تحليل الحيوانات المنوية لتشخيص حالات التوحد

تحليل الحيوانات المنوية لتشخيص حالات التوحد

الجمعة - 9 جمادى الآخرة 1442 هـ - 22 يناير 2021 مـ رقم العدد [ 15396]

مع الزيادة المطردة في أعداد الأطفال الذين يعانون من عرض أو أكثر من أعراض طيف التوحد، توقع الكثيرون أن هذه الزيادة حدثت نتيجة لزيادة الوعي بالأعراض وتحسن طرق التشخيص بشكل كبير.
وعلى الرغم من أن هذا التوقع صحيح بالطبع، فإن وجود أسباب بيئية، فضلاً عن الأسباب الجينية ربما يكون العامل الأهم في ارتفاع هذه النسبة. وعلى سبيل المثال في السبعينات من القرن الماضي كان هناك طفل في الولايات المتحدة يعاني من التوحد بين 5000، والآن هناك واحد من كل 68 طفلاً يعاني من طيف التوحد ASD، وذلك تبعاً لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها. ويطلق مصطلح طيف التوحد نظراً للاختلاف الكبير بين شدة كل حالة وأخرى. ونظراً لأهمية المرض هناك آلاف الدراسات التي تتناول أسبابه وطرق تشخيصه لمحاولة علاجه.


حيوانات منوية
في أحدث هذه الدراسات أجراها باحثون أميركيون وإسبان من جامعة ولاية واشنطن Washington State University، ونشرت في مطلع شهر يناير (كانون الثاني) من العام الحالي في مجلة التطبيق الإكلينيكي لدور الجينات journal Clinical Epigenetics، أشار العلماء إلى احتمالية أن تكون هناك بعض العلامات الحيوية Biomarkers في الحيوان المنوي للأب، تزيد من احتمالية إصابة الطفل في المستقبل بالمرض.
قام الباحثون بفحص الجزيئات الموجودة في الحيوانات المنوية والمسؤولة عن ظهور الجين الخاص بأطياف التوحد لـ13 من الآباء لأطفال مصابين بالتوحد، وأيضاً 13 من آباء أطفال غير مصابين بالمرض. وقاموا بالتركيز على الآلية التي تسمح للجين بظهور خصائصه أو عدم ظهورها methylation لمعرفة ما إذا كان للجينات دور في نقل التوحد للأبناء، من عدمه.
ومن المعروف أن الأسباب الأكيدة لطيف التوحد غير معروفة تماماً، ويمكن أن تكون خليطاً من عوامل بيئية وسلوكية عدة، ولكن تبقى النظرية الجينية هي الأهم والأكثر قبولاً في الأوساط العلمية.
ولذلك؛ فإن الدراسات التي تسعى لتأكيد أو نفي هذه النظرية لها أهمية كبيرة، حيث يمكن تلافي السبب مستقبلاً مع التقدم الكبير في أبحاث الهندسة الوراثية بحيث تصبح خطة تلافي المرض هي الوقاية منه بدلاً من التركيز على علاج آثاره كما هو الحال الآن، خاصة أن العلاج حتى الآن عبارة عن علاج سلوكي خاص بكل حالة على حدة.


علاقة جينية
ووجدت الدراسة 805 مناطق على جزيء من الحمض النووي «دي إن إيه DNA» تحدث فيها هذه الآلية methylation والتي يمكن أن تؤدي إلى ظهور المرض. وهو الأمر الذي يشير إلى أن الرجال الذين توجد في جيناتهم هذه العلامات سوف يصاب أبناؤهم بالتوحد لاحقاً.
ولتأكيد نتيجة الدراسة، قام العلماء بفحص عينات من الحيوانات المنوية لـ18 من الرجال في محاولة لمعرفة مَن مِن هؤلاء الرجال أب لطفل متوحد، ومن منهم أب لطفل سليم. وكانت نسبة دقة الاختيار تبعاً للنظرية الجديدة 90 في المائة.
ولكن الباحثين أوضحوا أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسات حتى يتم اعتماد هذه الطريقة في التشخيص في المختبرات غير البحثية، خاصة أن الفريق الذي قام بهذه الدراسة مشغول بالفعل في دراسة أخرى تستهدف 100 رجل تتعلق بالموضوع نفسه. كما أن العوامل البيئية تلعب دوراً كبيراً في تغيير الجينات بشكل عام، ويمكن بذلك تغيير خصائص تلك الموجودة في الحيوانات المنوية أو البويضات إذا تم التعرف على العوامل البيئية المؤثرة عليها.
أوضح العلماء أنه مثلما يمكن أن تنشأ الأمراض من خلال تغير خصائص جين معين يمكن أيضاً أن يكون تغيير هذه الخصائص طريقة للعلاج حسب آلية معينة طالما تم التعرف على هذه الجينات. وتبعاً للدراسة الحالية، فإن هناك ما يشبه التسلسل الكودي على الجينات يوضح فرص الإصابة، وعلى الرغم من قلة أعداد الرجال الذين تمت عليهم التجربة (26 رجلاً)، فإن نتائجها خاصة فيما يتعلق بالتوقع ومعرفة آباء أطفال التوحد من الجينات تعتبر بارقة أمل كبيرة في إمكانية إنقاذ آلاف الأطفال من التوحد، إذا تم عمل مسح للحيوانات المنوية للرجال في عمر مبكر، وتم تعريض الجينات لعوامل مغيرة لخصائصها. وفي أسوأ الافتراضات، فإن المعرفة المبكرة تؤدي إلى التشخيص المبكر، وبالتالي إمكانية التوصل إلى نتائج أفضل.
على الرغم من أن العامل الوراثي غير مفهوم بشكل كامل في التوحد، لكن هناك احتماليات أكبر أن يتم نقل المرض من الأب إلى أبنائه أكثر من أن يتم نقله من خلال الأم، وهو الأمر الذي أكدته هذه الدراسة مما يضاعف من قيمة نتائجها. ولم تنفِ الدراسة أن انتقال المرض عن طريق جينات الأم غير وارد الحدوث.
والتفسير الأقرب الآن لأسباب المرض هو حدوث طفرة في جينات الأب مع تعرضها لسموم معينة من البيئة تؤدي إلى حدوث المرض. ومن العوامل المؤثرة في تغير طبيعة الجين هي عمر الاب بحيث تتناسب طردياً مع الخلل الجيني. وعلى سبيل المثال تكون نسبة حدوث الطفرة 28 في المائة في الفئة العمرية من 40 إلى 49 عاماً وتزيد النسبة إلى 70 في المائة في الآباء الذين يتعدى عمرهم 50 عاماً.
ويمكن لاحقاً أن يتم التحليل للكشف على الخلل الجيني بشكل روتيني عند فحص السائل المنوي في محاولات الإنجاب، خاصة التي يتم فيها الإخصاب في عمليات الأوعية المختبرية IVF، لمعرفة احتماليات الإصابة والبحث عن حلول لتجنبها في محاولة لإنقاذ الآلاف من الأطفال حول العالم من خطورة المرض.
* استشاري طب الأطفال


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة