الإسلام من وجهة نظر بوذية.. الدالاي لاما يتكلم

قال إن التفسير المتطرف للدين ظلم للمسلمين أكثر مما هو ظلم للآخرين

الدالاي لاما  -  غلاف الكتاب
الدالاي لاما - غلاف الكتاب
TT

الإسلام من وجهة نظر بوذية.. الدالاي لاما يتكلم

الدالاي لاما  -  غلاف الكتاب
الدالاي لاما - غلاف الكتاب

يعتبر الدالاي لاما بابا البوذيين، إذا جاز التعبير، مثلما أن فرنسيسك هو بابا المسيحيين. فكلمته مسموعة ليس فقط في بلاد التيبت، وإنما في كل أرجاء العالم البوذي، بل وفيما وراء ذلك.. فهو أحد حكماء العصر الراهن، وأحد الشخصيات الروحية الكبرى التي تحظى بالاحترام على الصعيد العالمي كله. و«الدالاي لاما» هو لقبه وليس اسمه الحقيقي، وهو يعني حرفيا «بحر العلوم» أو «بحر الحكمة». أما اسمه الحقيقي، فهو تنزان غياتسو، وهو لا يعني شيئا بالنسبة للآخرين ولا أحد يعرفه به.
سوف أعتمد في هذه الدراسة أساسا على كتابه التالي: «الإسلام والمسيحية واليهودية: كيف يمكن أن نعيش بسلام؟ نحو الإخاء الكوني بين الأديان». يرى هذا الزعيم الديني أن خصوصية الإسلام التي تميزه عن غيره تكمن في تلك العلاقة القوية جدا التي تربط بين المسلم وربه. فهنا يوجد قبول مطلق ولا مشروط بالتعالي الرباني لغة وفكرا وهيئة. وهذا التعالي الرباني يرافقه اقتراب الله من المؤمن كما تقول الآية القرآنية الكريمة: «..ونحن أقرب إليه من حبل الوريد». وبالتالي، فالله قريب وبعيد في الوقت ذاته. والإسلام يطلب من معتنقيه الإيمان بالطبيعة اللانهائية والأبدية الخالدة لله. وكل تصوير لله ممنوع، لأن ذلك يشجع على عبادة الأوثان التي يحرمها الإسلام تحريما قاطعا. ولذلك لا توجد صور في أماكن العبادة الإسلامية. ومن سمات هذا الدين أن المسلم يسلم نفسه كليا للإرادة الإلهية ويخضع لها دون نقاش. ومن هنا جاءت كلمة «إسلام».
لكن الشيء المهم في الإسلام الذي لفت انتباه الدالاي لاما هو تركيز القرآن الكريم على الرحمة والتسامح. فقد فوجئ بأن كل سورة من سور القرآن تُفتتح بهذه الآية الكريمة: «بسم الله الرحمن الرحيم». ومع ذلك، فان الصورة الشائعة عن الدين الحنيف حاليا هي أنه دين القسوة والعنف والرعب! فكيف حصل ذلك؟ كيف انقلبت الأمور عاليها سافلها؟ قبل أن يجيب الدالاي لاما عن هذا السؤال، نلاحظ أنه يتوقف مطولا عند سورة الفاتحة، بل ويوردها مترجمة بشكل كامل. ويبدي أشد الإعجاب بورود كلمتي «الرحمن الرحيم» أكثر من مرة فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين.
الرحمن الرحيم.
مالك يوم الدين.
إياك نعبد وإياك نستعين.
إهدنا الصراط المستقيم
صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين».
لماذا يتوقف الدالاي لاما عند هذه النقطة أكثر من غيرها؟ لأن مفهوم الشفقة أو الرحمة والرأفة يشكل القيمة الأساسية في الديانة البوذية التي ينتمي إليها. والدين الذي يدعو إلى الشفقة والرحمة بالعباد والكائنات لا يمكن أن يكون إلا دينا عظيما. من هنا سر إعجابه بالإسلام ودهشته واستغرابه عندما اكتشفه أو تعرف عليه لأول مرة. فقد كان يعتقد أنه دين القوة والعنف والضرب والقتل، فإذا به يكتشف العكس تماما. ويقول بأنه لم يكتشف الإسلام إلا متأخرا، وقد فوجئ بما اكتشفه وأعجب به أشد الإعجاب. وقد حصلت أول زيارة له إلى بلد عربي مسلم عام 2005 حيث استقبلوه بحفاوة في الأردن. وقد أعجب بالأذان الذي يتعالى من المساجد كثيرا. وفي إحدى المرات قال له شيخ مسلم: «إن من يقتل إنسانا آخر لا يمكن أن يكون مسلما حقيقيا. فقتل النفس محرم كليا في القرآن؛ حيث تقول الآية الكريمة: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)». وقال له شيخ آخر بأنه ينبغي على المسلم أن يحب مخلوقات الله كما يحب الله ذاته. ثم يعلق على ذلك: «وهذا رائع». ثم يضيف: «بالطبع، فإن اللغة التي يستخدمها الإسلام للتعبير عن التعاطف الكوني أو الشفقة الكونية مختلفة عن تلك التي تستخدمها الديانة البوذية. ولكن المفهوم هو ذاته في نهاية المطاف. ثم إن التأثير النفسي الذي يحدثه على أخلاقية الفرد وسلوكه متطابق في كلتا الحالتين. إنه متطابق مع المبدأ البوذي الذي يدعو إلى التعاطف الكوني والشفقة والرحمة مع جميع البشر والكائنات».
