لبنان: حروب نقاط بالجغرافيا مع إسرائيل... وبالسياسة مع «حزب الله»

السنيورة يروي لـ «الشرق الأوسط» تفاصيل عملية ترسيم الحدود البحرية

لبنان: حروب نقاط بالجغرافيا مع إسرائيل... وبالسياسة مع «حزب الله»
TT

لبنان: حروب نقاط بالجغرافيا مع إسرائيل... وبالسياسة مع «حزب الله»

لبنان: حروب نقاط بالجغرافيا مع إسرائيل... وبالسياسة مع «حزب الله»

أحيا تعثر مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، جدلاً سياسياً في لبنان، ويعتقد البعض أنه أضاع على لبنان التقاط فرصة أتاحتها الوساطة الأميركية، بعدما تغلب الاتجاه الداعي لانتظار ما يمكن أن تقدمه الإدارة الأميركية الجديدة. ومعلوم أن عملية التنقيب عن النفط والغاز أمام سواحله تعتريها صعوبات تقنية، وتعاكسها الأوضاع الاقتصادية العالمية التي فرضت مزيداً من الحذر على شركات التنقيب العملاقة، ويضاف إليها أن الجولة الاستكشافية الأولى لم تكن مشجعة حيث لم تكتشف فيها موارد كافية لبدء التنقيب الفعلي.
وفيما حاول «حزب الله» وحلفاؤه الترويج لنظرية تقول إن الحكومات السابقة «فرّطت بحقوق لبنان»؛ تقول الوقائع التي استقتها «الشرق الأوسط» من خبراء وسياسيين كانوا في موقع المسؤولية، إن الحزب لم يكن بعيداً عن أجواء العمل التقني الذي قامت به هذه الحكومات، وكان موجوداً في معظمها، أو كان مقربون منه حاضرين في أعمال التحضير لترسيم الحدود. بدءاً من الأعمال الأولى في عهد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى، ابتداء من العام 2008، بعد اتفاق أولي لترسيم قسم من خط الوسط للحدود بين لبنان وقبرص. هذا الاتفاق الأولي لم يُحل إلى المجلس النيابي لإقراره، بسبب الحاجة لاستكماله بتجديد النقطة الثلاثية للحدود البحرية مع قبرص، في الجنوب مع فلسطين المحتلة، أو في الشمال مع سوريا. ومع تعذر تحديد النقطة الثالثة، استغلت إسرائيل الأمر لرفع سقف مطالبها في المفاوضات غير المباشرة التي عقدت 4 جلسات منها في مبنى تابع للأمم المتحدة في رأس الناقورة، في أقصى جنوب غربي لبنان، أواخر العام الماضي.
استئناف مفاوضات ترسيم الحدود البحرية في جنوب لبنان يمكن أن يتحقق بعد تسلم إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مقاليد الحكم. إذ إن الولايات المتحدة تقوم بدور الوسيط والمسهّل للمفاوضات، غير أن «حزب الله» ومقربين منه أطلقوا في هذه الأثناء حملة اتهامات لرئيس الحكومة اللبناني السابق فؤاد السنيورة، وصفها الرئيس السنيورة لـ«الشرق الأوسط» بأنها «معركة مزايدات» يدّعي فيها الحزب «بطولات، ويزيد من حدّتها من أجل إظهار موقفه بأنه هو الذي يدافع عن مصالح لبنان الوطنية في وجه من يتهمهم زوراً وبهتاناً بأنهم يحاولون التفريط بحقوق لبنان في وجه إسرائيل».
بدأت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية يوم 14 أكتوبر (تشرين الأول) باجتماع وفدين من البلدين في قاعدة للأمم المتحدة عند رأس الناقورة، في مفاوضات غير مباشرة تحت علم الأمم المتحدة وحضورها ورعايتها، وبوساطة وتسهيل أميركيين، في محاولة لحل نزاع بشأن الحدود البحرية عرقل التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة التي يحتمل أن تكون غنية بالغاز.
المباحثات وصلت بعد 4 جلسات إلى حائط مسدود، على خلفية رفع الطرفين سقف الشروط. فقد طالب لبنان خلال جلسات التفاوض بمساحة إضافية تبلغ 1430 كيلومتراً مربعاً إلى الجنوب من النقطة 23 تشمل جزءاً من حقل «كاريش» الذي تعمل فيه شركة إنرجيان اليونانية، تُضاف إلى الـ860 كيلومتراً بحرياً، التي كان الخلاف على أساسها منذ العام 2009. وأودع لبنان الأمم المتحدة مذكرة بها في العام 2011، ما يعني أن لبنان بات يطالب بـ2290 كيلومتراً بحرياً ضمن الخرائط التي قدّمها في جلسات التفاوض الأخيرة، في مقابل الخرائط الإسرائيلية.
وفي الجلسة الرابعة، رفع الوفد الإسرائيلي سقف شروطه، مطالباً بمساحة أكبر تقضم مساحات إضافية في البلوكات البحرية 8 و9 للتنقيب عن النفط في المياه الاقتصادية اللبنانية، أي أنه طالب بمئات الكيلومترات الإضافية، وهو ما ضاعف التعقيدات ووضع العراقيل أمام استمرار المباحثات في الناقورة، ما أصبح يهددها بالتوقف وإعادتها إلى المربع الأول الذي كانت عليه قبل 10 سنوات.
عُلّقت الجلسات، واستنتج الطرف الأميركي، بعد 4 جلسات، أنه لا تقدم بارزاً حصل. ومع أن الأميركيين دخلوا وسطاء في ملف يجزمون بأنه سيؤدي إلى تسوية، فإن التقييم للجلسات السابقة أفضى إلى أن لبنان ذهب بعيداً في شروطه، ما أدى إلى تعقيدات طرأت على هذا الملف. بعدها طلب الجانب الأميركي فرصة لمفاوضات مكوكية قد تنهي المراوحة في الطريق المسدودة. وانطلق الجانب الأميركي بمفاوضات مكوكية على الجانبين اللبناني والإسرائيلي عبر مباحثات ثنائية، كل على حدة، والاستماع إلى الطرفين، لاختبار فرصة التوصل إلى أرضية مشتركة تعيد تفعيل المفاوضات.

