر بعد انتخابه زعيماً للحزب. ما يذكر أنه عام 2014، قال لاشيت - الذي كان يشغل يومذاك منصب نائب رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل»، إنه يؤيد أي ضربات جوية تستهدف «داعش» في سوريا وإن كانت تصب في مصلحة الأسد، منتقداً دعم الولايات المتحدة فصائل سورية معارضة. وتابع في حينه «أي دعم في القتال ضد (داعش) أمر ضروري ومرحّب به» ولو كان يساعد الأسد. وأضاف «سوريا في ظل حكم الأسد دولة أوتوقراطية، لكنها سمحت للديانات والمذاهب المختلفة مثل المسيحية والشيعة والعلوية واليهود مساحة للتنفس. ولو أطيح بالأسد، كما تريد بعض الدولة الغربية، لكان (داعش) في دمشق الآن، ليس بعيداً عن الحدود مع إسرائيل». على هذا الكلام ردت أورسولا فون دير لاين - التي كانت آنذاك منصب وزيرة الدفاع وهي اليوم رئيس المفوضية الأوروبية – بالقول، إن «المجتمع الدولي لن ينسى أبداً أن الأسد استخدم الغاز السام ضد شعبه».
مع هذا، عاد لاشيت فكتب عام 2018 تغريدة على «تويتر» تشكك في استخدام النظام السوري الأسلحة الكيمياوية وتتهم «داعش» باستخدامها. وقال تعليقاً على تقرير لقناة «زد دي إف» الألمانية حول اعتداء الغوطة عام 2013 «تنظيم الدولة الذي حرك أنيس العامري من سوريا، ما زال ناشطاً... استخدام الغاز السام أمر مقيت بغض النظر عن مستخدمه». وأنيس العامري هو لاجئ تونسي نفذ عملية إرهابية في برلين خلال ديسمبر (كانون الأول) 2016.
وقبل يومين عاد الصحافي ماتيو فون رو في مجلة «در شبيغل» ليذكّر بكلام لاشيت هذا، ويعلق «لاشيت شارك في دعاية النظام السوري الذي ساوى بين الجماعات المعارضة و(داعش)، وشارك هذه النظرية عبر (تويتر) بتحميل (داعش) مسؤولية الاعتداء الكيماوي في الغوطة التي تسيطر عليها المعارضة عوضاً عن اتهام النظام بذلك، علماً بأن (داعش) لم يكن موجوداً في الغوطة».