وفي نهاية المطاف لا يتوانى الدالاي لاما عن طرح هذا السؤال:
إذا كانت حقائق الإسلام هكذا، إذا كان يفتتح كل سوره بعبارة: «بسم الله الرحمن الرحيم».. إذا كان يدعو إلى الشفقة والرحمة بالعباد، فمن أين شاعت عنه كل هذه الصورة المرعبة المشوهة؟ ولماذا؟ يرى الحكيم البوذي الكبير أن السبب يعود إلى التفسير الحرفي والسطحي لبعض الآيات الداعية إلى الجهاد والقتال. وهو يرى أن التفسير الحرفي لهذه الآيات لا يتوافق مع تركيز القرآن الكريم على صفة «الله الرحمن الرحيم». لا ريب في أن القراءة الحرفية لهذه الآيات الإشكالية الصعبة ممكنة وواردة. وعليها تعتمد الحركات المتطرفة، ومنها تستمد قوتها الضاربة وجرأتها على القتل والذبح. ولكن هناك قراءة أخرى للقرآن الكريم، والدليل أن بعض علماء المسلمين قالوا له بأن الجهاد يمكن تفسيره على أساس مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء لا على أساس الحرب والقتال. بمعنى آخر، فهناك الجهاد الداخلي الروحاني الذي ينساه الإسلام السياسي كثيرا.
على أي حال، فان الدالاي لاما يقول لنا بأن التفسير الحرفي المتشدد لهذه الآيات القليلة نسبيا في القرآن هو الذي يوهم الناس بأن الإسلام هو دين عنف بشكل حصري. (أفتح هنا قوسا وأقول ما يلي: من خلال قراءاتي المتنوعة لاحظت أن معظم شخصيات العالم خائفة، بل ومرعوبة من بعض آيات القتال الواردة في القرآن الكريم. وجميعهم يترجوننا لكي نعيد تأويلها عن طريق ربطها بسياقها التاريخي الصعب الذي كان سائدا في الفترة النبوية الأولى. بمعنى آخر فإنهم يطالبوننا بعدم تعميمها على جميع العصور وبالأخص على عصرنا الحالي.. لماذا؟ لأن ذلك يعني إدانة الآخرين إلى أبد الآبدين وإباحة دمائهم بشكل لا رجوع عنه. إنه يعني تبرير كل التفجيرات العمياء التي تحصد المدنيين بشكل عشوائي كيفما اتفق بحجة أنهم كفار أو غير مسلمين. وحتى اللاهوتي الكبير هانز كونغ المنفتح جدا على الإسلام وتراثه يطالبنا بذلك. وبالتالي، فإن المثقفين العرب والمسلمين مطالبون بإيجاد مخرج لهذه المشكلة الشائكة التي تتوقف على حلها إزالة الصورة المرعبة والمشوهة السائدة عنا وعن ديننا في شتى أنحاء العالم).
لكن لنعد إلى الزعيم البوذي الشهير ولنستمع إليه يقول:
«في عام 2008 تلقيت دعوة من الجامع الكبير بمدينة دلهي بالهند لكي أحضر مؤتمرا عن الإرهاب. وقد سعدت جدا بهذه الدعوة الكريمة. وكان من بين الحاضرين مشايخ كبار من الهند وباكستان وأفغانستان وإندونيسيا والأردن.. وأمام الجميع قلت ما يلي: (إنه لمن المهم جدا أن يعلن كل زعماء الدين في العالم أن العنف المرتكب باسم الدين شيء مرفوض قطعيا وبلا نقاش. فالعنف والدين الحق شيئان متضادان لا يجتمعان. ينبغي علينا جميعا أن نقول لأتباعنا بأن الشفقة والرحمة ببني البشر هما شيئان أساسيان بالنسبة لكل الأديان. رحمة الله وسعت كل شيء. ولكن من يستطيع أن يقنع (داعش) بذلك؟ إذا كان هناك شيء واحد لا يدخل في قاموس (داعش) والداعشيين فهو مفهوم الشفقة والرحمة. انظروا ما فعلوه بالرهينة الياباني المسكين مؤخرا».
ثم يردف الدالاي لاما قائلا:
«إن الصورة المشكلة حصريا عن الإسلام كدين عنف خاطئة. ولكن ينبغي على كبار شيوخ الإسلام أن يتخذوا منها موقفا واضحا لا لبس فيه ولا غموض. ينبغي عليهم أن يقولوا لأتباعهم بأنه لا توجد أي علاقة بين الله والعنف، أو بين الإسلام والتفكير الإقصائي. ينبغي عليهم أن يقولوا بأن التفسير المتطرف للدين ليس فقط مسيئا للتراث الإسلامي ومشوها لسمعة المسلمين، وإنما هو أيضا مخالف للغنى الفكري والروحي والأخلاقي الذي يمثله تراث الإسلام الكبير. إنه ظلم للإسلام أكثر مما هو ظلم للآخرين».
من يستطيع أن يقول أفضل من ذلك؟ ولكن الشيء الذي فات الدالاي لاما هو أن التفسير العنيف، بل والإرهابي، لرسالة الإسلام هو من صنع حركات الإسلام السياسي وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين وكل ما تفرع عنها من حركات أشد عنفا وبطشا. وهذا ما يعترف به صراحة الأستاذ فريد عبد الخالق الذي كان عضوا في جماعة «الإخوان» لفترة طويلة قبل أن يبتعد عنهم.. لماذا؟ لأن الإسلام، كما يقول صراحة، ذو بعد إنساني فيه شفقة ورحمة بالعباد إذا ما فهمنا القرآن الكريم جيدا. وهذا ما لا يدركه «الإخوان» أو بعضهم. (انظر بالفرنسية كتاب: «الإخوان المسلمون». تأليف كزافييه تيرنسيان. ص: 41 - 42. والكتاب عموما متعاطف مع «الإخوان» لا متحاملا عليهم. ولذا لا يمكن اتهامه بأنه يحاول تشويه سمعتهم). وبالتالي، فسبب فشل «الإخوان» يعود إلى هذه النقطة بالذات: أي إلى إهمالهم جوهر القرآن الكريم القائم على الرحمة والمغفرة ومكارم الأخلاق، لا على الحرب والضرب والعنف والإكراه والقسر. «لا إكراه في الدين»، يقول النص العظيم. لكن لنعد مرة أخرى إلى الدالاي لاما وموقفه منا ومن تراثنا الديني. ولحسن الحظ، فقد وقعت أخيرا على أحدث مقابلة أدلى بها لمجلة «عالم الأديان» الفرنسية. وكان ذلك في نيودلهي بالهند. ومعلوم أنه لم يعد يعطي مقابلات إلا نادرا. المهم أنه عندما وصلوا بالسؤال إلى مسألة «داعش» صمت كثيرا قبل أن يجيب وعلى وجهه الهم والغم: «هذه أخطر مسألة في الوقت الراهن. هذا أكبر تحد تواجهه البشرية اليوم. فالجميع شرقا وغربا قلقون من هذه الظاهرة الجديدة التي لم تكن في الحسبان. في الواقع أن هذه عادة قديمة عند بعض المسلمين، ولكنها انتعشت كثيرا في هذا العصر. وفي غضبهم العارم، فإن هؤلاء الأشخاص مستعدون للقتل حتى بالقنبلة الذرية! لو كانوا يمتلكونها بالطبع. إنهم خطرون جدا جدا. وبالتالي، فينبغي أن نعالج الأساس العميق لهذا المرض لأنه أصل المشكل. والأصل هو انعدام الحوار الديني داخل الإسلام، ثم بين الإسلام من جهة وبقية الأديان من جهة أخرى».
ثم يقول لنا الدالاي لاما ما معناه: «انظروا إلى الهند. إنه بلد ضخم تتعايش فيه الأديان والمذاهب المتعددة منذ عشرين قرنا. هل هذا قليل؟ صحيح أنه حصلت أحيانا صدامات ومشكلات لا تنكر. ولكن بشكل عام، هناك تعايش سلمي مرموق. يوجد هنا في الهند هندوس ومسلمون، سنة وشيعة، يهود ومسيحيون.. إلخ، الخ، ومع ذلك فلا يتقاتلون إلا نادرا. وربما كان الفضل في ذلك يعود إلى وجود مفهوم هام جدا في الهند ألا وهو مفهوم: (اللاعنف). وقد استخدمه غاندي سلاحا سياسيا فعالا. ونحن البوذيين أخذناه عنه. وهو مهم جدا لكي يسود السلام العالم».
وهنا اعترض الصحافي الفرنسي قائلا: «ولكن البوذيين مارسوا العنف ضد المسلمين في بورما؟» فرد عليه الدالاي لاما: «نعم، وهذا ما آلمني جدا. وقد أعطيت الأوامر بإيقافه فورا».
وأخيرا، فأنا أقول: «يا ناس اسمعوا وعوا. لا توجد حقيقة واحدة في العالم، وإنما عدة حقائق وأديان. وهي ليست متناقضة فيما بينها، وإنما متكاملة إذا ما فهمناها على حقيقتها. وينبغي أن تتعايش بسلام في عصر العولمة الكونية على الرغم من أنف التطرف والمتطرفين. وهم عموما أقلية في كل الأديان. وهذا ما يقوله هانز كونغ أيضا. فجميع الأديان تنهى عن القتل والكذب والسرقة والنميمة والرذيلة وتدعو إلى مكارم الأخلاق. وبالتالي، فهناك نواة أخلاقية مشتركة عظيمة بين جميع الأديان على اختلاف طقوسها وشعائرها وعقائدها.. فاتبعوها وانسوا ما تبقى.



النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

رسم تخيلي لامرئ القيس
رسم تخيلي لامرئ القيس
TT

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

رسم تخيلي لامرئ القيس
رسم تخيلي لامرئ القيس

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة، باعتبار أن الشخصية النرجسية غير محددة بهوية محلية، بل هي تجد شواهدها وتمثلاتها لدى سائر الشعوب والهويات والجماعات. ومع أننا لا نعثر في الشعر العربي القديم على أي تفاعل مباشر مع هذه الأسطورة، أو غيرها من أساطير اليونان، غير أن هذا الشعر عرف عبر رموزه المختلفة، قدراً عالياً من الزهو النرجسي والاعتداد بالذات.

وسواء بدا هذا الزهو تعبيراً عن حاجة الذات المنبتة عن كنفها القبلي، إلى ما يحصنها في وجه العزلة والقلق، كما في حالة امرئ القيس وطرفة وعنترة والشعراء الصعاليك، أم كان متصلاً بروح الجماعة، كما لدى عمرو بن كلثوم، فالملاحظ أن تضخم الأنا النرجسية قد شكَّل إحدى السمات الأساسية للشعر العربي، الذي كان الفخر بالنفس والجماعة واحداً من ركائزه وعلاماته.

والأرجح أن النزوع النرجسي في الشعر العربي القديم، يجد بعض أسبابه في التفاوت الهائل بين لا نهائية المكان الصحراوي، ومحدودية الجسد الإنساني، حيث الذات المثلومة والمرحَّلة بشكل قسري عن مواطنها، لا تجد ما يعصمها من التشتت سوى الافتخار بنفسها، والالتفاف كالشرنقة على هويتها الفردية أو الجمعية.