مسار الترسيم
توصل لبنان وقبرص في 17-01-2007 إلى اتفاقية ثنائية ومؤقتة وقابلة للتعديل، تُحدد بموجبها حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة في خط الوسط لكل من البلدين، ومبنية على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وتمّ ذلك دون تحديد إحداثيات نقطتي طرفي هذا الخط بشكل نهائي، كون ذلك يتطلب ترسيماً ثلاثياً يشترك البلدان (لبنان وقبرص) فيها، مع سوريا شمالاً - وهي تمنعت عنه - ومع إسرائيل جنوباً، لاستحالة ذلك لأسباب مرتبطة بالخلافات مع العدو الإسرائيلي.
لم تُحِل الحكومة اللبنانية الاتفاقية المؤقتة مع قبرص إلى المجلس النيابي نظراً للحاجة لاستكمال تحديد حدود لبنان النهائية جنوباً وشمالاً، وكذلك للقيام بمزيد من الدراسات. وبناء على ذلك، باشرت الحكومة أعمال استكمال ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة الشمالية والجنوبية انفرادياً، لتعذر الترسيم مع الإسرائيليين من جهة، وسوريا من جهة أخرى.
وفي نهاية 2008، وبناء على طلب من وزير الطاقة والمياه، شُكلت لجنة تتكون من رئاسة الحكومة، ووزارة الأشغال العامة والنقل، ووزارة الطاقة والمياه، ووزارة الدفاع، ووزارة الخارجية والمغتربين، والجيش اللبناني، والمجلس الوطني للبحوث العلمية. وكانت من مهمات اللجنة دراسة الاتفاقية الموقعة مع قبرص، ووضع تقرير حول الحدود البحرية الجنوبية، والتأكد من سلامة ما توصّلت إليه الحكومة في تحديدها لخط الوسط.
وتوصلت اللجنة في 29 أبريل (نيسان) 2009 إلى ترسيم الحدود البحرية جنوباً وشمالاً، فأصبح الطرف الجنوبي هو النقطة الثلاثية 23، جنوب النقطة رقم 1، والطرف الشمالي النقطة الثلاثية 7 شمال النقطة رقم 6. وفي هذا الشأن تبنت الحكومة اللبنانية هاتين النقطتين بكونهما تعطيان لبنان مساحات إضافية جنوباً (Most Aggressive Line) ومجالاً جيداً للتفاوض في الحالتين شمالاً وجنوباً عندما يحين الأوان. وبناء على ذلك، أصدر مجلس الوزراء بتاريخ 13-05-2009 القرار رقم 51 الذي يؤكد الحدود البحرية الجنوبية، علماً بأن حكومة السنيورة الثانية في تلك الفترة ضمّت معظم المكونات السياسية الرئيسة في لبنان، بما فيها أعضاء من «حزب الله»، ما يسحب من أيدي أي كان كل الحجج والمقولات المدعاة بأي تفريط بالحدود.
وأودع لبنان يوم 14 يوليو (تموز) 2010 الأمم المتحدة إحداثيات حدود منطقته الاقتصادية الخالصة الجنوبية في النقطة 23 والمحددة بشكل منفرد، كذلك أودع إحداثيات الحدود الشمالية مع سوريا في النقطة 7 والمحددة أيضاً بشكل منفرد.