ودفاع عن سياسات بوتين
وقبل ذلك، في عام 2015، دافع لاشيت حتى عن الوجود الروسي في سوريا. إذ كتب تغريدة قال فيها «لماذا يعتبر انتشار روسيا ضد (داعش) مقلقاً بينما الضربات الجوية الغربية مفيدة؟ الحل الوحيد في سوريا هو مع روسيا»، غاضاً النظر بذلك عن الاتهامات الموجهة لروسيا باستهدافها المدنيين وضرب المستشفيات في سوريا طوال سنوات.
كل هذه التصريحات التي عادت لتطفو اليوم على السطح دفعت ساسة من أحزاب ألمانية أخرى لتوجيه انتقادات للاشيت. فقال النائب عن حزب «الخُضر» أوميد نوربور – وهو إيراني الأصل - إنه تلقى رسائل كثيرة من أصدقاء في أوروبا الشرقية ومن معارضين سوريين يعبرون عن قلقهم من آراء لاشيت. وأردف «كان الأمر سيئاً كفاية عندما كان يحمل هذه الأفكار وهو يقود إحدى الولايات الألمانية، ولكن إذا استمرت هذه الأفكار معه كزعيم لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، فهذا الأمر يشكل خطراً أمنياً على ألمانيا وأوروبا». وحول الموضوع الروسي، فإن دفاعه عن روسيا يتخطى في الواقع وجودها في سوريا. فهو اشتكى مرة من «الشعبوية المعارضة لبوتين لأغراض تسويقية» التي تنتشر في ألمانيا. واقتبس عن هنري كيسنجر قوله «إن شيطنة بوتين ليس سياسة، بل حجة لغياب السياسة». بعدها، عام 2018، شكّك بمسؤولية روسيا عن محاولة اغتيال العميل المزدوج سيرغي سكريبال وابنته في بريطانيا. وهو اليوم في طليعة المؤيدين لاستمرار مشروع «نورد ستريم2» الذي يوصل الغاز الطبيعي الروسي مباشرة إلى ألمانيا، وكان عرضة لعقوبات أميركية بدأت في عهد دونالد ترمب ويتوقع أن ستستمر في عهد جو بايدن.
العلاقة الاقتصادية لولاية شمال الراين ووستفاليا، التي يحكمها لاشيت منذ 2017، مع روسيا قد تفسر مواقفه هذه من موسكو. فهو اعترف مرة بأن هناك قرابة الـ1200 شركة في الولاية تستثمر أو لديها علاقات عمل في روسيا. وتحدث أيضاً اعتماد الولاية الكبير على واردات الغاز الروسي الطبيعي. لكن، في المقابل، يقول أحد المقربين منه يقول بأن علاقته ليس مقربة ببوتين بالشكل الذي هي عليه علاقة رؤساء الولايات الأخرى مع الزعيم الروسي، بدليل أن لاشيت رفض زيارة موسكو حتى الآن. ويقول المقرب منه أيضاً بأن أفكار لاشيت فيما يتعلق بروسيا والسياسة الخارجية لا تختلف كثيراً عن أفكار ميركل. وقد يكون هذه الأمر صحيحاً فيما يتعلق بروسيا؛ كون ميركل تدافع أيضاً عن اتفاقية «نورد ستريم2».

أما لناحية علاقة لاشيت بالصين، فتأكدت أكثر بعد فوزه أخيراً. إذ رحبت الصين بانتخابه واعتبرت أن وصوله للزعامة وربما لاحقاً لقيادة ألمانيا يوحي بأنه سيكمل بالسياسة «الصديقة» للصين التي بدأتها ميركل وتوجت باتفاقية تجارة بين الاتحاد الأوروبي وبكين غير مسبوقة في نهاية العام الماضي عندما كانت ألمانيا تترأس الاتحاد لستة أشهر. ولاشيت، مثل ميركل، يعارض حظر شركة «هواوي» الصينية من المشاركة في المناقصة لبناء شبكة الـ«جي5» في ألمانيا. وكان قد وصف الصين في سبتمبر الماضي بعد لقائه سفيرها في برلين بأنها «شريك قريب مهم»، مشيراً إلى أن ثلث الشركات الصينية في ألمانيا موجودة في ولايته. وتحدث حينها عن المساعي لتعزيز التعاون الاقتصادي في مجالات عدة مع بكين.

كيف ستعامله واشنطن؟
مواقف كهذه قد تضع لاشيت في مواجهة مع إدارة بايدن العازمة على اتخاذ موقف متشدد من الصين، والتي كانت تراهن على التعاون الأوروبي للوصول لمقاربة مشتركة لمواجهة تمدد بكين. وقد تحرج هذه العلاقة لاشيت، المؤيد القوي لعلاقة شراكة قوية مع الولايات المتحدة. وهذا مع العلم أنه سارع لتهنئة الرئيس الأميركي الجديد بُعيد أدائه قسم اليمين، وغرّد «أهنئ الرئيس الـ46 للولايات المتحدة جو بايدن، وأتذكر أن الجنود الأميركيين هم من حرروا بلدتي في أكتوبر (تشرين الأول) 1944، وأمّنوا حرية برلين والعالم الحر. مستقبلنا تحكمه إعادة إحياء الصداقة عبر الأطلسي».
أوروبياً، يعد لاشيت من أشد المؤيدين للاتحاد الأوروبي، وكان قد أمضى 6 سنوات في بروكسل نائب في البرلمان الأوروبي بين 1999 و2005. وانتقد ميركل في السابق لترددها في أخذ ألمانيا بعيداً في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي. وفي «مؤتمر ميونيخ للأمن» العام الماضي «الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يقدم اليوم اقتراحات، ولكن نحن نأخذ وقتاً طويلاً جداً للرد عليها»، في انتقاد مبطن لميركل التي لم ترد على اقتراح ماكرون لجعل أوروبا أكثر اندماجاً وتكاملاً بعد.

«أرمين التركي»
بعيداً عن السياسة الخارجية، فإن لاشيت يعرف بين محازبيه بـ«أرمين التركي»، بسبب دعمه وتأييده دمج من هم من أصول مهاجرة في الحزب ومؤسسات الدولة. وهو رغم سياساته المثيرة للجدل حول سوريا والأسد، يعد من أبرز المؤيدين والمدافعين عن اللاجئين السوريين في ألمانيا. وكان قد زار في الماضي مخيمات لجوء في اليونان وتركيا والأردن للوقوف على وضع اللاجئين فيها. وأيّد سياسة الباب المفتوح التي اعتمدتها ميركل لإدخال مئات الآلاف من السوريين عام 2015.
هذا الانفتاح الكبير على المهاجرين، قد لا يعجب البعض داخل الحزب، خاصة من بين اليمينيين المتشددين الذين يعتبرونه «ليبرالياً». وهؤلاء كانوا يأملون بأن يخلف ميركل في زعامة الحزب زعيم يحمل أفكاراً كأفكارهم، مثل منافسه الخاسر فريدريش ميرز الذي كان تعهد باستعادة الذين خسرهم الحزب لحساب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف في الانتخابات الماضية.
في أي حال، يتمتع لاشيت بقدرة لا بأس بها على توحيد الحزب. واختار التركيز على هذه النقطة في خطابه أمام المندوبين قبل التصويت على زعيم الحزب المقبل، وثبت بالفعل أنه خطاب فائز. وتحدث في خطابه عن والده الذي كان يعمل في المناجم واستلهم منه فكرة «التضامن» ليتحدث منها عن الوحدة داخل الحزب.

بطاقة هوية
يتحدر جدّا لاشيت من الأقلية الألمانية في بلجيكا، بينما زوجته من عائلته بلجيكية والونية تتكلم الفرنسية. ولاشيت نفسه يجيد الفرنسية والإنجليزية، ولقد نشأ في بيت كاثوليكي محافظ، وله من زوجته 3 أولاد.
درس القانون والصحافة بشكل متوازٍ في جامعتي بون وميونيخ، وعمل بعد تخرجه في الصحافة. وكان مراسلاً لقناة تلفزيونية وإذاعة راديو في بون، وعمل أيضاً رئيس تحرير لجريدة «كيرشن تزايتونغ آخن» وهي صحيفة كاثوليكية في مدينة آخن (إكس لا شابيل) الحدودية التاريخية العريقة.
دخل لاشيت عالم السياسة عام 1994، وفاز بمقعد في البوندستاغ حينها، وبعدما خسره في الانتخابات العامة التالية خاض غمار الانتخابات الأوروبي وفاز بمقعد بالبرلمان الأوروبي عام 1999. وعاد إلى ولايته عام 2005 ليبدأ مسيرته في السياسة المحلية وزيراً للعائلة والاندماج عام 2005. وفي عام 2010 ترشح لزعامة الحزب في ولايته، لكنه خسر أمام نوربرت روتغن، المرشح الذي خسر أمام لاشيت في انتخابات زعامة الحزب الأخيرة. عام 2012 عاد لاشيت ليتسلم زعامة حزبه بنجاح في ولايته إثر استقالة روتغن من المنصب. ومع أنه مُني في مسيرته السياسية بخسائر عدة، فإنه بقي مصمماً على التقدم، حتى وصل قبل أسبوع إلى زعامة الحزب.
مع هذا، حتى عند هذه النقطة لن تنهي معاركه. فأمامه معارك أخرى سيخوضها قبل الوصول إلى قيادة البلاد، وخلافة ميركل في منصبها الثاني، مستشاراً لألمانيا.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.