«تسونامي» الفرنك يضرب شركات صناعة الساعات السويسرية

ارتفاعه بعد فك ارتباطه باليورو جعل صادراتها أعلى تكلفة

«تسونامي» الفرنك يضرب شركات صناعة الساعات السويسرية
TT

«تسونامي» الفرنك يضرب شركات صناعة الساعات السويسرية

«تسونامي» الفرنك يضرب شركات صناعة الساعات السويسرية

خلال المعرض السنوي للساعات الفاخرة المقام في جنيف هذا الأسبوع، كان فنسنت ماليسين سعيدا بالتعقيدات الموجودة في إحدى الساعات من إنتاج شركة «فاشيرون كونستانتين»، التي تعتبر واحدة من أشهر شركات صناعة الساعات السويسرية.
يبدأ سعرها من 288 ألف يورو. ولكن عندما ترغب في التأكد من أن هذا السعر، الذي يساوي 334 ألف دولار بأسعار الصرف الحالية، سيظل قائما عند عرض الساعة العام المقبل، تكون إجابة ماليسين، وهو مدير تسويق هذه العلامة التجارية، هي الإشارة بيديه بشكل يوحي بمعنى «من يدري؟».
وبحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» فعلى هذا المنوال تتشكل مخاوف شركات صناعة الساعات السويسرية، التي يعاني الكثير منها من القرار الذي اتخذه البنك المركزي السويسري الأسبوع الماضي بإلغاء سقف سعر صرف الفرنك مقابل اليورو. أدت هذه الخطوة إلى ارتفاع كبير في قيمة الفرنك السويسري، وهو ما جعل صادرات سلع مثل الساعات أكثر تكلفة وأدت إلى الضغط على الشركات لتقوم إما بزيادة أسعارها أو الحصول على معدل أرباح أقل.
تسببت صدمة العملة في حيرة الشركات السويسرية خصوصا لأن الدولة تعتبر رائدة في تصدير الساعات الفاخرة، وبدأ القطاع يشعر بالفعل بآثار تباطؤ المبيعات للمشترين الأثرياء في الصين وروسيا، فضلا عن المنافسة الآتية من أنواع جديدة من الساعات الذكية.
كما أن الدولة، التي يبلغ تعداد سكانها 8 ملايين نسمة، تعتبر منافسا كبيرا في مجالات مثل المستحضرات الدوائية والآلات والمواد الكيميائية. ومع توقع انخفاض قيمة الصادرات، قام مصرف اتحاد البنوك السويسرية (UBS) الأسبوع الماضي بخفض توقعاته بشأن نمو سويسرا هذا العام ليصل إلى 0.5 في المائة من 1.8 في المائة.
فرض البنك الوطني السويسري (المركزي) منذ أكثر من 3 سنوات ربط سعر الفرنك مقابل سعر اليورو، ويعود ذلك غالبا لحماية الجهات المصدرة السويسرية في مواجهة ضعف اليورو. ولكن التحول المفاجئ في السياسة النقدية التي كانت تهدف إلى منع ارتفاع قيمة الفرنك لأكثر من 1.20 يورو، هو ما أدى إلى ارتفاع في قيمة العملة بنسبة تزيد على 30 في المائة. وظلت قيمتها مرتفعة هذا الأسبوع، فجرى تداول الفرنك بقيمة يورو واحد تقريبا.
انضم نيك حايك، الرئيس التنفيذي لـ«مجموعة سواتش»، أكبر شركة تصنيع ساعات في العالم، إلى قافلة الشكاوى الجماعية للمتذمرين من هذا التحول الكامل في سياسة البنك المركزي، فوصف حايك الأسبوع الماضي هذا القرار بأنه «تسونامي يجتاح صناعة التصدير والسياحة، ويجتاح البلاد بأكملها في النهاية».
