لبنان: حروب نقاط بالجغرافيا مع إسرائيل... وبالسياسة مع «حزب الله»

السنيورة يروي لـ «الشرق الأوسط» تفاصيل عملية ترسيم الحدود البحرية

لبنان: حروب نقاط بالجغرافيا مع إسرائيل... وبالسياسة مع «حزب الله»
TT

لبنان: حروب نقاط بالجغرافيا مع إسرائيل... وبالسياسة مع «حزب الله»

لبنان: حروب نقاط بالجغرافيا مع إسرائيل... وبالسياسة مع «حزب الله»

أحيا تعثر مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، جدلاً سياسياً في لبنان، ويعتقد البعض أنه أضاع على لبنان التقاط فرصة أتاحتها الوساطة الأميركية، بعدما تغلب الاتجاه الداعي لانتظار ما يمكن أن تقدمه الإدارة الأميركية الجديدة. ومعلوم أن عملية التنقيب عن النفط والغاز أمام سواحله تعتريها صعوبات تقنية، وتعاكسها الأوضاع الاقتصادية العالمية التي فرضت مزيداً من الحذر على شركات التنقيب العملاقة، ويضاف إليها أن الجولة الاستكشافية الأولى لم تكن مشجعة حيث لم تكتشف فيها موارد كافية لبدء التنقيب الفعلي.
وفيما حاول «حزب الله» وحلفاؤه الترويج لنظرية تقول إن الحكومات السابقة «فرّطت بحقوق لبنان»؛ تقول الوقائع التي استقتها «الشرق الأوسط» من خبراء وسياسيين كانوا في موقع المسؤولية، إن الحزب لم يكن بعيداً عن أجواء العمل التقني الذي قامت به هذه الحكومات، وكان موجوداً في معظمها، أو كان مقربون منه حاضرين في أعمال التحضير لترسيم الحدود. بدءاً من الأعمال الأولى في عهد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى، ابتداء من العام 2008، بعد اتفاق أولي لترسيم قسم من خط الوسط للحدود بين لبنان وقبرص. هذا الاتفاق الأولي لم يُحل إلى المجلس النيابي لإقراره، بسبب الحاجة لاستكماله بتجديد النقطة الثلاثية للحدود البحرية مع قبرص، في الجنوب مع فلسطين المحتلة، أو في الشمال مع سوريا. ومع تعذر تحديد النقطة الثالثة، استغلت إسرائيل الأمر لرفع سقف مطالبها في المفاوضات غير المباشرة التي عقدت 4 جلسات منها في مبنى تابع للأمم المتحدة في رأس الناقورة، في أقصى جنوب غربي لبنان، أواخر العام الماضي.
استئناف مفاوضات ترسيم الحدود البحرية في جنوب لبنان يمكن أن يتحقق بعد تسلم إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مقاليد الحكم. إذ إن الولايات المتحدة تقوم بدور الوسيط والمسهّل للمفاوضات، غير أن «حزب الله» ومقربين منه أطلقوا في هذه الأثناء حملة اتهامات لرئيس الحكومة اللبناني السابق فؤاد السنيورة، وصفها الرئيس السنيورة لـ«الشرق الأوسط» بأنها «معركة مزايدات» يدّعي فيها الحزب «بطولات، ويزيد من حدّتها من أجل إظهار موقفه بأنه هو الذي يدافع عن مصالح لبنان الوطنية في وجه من يتهمهم زوراً وبهتاناً بأنهم يحاولون التفريط بحقوق لبنان في وجه إسرائيل».
بدأت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية يوم 14 أكتوبر (تشرين الأول) باجتماع وفدين من البلدين في قاعدة للأمم المتحدة عند رأس الناقورة، في مفاوضات غير مباشرة تحت علم الأمم المتحدة وحضورها ورعايتها، وبوساطة وتسهيل أميركيين، في محاولة لحل نزاع بشأن الحدود البحرية عرقل التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة التي يحتمل أن تكون غنية بالغاز.
المباحثات وصلت بعد 4 جلسات إلى حائط مسدود، على خلفية رفع الطرفين سقف الشروط. فقد طالب لبنان خلال جلسات التفاوض بمساحة إضافية تبلغ 1430 كيلومتراً مربعاً إلى الجنوب من النقطة 23 تشمل جزءاً من حقل «كاريش» الذي تعمل فيه شركة إنرجيان اليونانية، تُضاف إلى الـ860 كيلومتراً بحرياً، التي كان الخلاف على أساسها منذ العام 2009. وأودع لبنان الأمم المتحدة مذكرة بها في العام 2011، ما يعني أن لبنان بات يطالب بـ2290 كيلومتراً بحرياً ضمن الخرائط التي قدّمها في جلسات التفاوض الأخيرة، في مقابل الخرائط الإسرائيلية.
وفي الجلسة الرابعة، رفع الوفد الإسرائيلي سقف شروطه، مطالباً بمساحة أكبر تقضم مساحات إضافية في البلوكات البحرية 8 و9 للتنقيب عن النفط في المياه الاقتصادية اللبنانية، أي أنه طالب بمئات الكيلومترات الإضافية، وهو ما ضاعف التعقيدات ووضع العراقيل أمام استمرار المباحثات في الناقورة، ما أصبح يهددها بالتوقف وإعادتها إلى المربع الأول الذي كانت عليه قبل 10 سنوات.
عُلّقت الجلسات، واستنتج الطرف الأميركي، بعد 4 جلسات، أنه لا تقدم بارزاً حصل. ومع أن الأميركيين دخلوا وسطاء في ملف يجزمون بأنه سيؤدي إلى تسوية، فإن التقييم للجلسات السابقة أفضى إلى أن لبنان ذهب بعيداً في شروطه، ما أدى إلى تعقيدات طرأت على هذا الملف. بعدها طلب الجانب الأميركي فرصة لمفاوضات مكوكية قد تنهي المراوحة في الطريق المسدودة. وانطلق الجانب الأميركي بمفاوضات مكوكية على الجانبين اللبناني والإسرائيلي عبر مباحثات ثنائية، كل على حدة، والاستماع إلى الطرفين، لاختبار فرصة التوصل إلى أرضية مشتركة تعيد تفعيل المفاوضات.