مخالفة قبرصية
مع أن الاتفاق مع قبرص لا يعتبر نهائياً لأن الترسيم يتطلب موافقة جميع الأطراف التي تشترك بالحدود، ولا يحق لأي طرف أن يمضي بأي اتفاق ثنائي، ارتكبت قبرص مخالفة تمثلت بتوقيع اتفاق ترسيم الحدود بينها وبين إسرائيل في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 بشكل منفرد، وبعد 5 أشهر على إيداع لبنان إحداثيات النقطتين 23 و7 لدى الأمم المتحدة. وهي فعلت ذلك من دون إعلام لبنان والحصول على موافقته كما ينص الاتفاق المؤقت الموقع ما بين لبنان وقبرص.
اعترضت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي على تلك الاتفاقية بتاريخ 20 يونيو (حزيران) 2011 لدى الأمين العام للأمم المتحدة، وذلك لاعتماد إسرائيل النقطة رقم «1» نقطة فصل مشتركة بين لبنان وفلسطين المحتلة بدلاً من النقطة «23» التي كانت الحكومة اللبنانية (حكومة السنيورة الثانية) حددتها عام 2008، بعكس ما كان يشيعه «حزب الله» وحلفاؤه بأن هذه الحكومة حددت نهاية خط الوسط بالنقطة رقم «1» وأن الآخرين هم الذين حددوا نهاية هذا الخط بالنقطة «23».
وبعد الترسيم القبرصي الإسرائيلي الثنائي، رسمت إسرائيل في 12 يوليو 2011 حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة البحرية مع لبنان من جانب واحد (النقطة رقم «1»)، وأودعت إحداثيات نقاط ذلك الترسيم لدى الأمم المتحدة. وجرى ذلك بعد سنة كاملة من التاريخ الذي كان قد أودع فيه لبنان إحداثيات حدوده البحرية من جانب واحد مع فلسطين (النقطة «23»).
واعترفت إسرائيل، بموجب رسالتها للأمم المتحدة، أن الترسيم الذي أجرته غير نهائي حيث إنه يمكن تعديل إحداثيات النقطة رقم «1» المذكورة في الاتفاقيتين اللبنانية القبرصية، والإسرائيلية القبرصية، وذلك بعد الاتفاق النهائي على ذلك بين الدول المعنية.

اعتراض لبناني
اعترضت الحكومة اللبنانية لدى الأمم المتحدة برسالة موجهة بتاريخ 3 سبتمبر (أيلول) 2011، وصدر القانون اللبناني رقم 163، القاضي بتحديد وإعلان المناطق البحرية للبنان، بتاريخ 18 أغسطس (آب) 2011، وأناط بالحكومة إصدار مرسوم لتعيين الحدود البحرية. وقرّرت الحكومة اللبنانية الإبقاء على ما جرى التوصل إليه في تقرير اللجنة الخاصة الصادر عام 2009. والتي أكّدت على ما قامت به الحكومات اللبنانية قبل ذلك بين 2007 إلى 2009. وبالتالي، صدر المرسوم بتاريخ 01-10-2011 عن حكومة ميقاتي، وتبنّت به تلك الحكومة أعمال اللجنة، والقرار الذي صدر عن مجلس الوزراء رقم 51 عام 2009. وهي الحكومة التي كان يتمتع فيها «حزب الله» بتمثيل وازن. ويرى مطلعون أن قرار الحكومة اللبنانية آنذاك جاء ليؤكد من جديد معرفة وإقرار «حزب الله» بشكل مباشر بصحة ما قامت به الحكومة من خطوات وقرارات منذ 2007 حتى 2011.
كذلك عام 2012 شكّلت حكومة ميقاتي لجنة خاصة جديدة لإعادة درس ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة (قرار مجلس الوزراء 75-2012 في 11-05-2012). وخلصت اللجنة إلى التأكيد على العمل الذي قامت به لجنة عام 2008، وذكَّرت أن ما قامت به الحكومة اللبنانية ولجنة عام 2008 «كان في الأصل من أجل تأمين موقع متقدم للبنان في الدفاع عن موقفه في حال التفاوض مستقبلاً على الحدود النهائية».
وبعدها، تدخلت الولايات المتحدة محاولة إيجاد حل، وبادر المبعوث الأميركي هوف Hoff إلى اقتراح حلّ لذلك الخلاف بين لبنان و«إسرائيل» حول المنطقة ما بين النقطتين 1 و23 (860 كيلومتراً مربعاً)، وذلك بأن يحصل لبنان على ما يعادل 500 كيلومتر مربع من تلك المنطقة، وتحصل إسرائيل على 360 كيلومتراً مربعاً منها. وهو ما اعترض عليه لبنان، وطالب بأن يتم التوصل إلى اتفاق عبر الأمم المتحدة.

خديعة إسرائيلية واتهامات سياسية
بعد أسبوع واحد على فتح لبنان البلوكات البحرية الحدودية 8 و9 و10 للمزايدة ضمن دورة التراخيص الأولى، حاولت إسرائيل إرباك لبنان بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة في 2 فبراير (شباط) 2017 تعترض فيها على خطوة لبنان بالبدء بالإجراءات المتعلقة بالأنشطة البترولية في المنطقة البحرية المتنازع عليها، قائلة إنها لن تسمح لشركات النفط بالقيام بأعمال الاستكشاف والحفر واستثمار الثروة النفطية في تلك المنطقة. وردّ لبنان بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة في 20 مارس (آذار) 2017 يعترض فيها على رسالة التهديد الإسرائيلية، ويؤكد فيها أن البلوكات البحرية تقع كلياً ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان.
وتجدر الإشارة أن إسرائيل عمدت إلى تقسيم المناطق العائدة لمنطقتها الاقتصادية الخالصة المتاخمة لحدود لبنان إلى بلوكات تقع كلها داخل المنطقة التي تدعي أنها تابعة لها على أساس الخط الذي رسمه لبنان، أي على الخط المنطلق من رأس الناقورة حتى النقطة 23. إلا أنها طالبت من جانب آخر بالمساحات الواقعة بين النقطة 1 والنقطة 23 والبالغة 860 كيلومتراً مربعاً كوسيلة للضغط بهدف إعاقة جهود لبنان في البدء بالتنقيب في منطقته الاقتصادية الخالصة، ولا سيما البلوكات 8 و9 و10.

