لبنان: حروب نقاط بالجغرافيا مع إسرائيل... وبالسياسة مع «حزب الله»

السنيورة يروي لـ «الشرق الأوسط» تفاصيل عملية ترسيم الحدود البحرية

لبنان: حروب نقاط بالجغرافيا مع إسرائيل... وبالسياسة مع «حزب الله»
TT

لبنان: حروب نقاط بالجغرافيا مع إسرائيل... وبالسياسة مع «حزب الله»

لبنان: حروب نقاط بالجغرافيا مع إسرائيل... وبالسياسة مع «حزب الله»

أحيا تعثر مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، جدلاً سياسياً في لبنان، ويعتقد البعض أنه أضاع على لبنان التقاط فرصة أتاحتها الوساطة الأميركية، بعدما تغلب الاتجاه الداعي لانتظار ما يمكن أن تقدمه الإدارة الأميركية الجديدة. ومعلوم أن عملية التنقيب عن النفط والغاز أمام سواحله تعتريها صعوبات تقنية، وتعاكسها الأوضاع الاقتصادية العالمية التي فرضت مزيداً من الحذر على شركات التنقيب العملاقة، ويضاف إليها أن الجولة الاستكشافية الأولى لم تكن مشجعة حيث لم تكتشف فيها موارد كافية لبدء التنقيب الفعلي.
وفيما حاول «حزب الله» وحلفاؤه الترويج لنظرية تقول إن الحكومات السابقة «فرّطت بحقوق لبنان»؛ تقول الوقائع التي استقتها «الشرق الأوسط» من خبراء وسياسيين كانوا في موقع المسؤولية، إن الحزب لم يكن بعيداً عن أجواء العمل التقني الذي قامت به هذه الحكومات، وكان موجوداً في معظمها، أو كان مقربون منه حاضرين في أعمال التحضير لترسيم الحدود. بدءاً من الأعمال الأولى في عهد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى، ابتداء من العام 2008، بعد اتفاق أولي لترسيم قسم من خط الوسط للحدود بين لبنان وقبرص. هذا الاتفاق الأولي لم يُحل إلى المجلس النيابي لإقراره، بسبب الحاجة لاستكماله بتجديد النقطة الثلاثية للحدود البحرية مع قبرص، في الجنوب مع فلسطين المحتلة، أو في الشمال مع سوريا. ومع تعذر تحديد النقطة الثالثة، استغلت إسرائيل الأمر لرفع سقف مطالبها في المفاوضات غير المباشرة التي عقدت 4 جلسات منها في مبنى تابع للأمم المتحدة في رأس الناقورة، في أقصى جنوب غربي لبنان، أواخر العام الماضي.
استئناف مفاوضات ترسيم الحدود البحرية في جنوب لبنان يمكن أن يتحقق بعد تسلم إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مقاليد الحكم. إذ إن الولايات المتحدة تقوم بدور الوسيط والمسهّل للمفاوضات، غير أن «حزب الله» ومقربين منه أطلقوا في هذه الأثناء حملة اتهامات لرئيس الحكومة اللبناني السابق فؤاد السنيورة، وصفها الرئيس السنيورة لـ«الشرق الأوسط» بأنها «معركة مزايدات» يدّعي فيها الحزب «بطولات، ويزيد من حدّتها من أجل إظهار موقفه بأنه هو الذي يدافع عن مصالح لبنان الوطنية في وجه من يتهمهم زوراً وبهتاناً بأنهم يحاولون التفريط بحقوق لبنان في وجه إسرائيل».
بدأت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية يوم 14 أكتوبر (تشرين الأول) باجتماع وفدين من البلدين في قاعدة للأمم المتحدة عند رأس الناقورة، في مفاوضات غير مباشرة تحت علم الأمم المتحدة وحضورها ورعايتها، وبوساطة وتسهيل أميركيين، في محاولة لحل نزاع بشأن الحدود البحرية عرقل التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة التي يحتمل أن تكون غنية بالغاز.
المباحثات وصلت بعد 4 جلسات إلى حائط مسدود، على خلفية رفع الطرفين سقف الشروط. فقد طالب لبنان خلال جلسات التفاوض بمساحة إضافية تبلغ 1430 كيلومتراً مربعاً إلى الجنوب من النقطة 23 تشمل جزءاً من حقل «كاريش» الذي تعمل فيه شركة إنرجيان اليونانية، تُضاف إلى الـ860 كيلومتراً بحرياً، التي كان الخلاف على أساسها منذ العام 2009. وأودع لبنان الأمم المتحدة مذكرة بها في العام 2011، ما يعني أن لبنان بات يطالب بـ2290 كيلومتراً بحرياً ضمن الخرائط التي قدّمها في جلسات التفاوض الأخيرة، في مقابل الخرائط الإسرائيلية.
وفي الجلسة الرابعة، رفع الوفد الإسرائيلي سقف شروطه، مطالباً بمساحة أكبر تقضم مساحات إضافية في البلوكات البحرية 8 و9 للتنقيب عن النفط في المياه الاقتصادية اللبنانية، أي أنه طالب بمئات الكيلومترات الإضافية، وهو ما ضاعف التعقيدات ووضع العراقيل أمام استمرار المباحثات في الناقورة، ما أصبح يهددها بالتوقف وإعادتها إلى المربع الأول الذي كانت عليه قبل 10 سنوات.
عُلّقت الجلسات، واستنتج الطرف الأميركي، بعد 4 جلسات، أنه لا تقدم بارزاً حصل. ومع أن الأميركيين دخلوا وسطاء في ملف يجزمون بأنه سيؤدي إلى تسوية، فإن التقييم للجلسات السابقة أفضى إلى أن لبنان ذهب بعيداً في شروطه، ما أدى إلى تعقيدات طرأت على هذا الملف. بعدها طلب الجانب الأميركي فرصة لمفاوضات مكوكية قد تنهي المراوحة في الطريق المسدودة. وانطلق الجانب الأميركي بمفاوضات مكوكية على الجانبين اللبناني والإسرائيلي عبر مباحثات ثنائية، كل على حدة، والاستماع إلى الطرفين، لاختبار فرصة التوصل إلى أرضية مشتركة تعيد تفعيل المفاوضات.

مسار الترسيم
توصل لبنان وقبرص في 17-01-2007 إلى اتفاقية ثنائية ومؤقتة وقابلة للتعديل، تُحدد بموجبها حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة في خط الوسط لكل من البلدين، ومبنية على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وتمّ ذلك دون تحديد إحداثيات نقطتي طرفي هذا الخط بشكل نهائي، كون ذلك يتطلب ترسيماً ثلاثياً يشترك البلدان (لبنان وقبرص) فيها، مع سوريا شمالاً - وهي تمنعت عنه - ومع إسرائيل جنوباً، لاستحالة ذلك لأسباب مرتبطة بالخلافات مع العدو الإسرائيلي.
لم تُحِل الحكومة اللبنانية الاتفاقية المؤقتة مع قبرص إلى المجلس النيابي نظراً للحاجة لاستكمال تحديد حدود لبنان النهائية جنوباً وشمالاً، وكذلك للقيام بمزيد من الدراسات. وبناء على ذلك، باشرت الحكومة أعمال استكمال ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة الشمالية والجنوبية انفرادياً، لتعذر الترسيم مع الإسرائيليين من جهة، وسوريا من جهة أخرى.
وفي نهاية 2008، وبناء على طلب من وزير الطاقة والمياه، شُكلت لجنة تتكون من رئاسة الحكومة، ووزارة الأشغال العامة والنقل، ووزارة الطاقة والمياه، ووزارة الدفاع، ووزارة الخارجية والمغتربين، والجيش اللبناني، والمجلس الوطني للبحوث العلمية. وكانت من مهمات اللجنة دراسة الاتفاقية الموقعة مع قبرص، ووضع تقرير حول الحدود البحرية الجنوبية، والتأكد من سلامة ما توصّلت إليه الحكومة في تحديدها لخط الوسط.
وتوصلت اللجنة في 29 أبريل (نيسان) 2009 إلى ترسيم الحدود البحرية جنوباً وشمالاً، فأصبح الطرف الجنوبي هو النقطة الثلاثية 23، جنوب النقطة رقم 1، والطرف الشمالي النقطة الثلاثية 7 شمال النقطة رقم 6. وفي هذا الشأن تبنت الحكومة اللبنانية هاتين النقطتين بكونهما تعطيان لبنان مساحات إضافية جنوباً (Most Aggressive Line) ومجالاً جيداً للتفاوض في الحالتين شمالاً وجنوباً عندما يحين الأوان. وبناء على ذلك، أصدر مجلس الوزراء بتاريخ 13-05-2009 القرار رقم 51 الذي يؤكد الحدود البحرية الجنوبية، علماً بأن حكومة السنيورة الثانية في تلك الفترة ضمّت معظم المكونات السياسية الرئيسة في لبنان، بما فيها أعضاء من «حزب الله»، ما يسحب من أيدي أي كان كل الحجج والمقولات المدعاة بأي تفريط بالحدود.
وأودع لبنان يوم 14 يوليو (تموز) 2010 الأمم المتحدة إحداثيات حدود منطقته الاقتصادية الخالصة الجنوبية في النقطة 23 والمحددة بشكل منفرد، كذلك أودع إحداثيات الحدود الشمالية مع سوريا في النقطة 7 والمحددة أيضاً بشكل منفرد.

مخالفة قبرصية
مع أن الاتفاق مع قبرص لا يعتبر نهائياً لأن الترسيم يتطلب موافقة جميع الأطراف التي تشترك بالحدود، ولا يحق لأي طرف أن يمضي بأي اتفاق ثنائي، ارتكبت قبرص مخالفة تمثلت بتوقيع اتفاق ترسيم الحدود بينها وبين إسرائيل في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 بشكل منفرد، وبعد 5 أشهر على إيداع لبنان إحداثيات النقطتين 23 و7 لدى الأمم المتحدة. وهي فعلت ذلك من دون إعلام لبنان والحصول على موافقته كما ينص الاتفاق المؤقت الموقع ما بين لبنان وقبرص.
اعترضت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي على تلك الاتفاقية بتاريخ 20 يونيو (حزيران) 2011 لدى الأمين العام للأمم المتحدة، وذلك لاعتماد إسرائيل النقطة رقم «1» نقطة فصل مشتركة بين لبنان وفلسطين المحتلة بدلاً من النقطة «23» التي كانت الحكومة اللبنانية (حكومة السنيورة الثانية) حددتها عام 2008، بعكس ما كان يشيعه «حزب الله» وحلفاؤه بأن هذه الحكومة حددت نهاية خط الوسط بالنقطة رقم «1» وأن الآخرين هم الذين حددوا نهاية هذا الخط بالنقطة «23».
وبعد الترسيم القبرصي الإسرائيلي الثنائي، رسمت إسرائيل في 12 يوليو 2011 حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة البحرية مع لبنان من جانب واحد (النقطة رقم «1»)، وأودعت إحداثيات نقاط ذلك الترسيم لدى الأمم المتحدة. وجرى ذلك بعد سنة كاملة من التاريخ الذي كان قد أودع فيه لبنان إحداثيات حدوده البحرية من جانب واحد مع فلسطين (النقطة «23»).
واعترفت إسرائيل، بموجب رسالتها للأمم المتحدة، أن الترسيم الذي أجرته غير نهائي حيث إنه يمكن تعديل إحداثيات النقطة رقم «1» المذكورة في الاتفاقيتين اللبنانية القبرصية، والإسرائيلية القبرصية، وذلك بعد الاتفاق النهائي على ذلك بين الدول المعنية.