مسار الترسيم
توصل لبنان وقبرص في 17-01-2007 إلى اتفاقية ثنائية ومؤقتة وقابلة للتعديل، تُحدد بموجبها حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة في خط الوسط لكل من البلدين، ومبنية على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وتمّ ذلك دون تحديد إحداثيات نقطتي طرفي هذا الخط بشكل نهائي، كون ذلك يتطلب ترسيماً ثلاثياً يشترك البلدان (لبنان وقبرص) فيها، مع سوريا شمالاً - وهي تمنعت عنه - ومع إسرائيل جنوباً، لاستحالة ذلك لأسباب مرتبطة بالخلافات مع العدو الإسرائيلي.
لم تُحِل الحكومة اللبنانية الاتفاقية المؤقتة مع قبرص إلى المجلس النيابي نظراً للحاجة لاستكمال تحديد حدود لبنان النهائية جنوباً وشمالاً، وكذلك للقيام بمزيد من الدراسات. وبناء على ذلك، باشرت الحكومة أعمال استكمال ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة الشمالية والجنوبية انفرادياً، لتعذر الترسيم مع الإسرائيليين من جهة، وسوريا من جهة أخرى.
وفي نهاية 2008، وبناء على طلب من وزير الطاقة والمياه، شُكلت لجنة تتكون من رئاسة الحكومة، ووزارة الأشغال العامة والنقل، ووزارة الطاقة والمياه، ووزارة الدفاع، ووزارة الخارجية والمغتربين، والجيش اللبناني، والمجلس الوطني للبحوث العلمية. وكانت من مهمات اللجنة دراسة الاتفاقية الموقعة مع قبرص، ووضع تقرير حول الحدود البحرية الجنوبية، والتأكد من سلامة ما توصّلت إليه الحكومة في تحديدها لخط الوسط.
وتوصلت اللجنة في 29 أبريل (نيسان) 2009 إلى ترسيم الحدود البحرية جنوباً وشمالاً، فأصبح الطرف الجنوبي هو النقطة الثلاثية 23، جنوب النقطة رقم 1، والطرف الشمالي النقطة الثلاثية 7 شمال النقطة رقم 6. وفي هذا الشأن تبنت الحكومة اللبنانية هاتين النقطتين بكونهما تعطيان لبنان مساحات إضافية جنوباً (Most Aggressive Line) ومجالاً جيداً للتفاوض في الحالتين شمالاً وجنوباً عندما يحين الأوان. وبناء على ذلك، أصدر مجلس الوزراء بتاريخ 13-05-2009 القرار رقم 51 الذي يؤكد الحدود البحرية الجنوبية، علماً بأن حكومة السنيورة الثانية في تلك الفترة ضمّت معظم المكونات السياسية الرئيسة في لبنان، بما فيها أعضاء من «حزب الله»، ما يسحب من أيدي أي كان كل الحجج والمقولات المدعاة بأي تفريط بالحدود.
وأودع لبنان يوم 14 يوليو (تموز) 2010 الأمم المتحدة إحداثيات حدود منطقته الاقتصادية الخالصة الجنوبية في النقطة 23 والمحددة بشكل منفرد، كذلك أودع إحداثيات الحدود الشمالية مع سوريا في النقطة 7 والمحددة أيضاً بشكل منفرد.

مخالفة قبرصية
مع أن الاتفاق مع قبرص لا يعتبر نهائياً لأن الترسيم يتطلب موافقة جميع الأطراف التي تشترك بالحدود، ولا يحق لأي طرف أن يمضي بأي اتفاق ثنائي، ارتكبت قبرص مخالفة تمثلت بتوقيع اتفاق ترسيم الحدود بينها وبين إسرائيل في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 بشكل منفرد، وبعد 5 أشهر على إيداع لبنان إحداثيات النقطتين 23 و7 لدى الأمم المتحدة. وهي فعلت ذلك من دون إعلام لبنان والحصول على موافقته كما ينص الاتفاق المؤقت الموقع ما بين لبنان وقبرص.
اعترضت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي على تلك الاتفاقية بتاريخ 20 يونيو (حزيران) 2011 لدى الأمين العام للأمم المتحدة، وذلك لاعتماد إسرائيل النقطة رقم «1» نقطة فصل مشتركة بين لبنان وفلسطين المحتلة بدلاً من النقطة «23» التي كانت الحكومة اللبنانية (حكومة السنيورة الثانية) حددتها عام 2008، بعكس ما كان يشيعه «حزب الله» وحلفاؤه بأن هذه الحكومة حددت نهاية خط الوسط بالنقطة رقم «1» وأن الآخرين هم الذين حددوا نهاية هذا الخط بالنقطة «23».
وبعد الترسيم القبرصي الإسرائيلي الثنائي، رسمت إسرائيل في 12 يوليو 2011 حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة البحرية مع لبنان من جانب واحد (النقطة رقم «1»)، وأودعت إحداثيات نقاط ذلك الترسيم لدى الأمم المتحدة. وجرى ذلك بعد سنة كاملة من التاريخ الذي كان قد أودع فيه لبنان إحداثيات حدوده البحرية من جانب واحد مع فلسطين (النقطة «23»).
واعترفت إسرائيل، بموجب رسالتها للأمم المتحدة، أن الترسيم الذي أجرته غير نهائي حيث إنه يمكن تعديل إحداثيات النقطة رقم «1» المذكورة في الاتفاقيتين اللبنانية القبرصية، والإسرائيلية القبرصية، وذلك بعد الاتفاق النهائي على ذلك بين الدول المعنية.

اعتراض لبناني
اعترضت الحكومة اللبنانية لدى الأمم المتحدة برسالة موجهة بتاريخ 3 سبتمبر (أيلول) 2011، وصدر القانون اللبناني رقم 163، القاضي بتحديد وإعلان المناطق البحرية للبنان، بتاريخ 18 أغسطس (آب) 2011، وأناط بالحكومة إصدار مرسوم لتعيين الحدود البحرية. وقرّرت الحكومة اللبنانية الإبقاء على ما جرى التوصل إليه في تقرير اللجنة الخاصة الصادر عام 2009. والتي أكّدت على ما قامت به الحكومات اللبنانية قبل ذلك بين 2007 إلى 2009. وبالتالي، صدر المرسوم بتاريخ 01-10-2011 عن حكومة ميقاتي، وتبنّت به تلك الحكومة أعمال اللجنة، والقرار الذي صدر عن مجلس الوزراء رقم 51 عام 2009. وهي الحكومة التي كان يتمتع فيها «حزب الله» بتمثيل وازن. ويرى مطلعون أن قرار الحكومة اللبنانية آنذاك جاء ليؤكد من جديد معرفة وإقرار «حزب الله» بشكل مباشر بصحة ما قامت به الحكومة من خطوات وقرارات منذ 2007 حتى 2011.
كذلك عام 2012 شكّلت حكومة ميقاتي لجنة خاصة جديدة لإعادة درس ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة (قرار مجلس الوزراء 75-2012 في 11-05-2012). وخلصت اللجنة إلى التأكيد على العمل الذي قامت به لجنة عام 2008، وذكَّرت أن ما قامت به الحكومة اللبنانية ولجنة عام 2008 «كان في الأصل من أجل تأمين موقع متقدم للبنان في الدفاع عن موقفه في حال التفاوض مستقبلاً على الحدود النهائية».
وبعدها، تدخلت الولايات المتحدة محاولة إيجاد حل، وبادر المبعوث الأميركي هوف Hoff إلى اقتراح حلّ لذلك الخلاف بين لبنان و«إسرائيل» حول المنطقة ما بين النقطتين 1 و23 (860 كيلومتراً مربعاً)، وذلك بأن يحصل لبنان على ما يعادل 500 كيلومتر مربع من تلك المنطقة، وتحصل إسرائيل على 360 كيلومتراً مربعاً منها. وهو ما اعترض عليه لبنان، وطالب بأن يتم التوصل إلى اتفاق عبر الأمم المتحدة.

خديعة إسرائيلية واتهامات سياسية
بعد أسبوع واحد على فتح لبنان البلوكات البحرية الحدودية 8 و9 و10 للمزايدة ضمن دورة التراخيص الأولى، حاولت إسرائيل إرباك لبنان بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة في 2 فبراير (شباط) 2017 تعترض فيها على خطوة لبنان بالبدء بالإجراءات المتعلقة بالأنشطة البترولية في المنطقة البحرية المتنازع عليها، قائلة إنها لن تسمح لشركات النفط بالقيام بأعمال الاستكشاف والحفر واستثمار الثروة النفطية في تلك المنطقة. وردّ لبنان بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة في 20 مارس (آذار) 2017 يعترض فيها على رسالة التهديد الإسرائيلية، ويؤكد فيها أن البلوكات البحرية تقع كلياً ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان.
وتجدر الإشارة أن إسرائيل عمدت إلى تقسيم المناطق العائدة لمنطقتها الاقتصادية الخالصة المتاخمة لحدود لبنان إلى بلوكات تقع كلها داخل المنطقة التي تدعي أنها تابعة لها على أساس الخط الذي رسمه لبنان، أي على الخط المنطلق من رأس الناقورة حتى النقطة 23. إلا أنها طالبت من جانب آخر بالمساحات الواقعة بين النقطة 1 والنقطة 23 والبالغة 860 كيلومتراً مربعاً كوسيلة للضغط بهدف إعاقة جهود لبنان في البدء بالتنقيب في منطقته الاقتصادية الخالصة، ولا سيما البلوكات 8 و9 و10.

حملة على السنيورة
إثر ذلك، رفع «حزب الله» وتيرة هجومه واتهاماته للرئيس السنيورة ولحكومتيه، وأخذ يشنّ «معركة مزايدات ويدعي بطولات ويزيد من حدّتها من أجل إظهار موقفه بأنه هو الذي يدافع عن مصالح لبنان الوطنية في وجه من يتهمهم زوراً وبهتاناً بأنهم يحاولون التفريط بحقوق لبنان في وجه إسرائيل»، كما يقول السنيورة.
السنيورة، قال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنه ينظر إلى تهجم «حزب الله» عليه شخصياً وعلى حكومتيه واتهامهما بالتفريط بالحقوق، من زاوية المواقف الشعبوية. وبينما يواجه الاتهامات بسرد وقائع من تلك الحقبة، يتوقف عند مفارقة أخرى، تتمثل في تعمّد الحزب إغفال المسألة التي تمثل الجانب الآخر من هذه القضية، والمتعلقة بشمال المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، الواقعة بمحاذاة المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لسوريا.
يشير رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق إلى أنه بعدما رسّم لبنان منفرداً بشكل مؤقت حدود منطقته الاقتصادية الخالصة الشمالية، «عمدت سوريا إلى القيام بذات الممارسة التي قامت بها إسرائيل، فيما يختص بادعائها ملكية قسم من المنطقة الاقتصادية الخالصة العائدة للبنان، على غرار ما ادعته إسرائيل ملكيتها جزءاً من القسم الجنوبي من تلك المنطقة العائدة للبنان». ويضيف: «التزم (حزب الله) الصمت والسكوت المطبق فيما خصَّ الموقف السوري، الذي اعترض على الترسيم اللبناني المنفرد لمنطقته الاقتصادية الخالصة في الشمال، عبر إرسال سوريا رسالة احتجاج أرسلتها إلى الأمم المتحدة في العام 2014. ولا سيما أن سوريا ادعت ملكية جزء من المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، وذلك مثلما فعلت إسرائيل من ناحية الجنوب».
ويرى السنيورة أن «ذلك كله يؤكد أن موقف (حزب الله) لم يكن إلا عملاً شعبوياً ودعائياً، القصد منه فقط اختلاق وافتعال قضية يتمسك بها، ولحرف انتباه اللبنانيين عن المشكلات الحقيقية التي يعاني منها اللبنانيون، وادعاء الطهرانية، وأنه هو الذي يدافع عن الحقوق. في المقابل يقوم بتوجيه الاتهامات للآخرين بالتفريط بحقوق لبنان». ويضيف أنه «أكثر من ذلك، كان همّ الحزب من ذلك تشتيت انتباه اللبنانيين وعدم التركيز على اعتماد الإصلاحات الحقيقية لإيجاد الحلول الصحيحة لمشكلاتهم المتفاقمة من جهة أولى، كذلك، ومن جهة أخرى للتعمية وإبقاء المبررات لـ(حزب الله) في الاستمرار بالاحتفاظ بسلاحه، وهو الأمر الذي كان ولا يزال مصدر القلق الأساس له، والذي يتحكم بمجمل مواقفه وقراراته».
في ظل التعقيدات التي تطال مفاوضات الترسيم، تبرز الحاجة للتوصل إلى حلّ عادل لحدود لبنان في منطقته الاقتصادية الخالصة في الجنوب وبعدها في الشمال. ويشدد السنيورة على «ضرورة وضع صيغة تتم عبر رعاية تقوم بها الأمم المتحدة لمفاوضات غير مباشرة، وتتم فيها الاستعانة بمحكَّم أو جهة دولية منصفة يمكن التوصل من خلالها، وعبر رعاية الأمم المتحدة، إلى حلّ حقيقي منصف للبنان». ويؤكد أنها «القاعدة التي يمكن اللجوء إليها كذلك في تحديد الحدود النهائية للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان من ناحية الشمال ومع الشقيقة سوريا».