وقد بدا الافتتان بالذات واضحاً في شعر امرئ القيس، وهو الذي أفرد مقاطع غير قليلة من معلقته للحديث عن مغامراته العاطفية مع النساء اللواتي بادلنه العشق بالعشق، والافتتان بالافتتان، كما كان شأنه مع أم الحويرث وأم الرباب وفاطمة وعنيزة وغيرهن. ورغم أن عشقه لعنيزة قد دفعه إلى ذبح ناقته لكي تردفه خلفها على ظهر ناقتها، فإنه حين بالغت في الغنج والتمنع، يعمد إلى إثارة غيرتها عبر تذكيرها بجاذبيته التي لا تقاوم.

كما لم يتوانَ «الملك الضليل» عن التباهي بكسر الأعراف والمحرمات، سواء عبر علاقاته مع النساء الحوامل، أو مع المتزوجات اللواتي لم تتحرج إحداهن من تحويل جسدها إلى وليمة متقاسمة بالتساوي بينه وبين طفلها الرضيع. وهو ما تشير إليه أبياته الشهيرة:

ويوم دخلتُ الخدْر خدر عنيزةٍ

فقالت لك الويلاتُ إنك مرجِلي

فقلتُ لها سيري وأرخي زمامه

ولا تبعديني عن جَناكِ المعلَّلِ

فمثلكِ حبلى قد طرقتُ ومرضعٍ

فألهيتُها عن ذي تمائمَ محْولِ

على أن النزوع النرجسي في الجاهلية لم يأخذ شكل الاعتداد بالذات المفردة فحسب، بل كثيراً ما بدا اعتداداً بالذات الجمعية، باعتبارها امتداداً لذات الشاعر، وحصنه وملاذه. فهو إذ يخوض حرباً ما، فليس ليذود عن نفسه وحدها، بل ليذود عن حياض السلالة ومكانتها ومصادر رزقها في الوقت ذاته. وقد تكون معلقة عمرو بن كلثوم، بما فيها من تصوير ملحمي لشجاعة بني تغلب، هي الشاهد الأبلغ على المماهاة الكاملة بين الذاتين الفردية والجمعية، وبخاصة في أبيات من مثل:

لنا الدنيا ومن أمسى عليها

ونبطش حين نبطش قادرينا

كأنّا والسيوف مسلّلاتٌ

وَلدنا الناس طرّاً أجمعينا

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ

تخرُّ له الجبابر ساجدينا

وكثيراً ما يبدو الزهو النرجسي بالذات، رداً مشبعاً بالمرارة على ظلم القبيلة، التي لم تتساهل أبداً في معاقبة الخارجين على أعرافها وقوانينها. فطرفة بن العبد الذي انساق وراء ملذاته، وقد استشعر قصر الحياة وعبثيتها، والذي عاقبته القبيلة بعزله عنها وإفراده «إفراد البعير المعبد»، لم يجد رداً مناسباً على الظلم اللاحق به، أفضل من التذكير بشجاعته، وبكونه فتى الجماعة وفارسها المقدام، كما في قوله «إذا القوم قالوا: من فتىً؟ خلت أنني، عنيتُ فلم أكسل ولم أتبلدِ».

أما عند عنترة فقد بدا الاعتداد بالذات، نوعاً من الرد على ما لحق به من ظلم وتهميش، بسبب سواد لونه. وإذ وجد عنترة في بأسه الجسدي، ما يدفع بني عبس إلى رد الاعتبار له، بدا شعره بمعظمه اعتداداً بشجاعته، واستعادة رمزية لهويته المهددة. وهو ما يؤكده قوله: «ولقد شفى نفسي وأبرأ سقْمها، قول الفوارس: ويكَ عنتر أَقْدِمِ». أو قوله وهو يعمل على استثمار شجاعته في المجال العاطفي: «إن المنيّة يا عبيلةُ دوحةٌ، وأنا ورمحي أصلها وفروعها».