اعتراض لبناني
اعترضت الحكومة اللبنانية لدى الأمم المتحدة برسالة موجهة بتاريخ 3 سبتمبر (أيلول) 2011، وصدر القانون اللبناني رقم 163، القاضي بتحديد وإعلان المناطق البحرية للبنان، بتاريخ 18 أغسطس (آب) 2011، وأناط بالحكومة إصدار مرسوم لتعيين الحدود البحرية. وقرّرت الحكومة اللبنانية الإبقاء على ما جرى التوصل إليه في تقرير اللجنة الخاصة الصادر عام 2009. والتي أكّدت على ما قامت به الحكومات اللبنانية قبل ذلك بين 2007 إلى 2009. وبالتالي، صدر المرسوم بتاريخ 01-10-2011 عن حكومة ميقاتي، وتبنّت به تلك الحكومة أعمال اللجنة، والقرار الذي صدر عن مجلس الوزراء رقم 51 عام 2009. وهي الحكومة التي كان يتمتع فيها «حزب الله» بتمثيل وازن. ويرى مطلعون أن قرار الحكومة اللبنانية آنذاك جاء ليؤكد من جديد معرفة وإقرار «حزب الله» بشكل مباشر بصحة ما قامت به الحكومة من خطوات وقرارات منذ 2007 حتى 2011.
كذلك عام 2012 شكّلت حكومة ميقاتي لجنة خاصة جديدة لإعادة درس ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة (قرار مجلس الوزراء 75-2012 في 11-05-2012). وخلصت اللجنة إلى التأكيد على العمل الذي قامت به لجنة عام 2008، وذكَّرت أن ما قامت به الحكومة اللبنانية ولجنة عام 2008 «كان في الأصل من أجل تأمين موقع متقدم للبنان في الدفاع عن موقفه في حال التفاوض مستقبلاً على الحدود النهائية».
وبعدها، تدخلت الولايات المتحدة محاولة إيجاد حل، وبادر المبعوث الأميركي هوف Hoff إلى اقتراح حلّ لذلك الخلاف بين لبنان و«إسرائيل» حول المنطقة ما بين النقطتين 1 و23 (860 كيلومتراً مربعاً)، وذلك بأن يحصل لبنان على ما يعادل 500 كيلومتر مربع من تلك المنطقة، وتحصل إسرائيل على 360 كيلومتراً مربعاً منها. وهو ما اعترض عليه لبنان، وطالب بأن يتم التوصل إلى اتفاق عبر الأمم المتحدة.

خديعة إسرائيلية واتهامات سياسية
بعد أسبوع واحد على فتح لبنان البلوكات البحرية الحدودية 8 و9 و10 للمزايدة ضمن دورة التراخيص الأولى، حاولت إسرائيل إرباك لبنان بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة في 2 فبراير (شباط) 2017 تعترض فيها على خطوة لبنان بالبدء بالإجراءات المتعلقة بالأنشطة البترولية في المنطقة البحرية المتنازع عليها، قائلة إنها لن تسمح لشركات النفط بالقيام بأعمال الاستكشاف والحفر واستثمار الثروة النفطية في تلك المنطقة. وردّ لبنان بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة في 20 مارس (آذار) 2017 يعترض فيها على رسالة التهديد الإسرائيلية، ويؤكد فيها أن البلوكات البحرية تقع كلياً ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان.
وتجدر الإشارة أن إسرائيل عمدت إلى تقسيم المناطق العائدة لمنطقتها الاقتصادية الخالصة المتاخمة لحدود لبنان إلى بلوكات تقع كلها داخل المنطقة التي تدعي أنها تابعة لها على أساس الخط الذي رسمه لبنان، أي على الخط المنطلق من رأس الناقورة حتى النقطة 23. إلا أنها طالبت من جانب آخر بالمساحات الواقعة بين النقطة 1 والنقطة 23 والبالغة 860 كيلومتراً مربعاً كوسيلة للضغط بهدف إعاقة جهود لبنان في البدء بالتنقيب في منطقته الاقتصادية الخالصة، ولا سيما البلوكات 8 و9 و10.

حملة على السنيورة
إثر ذلك، رفع «حزب الله» وتيرة هجومه واتهاماته للرئيس السنيورة ولحكومتيه، وأخذ يشنّ «معركة مزايدات ويدعي بطولات ويزيد من حدّتها من أجل إظهار موقفه بأنه هو الذي يدافع عن مصالح لبنان الوطنية في وجه من يتهمهم زوراً وبهتاناً بأنهم يحاولون التفريط بحقوق لبنان في وجه إسرائيل»، كما يقول السنيورة.
السنيورة، قال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنه ينظر إلى تهجم «حزب الله» عليه شخصياً وعلى حكومتيه واتهامهما بالتفريط بالحقوق، من زاوية المواقف الشعبوية. وبينما يواجه الاتهامات بسرد وقائع من تلك الحقبة، يتوقف عند مفارقة أخرى، تتمثل في تعمّد الحزب إغفال المسألة التي تمثل الجانب الآخر من هذه القضية، والمتعلقة بشمال المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، الواقعة بمحاذاة المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لسوريا.
يشير رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق إلى أنه بعدما رسّم لبنان منفرداً بشكل مؤقت حدود منطقته الاقتصادية الخالصة الشمالية، «عمدت سوريا إلى القيام بذات الممارسة التي قامت بها إسرائيل، فيما يختص بادعائها ملكية قسم من المنطقة الاقتصادية الخالصة العائدة للبنان، على غرار ما ادعته إسرائيل ملكيتها جزءاً من القسم الجنوبي من تلك المنطقة العائدة للبنان». ويضيف: «التزم (حزب الله) الصمت والسكوت المطبق فيما خصَّ الموقف السوري، الذي اعترض على الترسيم اللبناني المنفرد لمنطقته الاقتصادية الخالصة في الشمال، عبر إرسال سوريا رسالة احتجاج أرسلتها إلى الأمم المتحدة في العام 2014. ولا سيما أن سوريا ادعت ملكية جزء من المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، وذلك مثلما فعلت إسرائيل من ناحية الجنوب».
ويرى السنيورة أن «ذلك كله يؤكد أن موقف (حزب الله) لم يكن إلا عملاً شعبوياً ودعائياً، القصد منه فقط اختلاق وافتعال قضية يتمسك بها، ولحرف انتباه اللبنانيين عن المشكلات الحقيقية التي يعاني منها اللبنانيون، وادعاء الطهرانية، وأنه هو الذي يدافع عن الحقوق. في المقابل يقوم بتوجيه الاتهامات للآخرين بالتفريط بحقوق لبنان». ويضيف أنه «أكثر من ذلك، كان همّ الحزب من ذلك تشتيت انتباه اللبنانيين وعدم التركيز على اعتماد الإصلاحات الحقيقية لإيجاد الحلول الصحيحة لمشكلاتهم المتفاقمة من جهة أولى، كذلك، ومن جهة أخرى للتعمية وإبقاء المبررات لـ(حزب الله) في الاستمرار بالاحتفاظ بسلاحه، وهو الأمر الذي كان ولا يزال مصدر القلق الأساس له، والذي يتحكم بمجمل مواقفه وقراراته».
في ظل التعقيدات التي تطال مفاوضات الترسيم، تبرز الحاجة للتوصل إلى حلّ عادل لحدود لبنان في منطقته الاقتصادية الخالصة في الجنوب وبعدها في الشمال. ويشدد السنيورة على «ضرورة وضع صيغة تتم عبر رعاية تقوم بها الأمم المتحدة لمفاوضات غير مباشرة، وتتم فيها الاستعانة بمحكَّم أو جهة دولية منصفة يمكن التوصل من خلالها، وعبر رعاية الأمم المتحدة، إلى حلّ حقيقي منصف للبنان». ويؤكد أنها «القاعدة التي يمكن اللجوء إليها كذلك في تحديد الحدود النهائية للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان من ناحية الشمال ومع الشقيقة سوريا».

تعثّر وصول الغاز المصري إلى لبنان منذ 2008
> يعوّل لبنان على استخراج الغاز من مياهه الاقتصادية، بعد العثرات التي حالت دون وصول الغاز المصري إلى لبنان منذ العقد الماضي. وأوضح السنيورة خلال ندوة عن مسائل متعلقة بالمواد البترولية الموجودة في المناطق الاقتصادية الخالصة لدول شرق البحر المتوسط عام 2019، أنه أصبحت هناك إمكانية لاستيراد الغاز من مصر في العام 2008، بعد إنشاء خط بين مصر والعقبة، وصولاً إلى جنوب سوريا عبر الأردن، ويطلق عليه اسم «خط الغاز العربي».
ولقد بدأ لبنان باستيراد الغاز في العام 2008، لكنه في الواقع لم يستورد الغاز المصري، لأن دمشق كانت تأخذ تلك الحصة، وتعطي لبنان في المقابل غازاً سورياً عبر طرابلس، نظراً لعدم استكمال الخط داخل سوريا من الجنوب السوري حتى حمص شمالاً، واستمر الأمر على هذا النحو إلى أن توقفت مصر عن التصدير في العام 2009.

رحلة الاستكشاف منذ 2000
> بدأت أعمال الاستكشاف عن الغاز اللبناني في العام 2000، بعد توقيع اتفاقية بين لبنان وشركة «سبيتكروم» التي ساعدت لبنان في عملية الاستكشاف في أعماق المناطق الاقتصادية اللبنانية على أساس التقنية ثنائية الأبعاد. واختار لبنان النرويج لأنها دولة ذات خبرة طويلة تمتد إلى 40 سنة في قطاع الاستكشاف والاستخراج والاستثمار، وخصوصاً في المناطق المغمورة، وتتمتع بسمعة جيدة في إدارة الموارد المالية الناتجة عنها وفي الفرص الاقتصادية المتحققة من هذا القطاع.
وعلى أساس عملية الاستكشاف، جرى تقسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان إلى 10 رقع بحرية، بالتزامن مع تقسيم المناطق الاقتصادية لدول المتوسط إلى رقع شبيهة، علماً بأن أول اتفاق إقليمي على تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلدين في المتوسط وُقّع بين مصر وقبرص في 17 يناير (كانون الثاني) 2003. عندما كانت شركة «سبيتكروم» تقوم بالاستكشاف في المنطقة الخاصة بلبنان.
عام 2006 زار رئيس الحكومة النرويجية لبنان، والتقى نظيره اللبناني الرئيس فؤاد السنيورة، وتوصل البلدان إلى اتفاق يقضي بمساعدة النرويج للبنان في هذا القطاع الحيوي الذي يعد قطاعاً جديداً وواعداً بالنسبة للبنانيين.
وفي فبراير 2018، وقّع لبنان أولى اتفاقياته البحرية لاستكشاف وإنتاج الطاقة في اثنتين من 10 رقاع قبالة الساحل اللبناني، مع كونسورتيوم، يضم «توتال» الفرنسية و«إيني» الإيطالية و«نوفاتك» الروسية.
وفي 13 ديسمبر (كانون الأول) 2019، أعلنت وزيرة الطاقة والمياه ندى بستاني «إصدار وتسليم أول ترخيص لتجمع شركات توتال وإيني ونوفاتيك، للتنقيب عن النفط والغاز في بلوك 4»، وذلك بعد إنجاز الشركات كل تحضيراتها للبدء بعملية الحفر. وكان التزام الشركات بالمهل التنفيذية دليلاً على استمرار الثقة بلبنان.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.