تعثّر وصول الغاز المصري إلى لبنان منذ 2008
> يعوّل لبنان على استخراج الغاز من مياهه الاقتصادية، بعد العثرات التي حالت دون وصول الغاز المصري إلى لبنان منذ العقد الماضي. وأوضح السنيورة خلال ندوة عن مسائل متعلقة بالمواد البترولية الموجودة في المناطق الاقتصادية الخالصة لدول شرق البحر المتوسط عام 2019، أنه أصبحت هناك إمكانية لاستيراد الغاز من مصر في العام 2008، بعد إنشاء خط بين مصر والعقبة، وصولاً إلى جنوب سوريا عبر الأردن، ويطلق عليه اسم «خط الغاز العربي».
ولقد بدأ لبنان باستيراد الغاز في العام 2008، لكنه في الواقع لم يستورد الغاز المصري، لأن دمشق كانت تأخذ تلك الحصة، وتعطي لبنان في المقابل غازاً سورياً عبر طرابلس، نظراً لعدم استكمال الخط داخل سوريا من الجنوب السوري حتى حمص شمالاً، واستمر الأمر على هذا النحو إلى أن توقفت مصر عن التصدير في العام 2009.

رحلة الاستكشاف منذ 2000
> بدأت أعمال الاستكشاف عن الغاز اللبناني في العام 2000، بعد توقيع اتفاقية بين لبنان وشركة «سبيتكروم» التي ساعدت لبنان في عملية الاستكشاف في أعماق المناطق الاقتصادية اللبنانية على أساس التقنية ثنائية الأبعاد. واختار لبنان النرويج لأنها دولة ذات خبرة طويلة تمتد إلى 40 سنة في قطاع الاستكشاف والاستخراج والاستثمار، وخصوصاً في المناطق المغمورة، وتتمتع بسمعة جيدة في إدارة الموارد المالية الناتجة عنها وفي الفرص الاقتصادية المتحققة من هذا القطاع.
وعلى أساس عملية الاستكشاف، جرى تقسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان إلى 10 رقع بحرية، بالتزامن مع تقسيم المناطق الاقتصادية لدول المتوسط إلى رقع شبيهة، علماً بأن أول اتفاق إقليمي على تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلدين في المتوسط وُقّع بين مصر وقبرص في 17 يناير (كانون الثاني) 2003. عندما كانت شركة «سبيتكروم» تقوم بالاستكشاف في المنطقة الخاصة بلبنان.
عام 2006 زار رئيس الحكومة النرويجية لبنان، والتقى نظيره اللبناني الرئيس فؤاد السنيورة، وتوصل البلدان إلى اتفاق يقضي بمساعدة النرويج للبنان في هذا القطاع الحيوي الذي يعد قطاعاً جديداً وواعداً بالنسبة للبنانيين.
وفي فبراير 2018، وقّع لبنان أولى اتفاقياته البحرية لاستكشاف وإنتاج الطاقة في اثنتين من 10 رقاع قبالة الساحل اللبناني، مع كونسورتيوم، يضم «توتال» الفرنسية و«إيني» الإيطالية و«نوفاتك» الروسية.
وفي 13 ديسمبر (كانون الأول) 2019، أعلنت وزيرة الطاقة والمياه ندى بستاني «إصدار وتسليم أول ترخيص لتجمع شركات توتال وإيني ونوفاتيك، للتنقيب عن النفط والغاز في بلوك 4»، وذلك بعد إنجاز الشركات كل تحضيراتها للبدء بعملية الحفر. وكان التزام الشركات بالمهل التنفيذية دليلاً على استمرار الثقة بلبنان.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».