وتخطت الآثار الناتجة عن هذا القرار إلى ما أبعد من سويسرا، فأغلقت بعض شركات السمسرة في العملات في لندن ونيويورك غير القادرة على تغطية التذبذب غير المسبوق في الفرنك، على انهيار أو على قرب انهيار. وفي بولندا، تدرس السلطات كيفية دعم المقترضين الذين أخذوا قروض رهن عقاري مقومة بالفرنك، نظرا لاعتقادهم بأن الاستثمار السويسري لا يضمن فقط الحصول على أسعار جيدة بل يضمن الاستقرار كذلك.
وكانت صناعة الساعات السويسرية هي أشد القطاعات تأثرا بتقلبات الفرنك السويسري، حيث يتم تصدير أكثر من 90 في المائة من ساعاتها مع احتفاظها بقاعدة تكاليف محلية إلى حد كبير نظرا لاعتمادها على جاذبية شعار «صنع في سويسرا». كانت سويسرا قد شددت أخيرا من قواعد حماية العلامات لضمان توليد ما لا يقل عن 60 في المائة من قيمة المنتجات السويسرية من داخل البلاد.
داخل القطاعات الأكثر تضررا في هذه الصناعة، قد تتكلف الساعات ذات الحركات المعقدة للغاية، التي تحتاج لسنوات لتطويرها وتجميعها، أكثر من مليوني دولار، حتى دون وجود ماس. في ساعة «باتيك فيليب»، التي تم طرحها في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي للاحتفال بذكرى مرور 175 عاما على العلامة التجارية وهي تتمتع بدقة آلية رنين داخلي قوي وتقويم دائم، استغرق الأمر 7 سنوات لتطوير هذه الساعة، وتكلفت 2.6 مليون دولار. ومن الناحية الأقل سعرا، هناك نموذج جديد لساعة «كارتييه» التي تظهر فيها الأجزاء المتحركة بشكل مكشوف وتوضع في علبة 47 ملم مصنوعة من الذهب الأبيض عيار 18، يبدأ سعرها من 150 ألف دولار.
حتى قبل ارتفاع قيمة الفرنك، كانت شركات صناعة الساعات تواجه تحديات أخرى. استنادا إلى تقديرات أولية، ارتفعت المبيعات العالمية للساعات السويسرية بنسبة نحو 2 في المائة العام الماضي، مقارنة بنسبة 22 في المائة في عام 2010.
جاءت النسبة العظمى من هذا التباطؤ في الصين، التي تمثل نحو ثلثي نمو المبيعات خلال العقد الماضي. كان السبب فيه شن حملة على تقديم الهدايا، كجزء من حملة حكومة بكين لمكافحة الفساد، تزامنا مع الاضطرابات الأخيرة التي وقعت في هونغ كونغ، التي تعتبر مركزا رئيسيا لتجارة الساعات السويسرية.
في الوقت نفسه، تسببت العقوبات السياسية التي فرضت أخيرا على روسيا في ضعف عملتها الروبل والقوة الشرائية للمواطنين الروس. كما انخفضت، في الأشهر الأخيرة، أسهم شركة «سواتش» بسبب مخاوف ترقب المنافسة من شركة «أبل» وغيرها من منتجي الساعات الذكية.
في الأسبوع الماضي، أعلنت «ريتشمونت»، الشركة المصنعة لعلامات تجارية مثل ساعات «كارتييه» و«فاشيرون كونستانتين» و«بياجيه»، أن المبيعات ارتفعت بنسبة نحو 4 في المائة لتصل إلى 3.05 مليار يورو في الربع الأخير. ولكن هذا الإعلان تضرر من صدمة العملة السويسرية، التي أدت لانخفاض قيمة سهم «ريتشمونت» بنسبة 16 في المائة في ذلك اليوم، و7 في المائة أخرى يوم الجمعة. كما تراجعت أسهم شركة «سواتش» كذلك، رغم أن الشركتين عوضتا هذا الأسبوع جزءا صغيرا من خسائرهما في سوق الأسهم.
حتى لو كان المزاج أقل تفاؤلا في معرض الساعات المقام في جنيف هذا العام عما كان عليه الوضع خلال السنوات الماضية، فإن المديرين التنفيذيين يصرون على أنه من المبكر جدا حساب تأثير الفرنك بوضعه الأكثر قوة على الأرباح.
واتسمت لهجة البعض بالتحدي، فقال ألان برنار، رئيس شركة «أميركاز فور فان كليف آند أربلز» إن الشركة «ليست لديها نيات لتغيير أي شيء» فيما يخص أسعار الساعات. وأضاف مازحا: «على الأقل عندما نكتفي من الحديث عن الساعات، سيكون لدينا شيء آخر لنتحدث عنه».
وبحسب تقرير «نيويورك تايمز»، فقد أشارت شركات صناعة ساعات أخرى إلى أن المشترين الأثرياء الذين يقبلون على الساعات الفاخرة نادرا ما يركزون على الأسعار.
قال ريتشارد ميل، مؤسس ورئيس مجلس إدارة العلامة التجارية لساعات «ريتشارد ميل»: «عندما تضع سعر ساعة ما عند رقم 600 ألف دولار مثلا، فإن وصولك إلى سعر 650 ألف دولار أو 680 ألف دولار لا يمثل اختلافا كبيرا في الواقع. لن أتسبب في صداع لنفسي بشكل لا داعي له».
من أجل تعويض انخفاض الهوامش، توقع جان كلود بيفر، رئيس شعبة صناعة الساعات في مجموعة «إل في إم إتش مويت هينيسي لوي فيوتون» في مقابلة عبر الهاتف، أن ترفع شركات صناعة الساعات أسعارها في المتوسط بنسبة تتراوح بين 3 و5 في المائة «ولكن لا يوجد ما يضاهي ارتفاع الفرنك أمام اليورو». كما يمكن أن تتسبب اضطرابات العملة في مزيد من عمليات الاندماج في قطاع تهيمن عليه بالفعل 3 مجموعات. فقد قامت مجموعة «إل في إم إتش» في عام 2008 بالاستحواذ على شركة «هوبلوت»، بوصفه جزءا من جهودها الرامية لتنويع منتجاتها وكذلك من أجل تحدي الشركتين العملاقتين في صناعة الساعات، وهما «سواتش» و«ريتشمونت».
قال بيفر: «ينبغي علينا أن نبحر الآن وسط هذا النوع من العواصف التي خرجت منها الشركات الأقوى والأكبر وهى أشد جلدا وبأسا، والتي خرجت منها الشركات الضعيفة وهي أشد وهنا وضعفا». أعلنت شركة «ريتشمونت» مثلا الأسبوع الماضي أنه يوجد لديها أكثر من 5 مليارات دولار أموالا نقدية.
أشارت بعض شركات تصنيع الساعات الأصغر حجما إلى أن قرار البنك المركزي كان له تأثير فوري. وقام بعض تجار التجزئة بإلغاء أوامر شراء في غضون ساعات، بحسب إدوارد ميلان، الرئيس التنفيذي لشركة «إتش موسر» وهي شركة عائلية تبيع 95 في المائة من ساعاتها خارج سويسرا، في خطاب مفتوح وجهه إلى توماس جوردان، رئيس البنك الوطني السويسري.
وأضاف عن طريق الهاتف: «ما تواجهه شركة أكبر حجما قد يقتصر على مشكلة اضطرارها للتعامل مع مساهمين غير راضين، أما ما تتعرض له شركة مثل شركتنا فهو صدمة كبرى هي أقرب إلى صراع من أجل البقاء. لقد فقدنا، في غضون ثانية واحدة، عامين من الجهود المبذولة بهدف تحسين هوامشنا».