ومع أن تباهي الشعراء بأنفسهم في الجاهلية، قد أخلى مكانه في صدر الإسلام، للخشوع والتواضع الجم أمام الخالق، فقد كانت تجربة سحيم عبد بني الحسحاس، واحدة من الاستثناءات القليلة، التي شكَّلت امتداداً للزهو الجاهلي بالذات. وحيث شارك سحيم عنترة سواده ولم يشاركه شجاعته في ساحات المعارك، وجد في مخادع الحب، الميادين البديلة التي تمكنه من الاعتداد بفحولته، وتوفر له سبل الرد المفحم على ما ألحقه به بنو الحسحاس من عسف واضطهاد. وإذ رأى سحيم في انشغال رجال القبيلة بالحرب، الفرصة المثلى للانفراد بنسائهم، فقد كان حرصه على إغاظة رجال القبيلة الذين بالغوا في ازدرائه، أكثر من حرصه على حياته نفسها، مما دفعه إلى التباهي بعلاقاته الغرامية على نحو علني، حتى إذا قرر بنو الحسحاس حرقه حياً، لم يتورع عن القول متباهياً:

شُدّوا وثاق العبد لا يفْلتْكمُ

إن الحياة من الممات قريبُ

فلقد تحدَّر من جبين فتاتكمْ

عرقٌ على ظهر الفراش وطِيبُ

أما عمر بن أبي ربيعة الذي كان ينتمي إلى أحد فروع قريش الأكثر منعة وثراء، فقد بدت نرجسيته الفاقعة ثمرة عاملين اثنين هما، نشأته الباذخة التي تدعمها الوسامة والموهبة العالية من جهة، ورغبته الملحة في انتهاك المحظورات والقواعد الأخلاقية التي فرضها الدين الحنيف، بما فيها من حث على التعفف والتقوى، ونهي عن الفجور والزنا وارتكاب المحرمات. كما أن نزوع عمر إلى التمرد، لم تقتصر وجوهه على السلوكيات العابثة والتلذذ الأقصى بالحياة فحسب، بل تعدتهما إلى الشعر نفسه، حيث حوَّل قصائده ومقطوعاته إلى احتفال عارم بالمغامرات العاطفية والتلذذ بمتع العيش وملذاته، ضارباً بعرض الحائط كل دعوة إلى الوقار والزهد والاحتشام.

وإذ بدا شعر عمر ترجمة أمينة لأحوال نفسه، فنحن لن نعدم الشواهد التي تعكس صورة أناه المتفاقمة، وهو القائل في وصف النساء المنتظرات قدومه بفارغ الصبر «وكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بي، هُرعن فرقَّعنَ الكوى بالمحاجرِ». كما أنه في سياق الامتداح المفرط للذات، لم يجد غضاضة في التصريح بأن إحدى عاشقاته الوالهات، لا تجد ما تستعين به على النهوض، إذ تزل بها القدمان، سوى ذكر اسم شاعرها المعشوق، فيقول في ذلك:

وإذا ما عثرت في مشيها

نهضتْ باسمي وقالت: يا عمرْ

على أن أي حديث عن النرجسية في الشعر العربي القديم، لا يستقيم دون التوقف عند شخصية أبي الطيب المتنبي، الذي بلغ به الخيلاء وتعظيم النفس، حدوداً قلّ أن بلغها أحد من الشعراء العرب السابقين. ومن يتابع سيرة الشاعر على امتداد السنوات الخمسين التي عاشها، لا بد أن يكتشف أن اعتداده بنفسه لم يقتصر على ناحية بعينها، بل كان يطال شعره ولغته، بقدر ما يطال مزاياه الشخصية، كالشجاعة والمروءة والأنفة والشعور بالغربة. وقد بدا واضحاً أن تعظيم الشاعر لذاته، قد بدأ مع مطالع الصبا، حيث أسهم فوران صباه وانتماؤه القرمطي، في تعزيز أناه وتضخيمها ومضاعفة منسوبها، كما يظهر في قوله:

أيَّ محلٍّ أرتقي أي عظيمٍ أتَّقي

وكلُّ ما قد خلق الله وما لم يخلقِ

محتقرٌ في همّتي كشعرة في مفرقي

وإذ رافقت هذه السمة المتنبي في جميع مراحل حياته، فلن يعوزنا العثور على عشرات الشواهد والأمثلة الدالة على نرجسيته، وشعوره العميق بالعظمة والنبوغ. فهو لم يتحرج من القول: «أنا ترْبُ الندى وربُّ القوافي»، أو «ما بقوم شرفتُ بل شرفوا بي»، أو وصف غربته وتعاليه عن معاصريه من البشر، بالقول: «وما أنا منهمُ بالعيش فيهمْ، ولكنْ معدن الذهب الرغامُ». وهو في مواضع أخرى «خير من تسعى به قدم»، والصوت المتفرد الذي يتحول الآخرون إلى صدىً له. وهو الذي ينظر الأعمى إلى أدبه، ويسمع كلماته الأصم.