حملة على السنيورة
إثر ذلك، رفع «حزب الله» وتيرة هجومه واتهاماته للرئيس السنيورة ولحكومتيه، وأخذ يشنّ «معركة مزايدات ويدعي بطولات ويزيد من حدّتها من أجل إظهار موقفه بأنه هو الذي يدافع عن مصالح لبنان الوطنية في وجه من يتهمهم زوراً وبهتاناً بأنهم يحاولون التفريط بحقوق لبنان في وجه إسرائيل»، كما يقول السنيورة.
السنيورة، قال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنه ينظر إلى تهجم «حزب الله» عليه شخصياً وعلى حكومتيه واتهامهما بالتفريط بالحقوق، من زاوية المواقف الشعبوية. وبينما يواجه الاتهامات بسرد وقائع من تلك الحقبة، يتوقف عند مفارقة أخرى، تتمثل في تعمّد الحزب إغفال المسألة التي تمثل الجانب الآخر من هذه القضية، والمتعلقة بشمال المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، الواقعة بمحاذاة المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لسوريا.
يشير رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق إلى أنه بعدما رسّم لبنان منفرداً بشكل مؤقت حدود منطقته الاقتصادية الخالصة الشمالية، «عمدت سوريا إلى القيام بذات الممارسة التي قامت بها إسرائيل، فيما يختص بادعائها ملكية قسم من المنطقة الاقتصادية الخالصة العائدة للبنان، على غرار ما ادعته إسرائيل ملكيتها جزءاً من القسم الجنوبي من تلك المنطقة العائدة للبنان». ويضيف: «التزم (حزب الله) الصمت والسكوت المطبق فيما خصَّ الموقف السوري، الذي اعترض على الترسيم اللبناني المنفرد لمنطقته الاقتصادية الخالصة في الشمال، عبر إرسال سوريا رسالة احتجاج أرسلتها إلى الأمم المتحدة في العام 2014. ولا سيما أن سوريا ادعت ملكية جزء من المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، وذلك مثلما فعلت إسرائيل من ناحية الجنوب».
ويرى السنيورة أن «ذلك كله يؤكد أن موقف (حزب الله) لم يكن إلا عملاً شعبوياً ودعائياً، القصد منه فقط اختلاق وافتعال قضية يتمسك بها، ولحرف انتباه اللبنانيين عن المشكلات الحقيقية التي يعاني منها اللبنانيون، وادعاء الطهرانية، وأنه هو الذي يدافع عن الحقوق. في المقابل يقوم بتوجيه الاتهامات للآخرين بالتفريط بحقوق لبنان». ويضيف أنه «أكثر من ذلك، كان همّ الحزب من ذلك تشتيت انتباه اللبنانيين وعدم التركيز على اعتماد الإصلاحات الحقيقية لإيجاد الحلول الصحيحة لمشكلاتهم المتفاقمة من جهة أولى، كذلك، ومن جهة أخرى للتعمية وإبقاء المبررات لـ(حزب الله) في الاستمرار بالاحتفاظ بسلاحه، وهو الأمر الذي كان ولا يزال مصدر القلق الأساس له، والذي يتحكم بمجمل مواقفه وقراراته».
في ظل التعقيدات التي تطال مفاوضات الترسيم، تبرز الحاجة للتوصل إلى حلّ عادل لحدود لبنان في منطقته الاقتصادية الخالصة في الجنوب وبعدها في الشمال. ويشدد السنيورة على «ضرورة وضع صيغة تتم عبر رعاية تقوم بها الأمم المتحدة لمفاوضات غير مباشرة، وتتم فيها الاستعانة بمحكَّم أو جهة دولية منصفة يمكن التوصل من خلالها، وعبر رعاية الأمم المتحدة، إلى حلّ حقيقي منصف للبنان». ويؤكد أنها «القاعدة التي يمكن اللجوء إليها كذلك في تحديد الحدود النهائية للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان من ناحية الشمال ومع الشقيقة سوريا».

تعثّر وصول الغاز المصري إلى لبنان منذ 2008
> يعوّل لبنان على استخراج الغاز من مياهه الاقتصادية، بعد العثرات التي حالت دون وصول الغاز المصري إلى لبنان منذ العقد الماضي. وأوضح السنيورة خلال ندوة عن مسائل متعلقة بالمواد البترولية الموجودة في المناطق الاقتصادية الخالصة لدول شرق البحر المتوسط عام 2019، أنه أصبحت هناك إمكانية لاستيراد الغاز من مصر في العام 2008، بعد إنشاء خط بين مصر والعقبة، وصولاً إلى جنوب سوريا عبر الأردن، ويطلق عليه اسم «خط الغاز العربي».
ولقد بدأ لبنان باستيراد الغاز في العام 2008، لكنه في الواقع لم يستورد الغاز المصري، لأن دمشق كانت تأخذ تلك الحصة، وتعطي لبنان في المقابل غازاً سورياً عبر طرابلس، نظراً لعدم استكمال الخط داخل سوريا من الجنوب السوري حتى حمص شمالاً، واستمر الأمر على هذا النحو إلى أن توقفت مصر عن التصدير في العام 2009.

رحلة الاستكشاف منذ 2000
> بدأت أعمال الاستكشاف عن الغاز اللبناني في العام 2000، بعد توقيع اتفاقية بين لبنان وشركة «سبيتكروم» التي ساعدت لبنان في عملية الاستكشاف في أعماق المناطق الاقتصادية اللبنانية على أساس التقنية ثنائية الأبعاد. واختار لبنان النرويج لأنها دولة ذات خبرة طويلة تمتد إلى 40 سنة في قطاع الاستكشاف والاستخراج والاستثمار، وخصوصاً في المناطق المغمورة، وتتمتع بسمعة جيدة في إدارة الموارد المالية الناتجة عنها وفي الفرص الاقتصادية المتحققة من هذا القطاع.
وعلى أساس عملية الاستكشاف، جرى تقسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان إلى 10 رقع بحرية، بالتزامن مع تقسيم المناطق الاقتصادية لدول المتوسط إلى رقع شبيهة، علماً بأن أول اتفاق إقليمي على تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلدين في المتوسط وُقّع بين مصر وقبرص في 17 يناير (كانون الثاني) 2003. عندما كانت شركة «سبيتكروم» تقوم بالاستكشاف في المنطقة الخاصة بلبنان.
عام 2006 زار رئيس الحكومة النرويجية لبنان، والتقى نظيره اللبناني الرئيس فؤاد السنيورة، وتوصل البلدان إلى اتفاق يقضي بمساعدة النرويج للبنان في هذا القطاع الحيوي الذي يعد قطاعاً جديداً وواعداً بالنسبة للبنانيين.
وفي فبراير 2018، وقّع لبنان أولى اتفاقياته البحرية لاستكشاف وإنتاج الطاقة في اثنتين من 10 رقاع قبالة الساحل اللبناني، مع كونسورتيوم، يضم «توتال» الفرنسية و«إيني» الإيطالية و«نوفاتك» الروسية.
وفي 13 ديسمبر (كانون الأول) 2019، أعلنت وزيرة الطاقة والمياه ندى بستاني «إصدار وتسليم أول ترخيص لتجمع شركات توتال وإيني ونوفاتيك، للتنقيب عن النفط والغاز في بلوك 4»، وذلك بعد إنجاز الشركات كل تحضيراتها للبدء بعملية الحفر. وكان التزام الشركات بالمهل التنفيذية دليلاً على استمرار الثقة بلبنان.



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.