استراتيجية الصين للطاقة تؤتي ثمارها مع اضطراب الإمدادات

مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)
مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)
TT

استراتيجية الصين للطاقة تؤتي ثمارها مع اضطراب الإمدادات

مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)
مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)

تُظهر استراتيجية الصين طويلة الأمد في تنويع مصادر الطاقة وبناء المخزونات قدرتها على التكيّف مع الاضطرابات الناجمة عن الحرب مع إيران، رغم أن بعض القطاعات لا تزال تواجه تحديات كبيرة، حسب محللين.

تُعد الصين مستورداً صافياً للنفط، وقد جاء أكثر من نصف وارداتها البحرية من الخام من الشرق الأوسط العام الماضي، وفقاً لشركة التحليلات «كبلر».

وقد أدى النزاع الذي أشعلته إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران إلى توقف شبه كامل للشحنات من منطقة الخليج لمدة ستة أسابيع حتى الآن، مع اتفاق هش لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه هذا الأسبوع، ومن غير المرجح أن يؤدي إلى تعافٍ فوري.

ومع ذلك، فإن تركيز بكين المستمر منذ فترة طويلة على أمن الطاقة جعلها مستعدة بشكل جيد لمثل هذه الصدمات، حسبما قال محللون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت مويو شو، كبيرة محللي النفط في «كبلر»، إن «القلق العام بشأن الوضع الجيوسياسي» في السنوات الأخيرة دفع القادة الصينيين إلى ضمان إنشاء مرافق تخزين كافية وبناء احتياطيات استراتيجية.

وأضافت أن هذه الجهود تعني أن الصين الآن في وضع أفضل بكثير مقارنة ببعض جيرانها في آسيا، مثل اليابان والفلبين. لكنها أشارت إلى أن بكين لم تكن «في عجلة» حتى الآن للبدء في استخدام احتياطياتها الاستراتيجية الكبيرة.

«تأكيد» الاستراتيجية

ويرجع ذلك جزئياً إلى أن مهمة الصين المستمرة منذ عقود لتقليل اعتمادها التقليدي على الفحم والوقود الأحفوري بدأت تؤتي ثمارها. فجهود التحول واسعة النطاق نحو الطاقة المتجددة تعني أن «الصين في وضع جيد نسبياً» للتعامل مع الوضع الحالي، وفقاً للوري ميلفيرتا، المؤسس المشارك لـ«مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف».

وقد تمت إضافة قدرات كبيرة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية إلى المقاطعات الساحلية المكتظة بالسكان، إلى جانب تحسين البنية التحتية للشبكات التي تنقل الكهرباء إليها من المناطق الداخلية.

وقال ميلفيرتا إنه «كان سيتعين استيراد مزيد من النفط والغاز لتشغيل تلك المقاطعات» لولا هذه الجهود.

ورغم استمرار بعض الاعتماديات، بما في ذلك في قطاع التصنيع الضخم، فإن الطاقة المتجددة «تساعد كثيراً على الهامش»، حسب قوله.

كما قال لي شو، مدير «مركز الصين للمناخ في جمعية آسيا»، إن أزمة الطاقة الحالية «تؤكد صحة استراتيجية الصين طويلة الأمد القائمة على تنويع كل المصادر».

ويسعى الرئيس شي جينبينغ إلى الاستفادة من التوسع في الطاقة المتجددة بشكل أكبر مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية. وقد بثت قناة «سي سي تي في» الرسمية تقريراً يوم الاثنين نقلت فيه عن شي دعوته إلى تسريع بناء «نظام طاقة جديد» لضمان أمن الطاقة، دون الإشارة إلى حرب الشرق الأوسط.

مشاكل تلوح في الأفق

بالنسبة لبكين، فإن «الخطر الأكثر جدية» لا يتمثل في الصدمات الفورية للطاقة، بل في احتمال حدوث تباطؤ اقتصادي عالمي بسبب النزاع، حسب لي من «جمعية آسيا». ومن المتوقع أن تتأثر بعض القطاعات حتماً، ما يخلق تحديات جديدة أمام القادة الذين يسعون إلى إنعاش النشاط الاقتصادي المتباطئ.

ومن بين هذه القطاعات «المصافي الصغيرة» الخاصة، التي استفادت تاريخياً من الوصول إلى النفط الإيراني والفنزويلي الخاضع للعقوبات بأسعار مخفضة.

وقد يكون فقدان النفط الإيراني بمثابة ضربة قاضية لكثير من هذه العمليات، التي تتركز بشكل رئيسي في مقاطعة شاندونغ الشرقية، التي تعاني بالفعل من تداعيات التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا هذا العام.

وقالت شو من «كبلر» إن لدى بكين «مشاعر مختلطة» تجاه ذلك. فمن جهة، تمثل هذه المصافي نحو خُمس قدرة التكرير في الصين وتوفر فرص عمل كبيرة. ومن جهة أخرى، فإن معاييرها البيئية المتساهلة، وإيراداتها الضريبية الأقل استقراراً، ومنافستها للشركات الحكومية الكبرى، تعني أن إغلاقها «ليس بالضرورة خبراً سيئاً بالكامل للصين».

كما أن قطاع صناعة الرقائق، الذي عده شي أولوية استراتيجية، قد يواجه تحديات مع استمرار إغلاق مضيق هرمز. وتُعد قطر واحدة من الدول القليلة في العالم التي تنتج الهيليوم على نطاق واسع، وهو عنصر حيوي لصناعة أشباه الموصلات، وقد توقفت الإمدادات منذ بدء الحرب.

وقد يواجه قطاع الكيميائيات أيضاً «ضغوطاً كبيرة» بسبب الاضطرابات، حسب تقرير حديث لميخال ميدان من «معهد أكسفورد لدراسات الطاقة».

ومع ذلك، على المستوى الوطني، قالت إن «التأثيرات يمكن التخفيف منها». فبينما لن يكون الاقتصاد بمنأى عن ارتفاع الأسعار وتراجع النشاط الاقتصادي، فإن الجهات المعنية تتخذ بالفعل إجراءات استباقية في حال استمرار الاضطرابات.


الأسواق العالمية تترقب أثر «انسداد إسلام آباد» على افتتاح الاثنين

متداولون في بورصة نيويورك يعملون قبل إغلاق السوق في 8 أبريل (أ.ف.ب)
متداولون في بورصة نيويورك يعملون قبل إغلاق السوق في 8 أبريل (أ.ف.ب)
TT

الأسواق العالمية تترقب أثر «انسداد إسلام آباد» على افتتاح الاثنين

متداولون في بورصة نيويورك يعملون قبل إغلاق السوق في 8 أبريل (أ.ف.ب)
متداولون في بورصة نيويورك يعملون قبل إغلاق السوق في 8 أبريل (أ.ف.ب)

تترقب الأسواق العالمية افتتاح التداولات يوم الاثنين، وسط حالة من التوجس الموضوعي؛ حيث يواجه المستثمرون تقاطعاً حرجاً بين صدمة جيوسياسية غير متوقعة وموسم أرباح مصيري. وبينما كان «رالي» الأربعاء الماضي يستند إلى آمال وقف إطلاق النار، يأتي فشل مفاوضات إسلام آباد ليعيد رسم سيناريوهات التحوط بدلاً من المخاطرة.

انتهت محادثات إسلام آباد دون اتفاق، وهو ما يعني أن «علاوة المخاطر» الجيوسياسية ستعود لتسعير نفسها في العقود الآجلة منذ الدقائق الأولى للافتتاح. الأسواق التي احتفلت الأسبوع الماضي بـ«يوم المتابعة» وصعود مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2.5 في المائة، قد تشهد عمليات جني أرباح سريعة أو حركات تصحيحية، حيث يخشى المتداولون من أن يؤدي استمرار الصراع إلى تقويض زخم النمو الذي بُني عليه التفاؤل الأخير.

خريطة توضح مضيق هرمز وخط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

«النفط» و«الألمنيوم» تحت المجهر

تضع انتكاسة المفاوضات السياسية أسواق السلع الأساسية أمام اختبار حقيقي لمستويات الأسعار، حيث تبرز الطاقة والمعادن الصناعية كأكثر القطاعات حساسية لغياب الحلول الدبلوماسية.

ففي سوق النفط، يتوقع المحللون عودة «علاوة المخاطر الجيوسياسية» لتصدر المشهد عند افتتاح التداولات؛ إذ إن استمرار حالة الانسداد السياسي يعني بقاء التهديدات المحدقة بممرات الملاحة الدولية، وتحديداً مضيق هرمز، مما يدفع عقود خام برنت للتحرك في نطاقات سعرية تعكس مخاوف «تعطل الإمداد» بدلاً من «أساسيات الطلب». هذا المشهد يفرض ضغوطاً إضافية على معدلات التضخم العالمي، ويجعل من استقرار تدفقات الخام قضية أمن اقتصادي دولي تتجاوز مجرد تقلبات الأسعار اليومية.

أما في قطاع المعادن، فيبرز الألمنيوم كلاعب رئيسي في ظل التوترات الراهنة، خاصة بعد استهداف منشآت صهر كبرى في منطقة الشرق الأوسط التي تساهم بنحو 9 في المائة من الإنتاج العالمي. وتتجه الأنظار الآن إلى كيفية استجابة المصانع العالمية لنقص المعروض المحتمل، في وقت ترتفع فيه تكاليف الطاقة اللازمة للصهر، مما يخلق حلقة مفرغة من الضغوط السعرية التي قد تمتد لتشمل قطاعات التصنيع الثقيل والسيارات، مما يجعل من أداء هذه السلع «ترمومتراً» حقيقياً لمدى ثقة الأسواق في قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام حرب استنزاف جيوسياسية.

شاشة تعرض مؤشرات أسواق آسيا في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)

الذهب بين ضغوط السيولة والتحوط الجيوسياسي

على الرغم من فشل مفاوضات إسلام آباد وتصاعد نبرة التوتر العسكري، يواجه الذهب حالة من الترقب المشوب بالحذر؛ حيث يتوقع المحللون افتتاحاً يتسم بالتذبذب نتيجة تضارب القوى المحركة للسوق. فمن ناحية، يفرض الفشل الدبلوماسي طلباً طبيعياً على الذهب كـ«ملاذ آمن» تقليدي في أوقات الحروب، غير أن هذا الارتفاع قد يصطدم بما يعرف بـ «تسييل المراكز»؛ حيث يلجأ بعض كبار المستثمرين لبيع الذهب لتوفير السيولة اللازمة لتغطية خسائر محتملة في قطاعات أخرى، مثل الأسهم أو الأصول عالية المخاطر التي قد تتأثر سلباً بانتكاسة المفاوضات.

علاوة على ذلك، يراقب المتداولون أثر هذه التوترات على «توقعات التضخم»؛ إذ إن بقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة نتيجة الانسداد السياسي قد يدفع البنوك المركزية الكبرى للتمسك بسياسات نقدية متشددة لفترة أطول. هذا السيناريو يضع الذهب تحت ضغط تقني، نظراً لارتفاع تكلفة الفرصة البديلة لحيازته أمام العوائد المرتفعة للسندات. ومع ذلك، يجمع المحللون في مؤسسات دولية مثل «غولدمان ساكس» على أن الاتجاه الصعودي الطويل الأمد للمعدن الأصفر يبقى قائماً، مدعوماً بمشتريات البنوك المركزية والبحث عن مخازن للقيمة بعيداً عن تقلبات العملات الورقية، مما يجعل من افتتاح الاثنين اختباراً حقيقياً لقدرة «المعدن النفيس» على امتصاص الصدمة الجيوسياسية الراهنة.

اختبار قطاع البنوك

تبدأ البنوك الكبرى مثل «غولدمان ساكس» و«جي بي مورغان» الإعلان عن نتائج الربع الأول يوم الاثنين والثلاثاء. تقتضي الموضوعية مراقبة «نظرة البنوك المستقبلية»؛ فالمشكلة ليست في أرباح الربع الماضي، بل في مدى تخوف رؤساء البنوك من تأثير الحرب على «شهية الإقراض» والاستثمارات الرأسمالية في النصف الثاني من العام.

أحد المارة يمر أمام لوحة مؤشرات سوق الأسهم في طوكيو (إ.ب.أ)

كسر «رالي» الأربعاء؟

تقنياً، يراقب المحللون ما إذا كان مؤشر «ناسداك» سيحافظ على مكاسبه فوق مستويات الأسبوع الماضي. فشل المفاوضات قد يختبر مستويات الدعم الفنية؛ فإذا افتتحت الأسواق على انخفاض كبير وتجاوزت أحجام التداول مستويات الجمعة الماضية، فقد نكون أمام «فشل للرالي» قبل أن يكتمل أسبوعه الأول.

في الخلاصة، لن يكون افتتاح الاثنين مجرد رد فعل على فشل دبلوماسي، بل هو «إعادة تقييم» شاملة لقدرة الاقتصاد العالمي على تحمل «حرب طويلة» في الشرق الأوسط. المستثمرون الآن لا يبحثون عن أرقام النمو بقدر بحثهم عن «رسائل الطمأنة» التي قد تصدر عن اجتماعات واشنطن برئاسة الجدعان، لضبط إيقاع الأسواق المضطربة.


ناقلات نفط غادرت الخليج عبر مضيق هرمز مع بدء المحادثات بين أميركا وإيران

ناقلة النفط «لوجياشان» راسية قبالة مسقط مع تعهّد إيران بإغلاق مضيق هرمز وسط الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع طهران خلال فبراير ومارس 2026 (رويترز)
ناقلة النفط «لوجياشان» راسية قبالة مسقط مع تعهّد إيران بإغلاق مضيق هرمز وسط الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع طهران خلال فبراير ومارس 2026 (رويترز)
TT

ناقلات نفط غادرت الخليج عبر مضيق هرمز مع بدء المحادثات بين أميركا وإيران

ناقلة النفط «لوجياشان» راسية قبالة مسقط مع تعهّد إيران بإغلاق مضيق هرمز وسط الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع طهران خلال فبراير ومارس 2026 (رويترز)
ناقلة النفط «لوجياشان» راسية قبالة مسقط مع تعهّد إيران بإغلاق مضيق هرمز وسط الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع طهران خلال فبراير ومارس 2026 (رويترز)

أظهرت بيانات الشحن أن 3 ناقلات نفط عملاقة محمّلة بالكامل عبرت مضيق هرمز يوم السبت، في ما يبدو أنه أول خروج لسفن من الخليج منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. وكانت طهران قد فرضت حصاراً على المضيق، وهو ممر حيوي يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، مما أدى إلى اضطراب إمدادات الطاقة العالمية ودفع أسعار النفط إلى الارتفاع منذ اندلاع الحرب الإيرانية في أواخر فبراير (شباط) الماضي.

وأظهرت بيانات «إل إس إي جي» أن ناقلة النفط العملاقة «سيريفوس» التي ترفع علم ليبيريا، وناقلتي «كوسبيرل ليك» و«هي رونغ هاي» اللتين ترفعان العلم الصيني، دخلت وخرجت من «مرسى عبور هرمز التجريبي» الذي يتجاوز جزيرة لارك الإيرانية يوم السبت. وتستطيع كل ناقلة حمل مليوني برميل من النفط.

«سيريفوس» تتجه إلى ماليزيا

تشير بيانات «إل إس إي جي» و«كبلر» إلى أن الناقلة «سيريفوس»، المستأجرة من قبل شركة الطاقة التايلاندية الحكومية «بي تي تي (PTT)»، واحدة من 7 سفن طلبت ماليزيا موافقة إيران لعبورها المضيق، وفقاً لمصدرين مطلعين. والناقلة، التي تحمل نفطاً خاماً جرى تحميله من السعودية والإمارات في أوائل مارس (آذار) الماضي، من المتوقع أن تصل إلى ميناء ملقا الماليزي في 21 أبريل (نيسان) الحالي. ولم ترد وزارة الخارجية الماليزية ولا شركتا «بتروناس» و«بي تي تي (PTT)» على طلبات التعليق خارج ساعات العمل يوم الأحد.

وكانت ناقلة أخرى، هي «أوشن ثاندر»، المحمّلة بالنفط العراقي والمستأجرة من وحدة تابعة لـ«بتروناس»، قد عبرت الممر الأسبوع الماضي، وفق وكالة «رويترز».

ناقلتان صينيتان تعبران هرمز

ومن المتوقع أن تصل ناقلة «كوسبيرل ليك»، المحمّلة بالنفط العراقي، إلى ميناء تشوشان شرق الصين في 1 مايو (أيار) المقبل، وفق بيانات «إل إس إي جي». ولم يتضح بعد مكان تفريغ ناقلة «هي رونغ هاي» التي تحمل نفطاً سعودياً. وتشير البيانات إلى أن الناقلتين مستأجرتان من قبل «يونيبك»، الذراع التجارية لعملاق الطاقة الصيني «سينوبك». ولم ترد الشركة على طلب التعليق خارج ساعات العمل. ولا تزال مئات الناقلات عالقة في الخليج، في انتظار المغادرة خلال فترة وقف إطلاق النار التي تمتد أسبوعين.

سفن فارغة تدخل الخليج

كما أظهرت البيانات أن 3 ناقلات أخرى فارغة؛ هي «مومباسا بي» و«أجيوس فانوريوس1» و«شالامار»، كانت تبحر في مضيق هرمز يوم الأحد متجهة إلى داخل الخليج لتحميل النفط. وأشارت بيانات الناقلة «أجيوس فانوريوس1»، التي ترفع علم مالطا، إلى أنها في طريقها إلى العراق لتحميل «خام البصرة» المتجه إلى فيتنام.