وقد يكون الشاعر الأندلسي ابن حمديس، أخيراً، أحد أكثر الشعراء قدرة على اختزال الشخصية النرجسية بقليل من الكلمات، حين وصف أحد الذين يرون في أنفسهم، محور الأرض وسبب دورانها، بقوله:

كأنما العالم مرآتهُ فلا يرى فيها سوى شخصهِ


عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
TT

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً يزخر بالصور متعدّدة المعاني، كما تشهد الأبحاث التي دأبت على دراستها وتحليلها، منذ اكتشاف هذا الموقع في مطلع القرن الماضي. يتوزّع قسم كبير من هذه الجداريات على قاعة كبرى تتألّف من ثلاثة إيوانات، يتوسّطها ركن يُعرف بـ«ركن العرش»، وفيه يحضر أمير القصر على عرشه تحت قبّة على شكل قنطرة، تزيّنها حلّة تصويرية مبتكرة تجمع بين سلسلة من القامات الأنثوية. تتبنّى هذه الحلّة طرازاً شاع في العالم المتوسّطي خلال القرون الميلادية الأولى، وتمثّل على الأرجح الأرض المثمرة بخيراتها الوفيرة التي ورثتها الخلافة الأموية، وأضحت أمينة عليها.

يحتلّ وسط سقف هذه القنطرة شريط تزييني عريض متقن أُنجز بحرفيّة عالية، ويتبنّى تأليفاً نباتياً تقليدياً، قوامه أربع زهريّات يونانية متراصة عمودياً، تحيط بها أربع شتول من فصيلة الأقنثا. تمتدّ هذه الشتول بأوراقها المسنّنة في فضاء التأليف، وتتوزّع بشكل تعادلي متناسق، لتؤلف لوحة نباتية يغلب عليها الطابع التجريدي الهندسي. لا يخلو هذا التأليف من العناصر التصويرية، الآدمية والحيوانية، إذ نجد في القسم الأسفل من هذا الشريط قامتين متواجهتين في وضعية نصف جانبية، ترفع كل منهما ذراعيها في اتجاه الأخرى، ونجد في القسم الأعلى طائرين متواجهين في وضعية جانبية، يرفع كلّ منهما رأسه في اتجاه الآخر. تحيط بهذا الشريط النباتي ستّ قامات نسائية نصفية، توزّعت على جانبي جداري القنطرة المقوّسين في بناء تعادلي محكم.

تتشابه هذه القامات الأنثوية بشكل كبير، وتُقارب في تشابهها التماثل، مع اختلافات بسيطة تحضر في تفاصيل ثانوية. ترتفع الرؤوس بشكل ثابت، محدّقة في اتجاه المشاهد، وتكشف عن وجوه ذات ملامح واحدة، تكلّلها خصل من الشعر تلتفّ من حولها، وتنسدل من خلف الكتفين. اللباس واحد، وقوامه جبّة، تتغير ألوانها ونقوشها بين قامة وأخرى. الحركة واحدة، وتتمثّل بحضور وشاح على شكل رزمة عريضة تنفتح أفقياً عند حدود الصدر. يستقرّ كلّ من هذه الرؤوس وسط قوس زيّن بسلسلة من النقوش المتراصة، وسط مساحة أفقية تزيّنها طيور من فصيلة الدراج، تصطفّ أفقياً في وضعيّة جانبية. تحضر ثلاثة طيور على الحائط الغربي، وتحضر إلى جانبها زهرية يونانية في طرف الصورة. ويتكرّر هذا التأليف بشكلّ مماثل على الحائط الشمالي.

ترتفع هذه الأقواس الستة فوق عواميد رخامية طويلة تكلّلها تيجان، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بـ«قوس المجد». وتنتصب وسط هذه العواميد سلسلة من القامات في وضعية المواجهة. ترتفع أربعة عواميد على الحائط الغربي، وتجاورها شجرة مورقة ترتفع إلى جانبها في طرف الصورة. تظهر تحت القوس الأوّل ثلاث قامات مُحِيَ الجزء الأكبر من تفاصيلها، ويتَضح عند التأمّل فيما بقي منها أنها تمثل قامة «ملكية» ترافقها قامتان من رجال الحرس، كما يوحي اللباس والرماح التي تظهر من خلف الظهر. تظهر تحت القوس الثاني امرأة تنتصب وسط شجيرات خضراء، حاملة بيديها شتولاً مزهرة. وتظهر تحت القوس الثالث، امرأة تنتصب كذلك في وضعية مشابهة. يتكرّر هذا التأليف على الحائط الشمالي، مع اختلاف في التفاصيل. يرافق الحرس القامة الملكية تحت القوس الأول. وتقف امرأة وسط شجيرات مثمرة تحت القوس الثاني. وتقف رفيقتها تحت القوس الأخير، رافعة بيدها اليسرى نحو الأعلى قرناً ضخماً.

يستعير هذا التأليف مفرداته من القاموس التشكيلي الكلاسيكي المتوارث. فالمرأة التي ترفع رزمة، هي في الأصل «غايا»، الأرض الأم التي ولد منها الكون وتشكّل، بحسب سفر التكوين اليوناني. وهي في العصر المسيحي، الأرض الطيّبة التي ترفع رزمة ملأى بالثمار. في المقابل، تجسّد القامات النسائية المنتصبة هذه الخصوبة، وفقاً لمبدأ «تشخيص» الفضائل والقيم والخيرات الذي اعتمده الفن الكلاسيكي، وتبنّاه الفن المسيحي من بعده. يجمع ركن العرش الأموي بين أربع قامات من هذا الطراز، وتتمّيز إحداها بالقرن الذي ترفعه بيدها عالياً، وهي في الفن الكلاسيكي «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال، والقرن الذي تحمله هو «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض. ظهر هذا القرن في القرن الخامس قبل الميلاد حيث ارتبط بسيد العالم السفلي «هاديس»، أي «مانح الثروة»، وذلك كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه» التي تعدّدت صورها ورموزها، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة. ورث الفن المسيحي هذا المثال فجرّده من دلالاته الأولى، وجعل منه رمزاً للوفرة والعطاء، ويبدو أنه دخل الفن الأموي من هذا الباب.

تحضر القامة الملكية برفقة حرسها على الجدار الغربي، كما تحضر على الجدار الشمالي المقابل. في المقابل، يظهر صاحب القصير متربّعاً على عرشه الملكي في صورة مركزيّة تحتلّ الجدار الجنوبي. تتآلف هذه العناصر وتعكس صورة سيادة الخلافة على هذه الأرض المثمرة. تكتمل هذه الصورة بحضور عناصر أخرى من هذه الحلة الاستثنائية. في الإيوان الشرقي، تظهر ثلاث قامات في لوحة جامعة تحتل الجزء الأعلى من الجدار الجنوبي. تحضر قامة نسائية تقف خلف قامة أخرى وهي تمسك بذراعها. ترافق هاتين القامتين كتابتان يونانيتان، «الحكمة» و«التاريخ». تتطلّع هاتان السيّدتان في اتجاه قامة تقف في الطرف المقابل، متكئة على عمود مربّع قصير، وترافق هذه القامة كتابة تسمّى «الشعر». يقابل هذه الصورة تأليف يحتلّ الأعلى من الحائط الجنوبي في الإيوان الغربي. فوق لوحة تمثّل الأمير وسط ديوانه، يظهر طاووسان متواجهان، وتعلو كلّاً منهما عبارة باللغة اليونانية، تسمّى إحداها «النعمة» وتسمّى الأخرى «النصر».

في الخلاصة، تمتدّ سيدة الخلافة لتشمل الأرض الطيبة كلها بغلال ثمارها، وتتزيّن بفضائل التاريخ والحكمة والشعر، وتحظى في حكمها بالنعمة والنصر.


تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر.