هل ينجح بايدن في تحقيق سياساته؟

مخاوف من توقف دعم جمهوريي الكونغرس عند خطط مكافحة «كورونا»

هل ينجح بايدن في تحقيق سياساته؟
TT

هل ينجح بايدن في تحقيق سياساته؟

هل ينجح بايدن في تحقيق سياساته؟

عندما كانت انتخابات الرئاسة الأميركية في أشدها ولم يتبقّ عليها سوى أسبوع واحد فقط، تمكن جو بايدن من تحقيق اختراق كبير. وسافر بايدن إلى «وورم سبرينغز»، وهي بلدة في ولاية جورجيا اشتهرت مياهها الجوفية بتخفيف أعراض مرض الرئيس السابق فرانكلين روزفلت بشلل الأطفال. وفيها، تعهد المرشح الديمقراطي للرئاسة آنذاك بأكبر إصلاح سياسي واقتصادي تشهده الولايات المتحدة منذ إصلاحات «نيو ديل» التي قام بها روزفلت، كما ذكر تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».
لا شك أن برنامج بايدن الإصلاحي ساعده على التفوق على الرئيس السابق دونالد ترمب والفوز بالرئاسة، إلا أنه رفع سقف الطموحات عالياً لأول مائة يوم له في البيت الأبيض، في وقت تواجه فيه البلاد انقساماً وطنياً غير مسبوق وأزمة صحية أودت بحياة أكثر من 400 ألف أميركي وأضعفت الاقتصاد إلى حد كبير.
ويبدأ الرئيس الأميركي الجديد ولايته مدعوماً بسيطرة ديمقراطية متواضعة على مجلسي النواب والشيوخ، وعقب فوزه في انتخابات عززت حدة الاستقطاب السياسي في البلاد وصوت فيها 74 مليون شخص لصالح خصمه. وحتى لو تمكّنت إدارة بايدن من تحقيق معظم أهدافها عن طريق أوامر تنفيذية، فإن هذه الإجراءات عرضة للإلغاء من قبل المحاكم الفيدرالية وصولاً إلى المحكمة العليا التي تسيطر عليها أغلبية محافظة بنسبة 6 - 3.
وفي هذا السياق، تستعد الإدارة الجديدة لإصدار سلسلة طويلة من الأوامر التنفيذية على مدار الأيام العشرة الأولى من ولاية بايدن، بالإضافة إلى التشريعات التي ستبدأ في شق طريقها من خلال غرفتي الكونغرس بشأن مواجهة الأزمة الصحية، وإصلاح نظام الهجرة، وتعزيز التحالفات الأميركية التقليدية، وغيرها من القضايا.
وفي ظل هذا البرنامج التشريعي والتنفيذي الطموح، يتساءل كثيرون عن ما إذا كان بايدن وعد بأكثر مما يستطيع الوفاء به. ويبدو من خلال تصريحات الرئيس الجديد وفريقه أنه يعتقد عكس ذلك، إذ قال في السابق: «سنبذل قصارى جهدنا للتغلب على كل التوقعات، سواء السلبية أو الإيجابية للبلاد».
ويتمتع الرؤساء الجدد عموماً بفترة «شهر عسل» تساعدهم في الكونغرس. وتحسنت فرص بايدن في الحصول على هذه الفترة بفضل انتزاع الديمقراطيين مقعدين في مجلس الشيوخ خاصين بولاية جورجيا من الجمهوريين. وربما يساعده أيضاً غضب عدد كبير من المشرعين من التمرد المسلح على مبنى الكابيتول الذي قام به أنصار ترمب في 6 يناير (كانون الثاني) الماضي.
اعترف مستشارو بايدن بأنهم سيواجهون معارك مريرة لتمرير أولوياتهم التشريعية. ويبحثون اعتماد أسلوب مألوف في واشنطن، يقوم على دمج بعض الأفكار الكبيرة فيما يعرف باسم «التشريع الشامل» بحيث يتعين على المشرعين الذين يريدون اتخاذ إجراءات شعبية أن يتقبلوا المزيد من الإجراءات المثيرة للجدل. كما ثمة نهج آخر يمكن لإدارة بايدن اتباعه، وهو تحقيق سياساتها عن طريق أوامر تنفيذية، حيث يؤدي القيام بذلك إلى تفادي الكونغرس تماماً، لكنه يتيح للمحاكم الطعن في القرارات بسهولة أكبر.
واستخدم الرئيس الأميركي السابق ترمب الأوامر التنفيذية بشكل كبير لتمرير بعض سياساته المثيرة للجدل، تتعلق بتعزيز الرقابة على الحدود والبيئة وغيرها، لكن المحاكم الفيدرالية غالباً ما كانت تقف في الطريق.
وتتمثل الأولوية القصوى لإدارة بايدن في إقناع الكونغرس بالمصادقة على خطة بقيمة 1.9 تريليون دولار لمكافحة فيروس «كورونا»، تتمثل في توزيع 100 مليون لقاح بحلول يومه المائة في منصبه، مع تقديم 1400 دولار أميركي كمدفوعات مباشرة للأميركيين لتحفيز الاقتصاد المتضرر من الفيروس. لكن تمرير غرفتي الكونغرس لهذا القرار قد يرتبط بتقديم بايدن تنازلات كبيرة، مثل اقتراحه برفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً للساعة. إلى ذلك، تُطرح مشكلة التوقيت، إذ إن مناقشة والتصويت على حزمة الإغاثة الضخمة التي يقترحها بايدن سيتطلب من أعضاء مجلس الشيوخ إيجاد وقت بالتوازي مع جلسات المصادقة على المرشحين لشغل مناصب وزارية عليا وإجراءات محاكمة الرئيس السابق.
ورغم هذه التحديات، لا يبدو أن الرئيس الـ46 للولايات المتحدة سيتراجع عن أولوياته الداخلية والخارجية. إذ إنه أطلق فترة ولايته بنحو 15 أمراً تنفيذياً وقّع عليها أمس، وتشمل إعادة انضمام الولايات المتحدة إلى منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ، ومطالبة الأميركيين بالالتزام بارتداء الأقنعة لمائة يوم في المباني الفيدرالية، وإلغاء حظر دخول المهاجرين من دول ذات غالبية مسلمة، ومضاعفة الرسوم التي تدفعها الشركات الأميركية على الأرباح الأجنبية.
وفي اليوم نفسه، قرر بايدن تشكيل فريق عمل معني بمكافحة التشرد ولمّ شمل الآباء المهاجرين بأطفالهم. ويعمل على إرسال مشاريع قوانين إلى الكونغرس تسعى إلى فرض تدقيق أكثر صرامة لخلفيات مشتري الأسلحة، وإلغاء إجراءات حصانة مصنعي الأسلحة النارية، وتوفير مسار للحصول على الجنسية لـ11 مليون مهاجر جاءوا إلى الولايات المتحدة بشكل غير قانوني وهم أطفال.
يسعى الرئيس الجديد كذلك إلى تخفيف القيود فوراً على النقابات العمالية الفيدرالية، وتغيير تراجع ترمب عن نحو 100 قانون تتعلق بالصحة العامة والبيئة التي وضعتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ووضع قواعد للحد من تأثير الشركات على إدارته، وضمان استقلالية وزارة العدل. كما وعد بأن يكون هناك 100 مركز تطعيم مدعوم من موظفي إدارة الطوارئ الفيدرالية خلال شهره الأول في البيت الأبيض. ويقول بايدن إنه سيستخدم قانون الإنتاج الدفاعي لزيادة إمدادات اللقاح، والتأكد من أن يصبح الوباء تحت السيطرة بعد أول 100 يوم له في منصبه بهدف إعادة فتح معظم المدارس العامة في جميع أنحاء البلاد. كما تعهد بإنشاء لجنة مراقبة للشرطة لمكافحة العنصرية المؤسسية.
ومن بين المبادرات الرئيسية الأخرى التي تسعى إدارة بايدن إلى معالجتها على وجه السرعة، الاتفاق على حزمة مناخية بقيمة تريليوني دولار لجعل الولايات المتحدة خالية من انبعاثات الكربون بحلول عام 2050. وعمل خطة لإنفاق 700 مليار دولار لتعزيز التصنيع والبحث والتطوير، وجعل قانون الرعاية الصحية لإدارة أوباما يتضمن «خياراً عاماً».
ووسط هذا البحر الواسع من الوعود الانتخابية والقرارات التنفيذية، قد تضيع حقيقة أن جزءاً من 80 مليون ناخب الذين صوّتوا لصالح بايدن ربما فعلوا ذلك فقط لمعارضة ترمب، لا دعماً لأجندته الديمقراطية الطموحة. وقد لا يكون انتصار الرئيس بايدن تفويضاً شعبياً لسحب البلاد إلى اليسار. وتوقّع الخبير الاستراتيجي الجمهوري، مات ماكوفياك، دعماً جمهورياً مبكراً لخطط بايدن المتعلقة بمواجهة جائحة «كورونا» وتحفيز الاقتصاد، لكنه قال إن هذا الدعم قد يتبخر سريعاً إذا «أصدرت الإدارة الجديدة مجموعة من الأوامر التنفيذية اليسارية في اليوم الأول».
وقد شغل بايدن مقعداً في الصف الأول كنائب للرئيس في عام 2009 عندما تولى باراك أوباما الرئاسة، حيث ملأت الحشود متنزه «ناشيونال مول» ووعدهم بتجاوز الاستقطابات الحزبية. واستخدمت إدارته أغلبية أكبر في الكونغرس للإشراف على نمو اقتصادي بطيء بعد الأزمة المالية لعام 2008، وأقرت قانون الصحة الذي يسعى بايدن الآن إلى التوسع فيه. لكن أوباما فشل في تمرير تشريع رئيسي بشأن تغير المناخ والهجرة، وفشل أيضاً في إغلاق معسكر الاعتقال الأميركي في خليج غوانتانامو بكوبا الذي لا يزال مفتوحاً حتى اليوم.
إن التقصير في الوفاء بالوعود في ذلك الوقت لن يجعل بايدن يؤنب نفسه اليوم، فهو يقر بأن القيام حتى بجزء صغير مما يريد سيتسبب في عجز ضخم، لكنه يجادل بأن الولايات المتحدة لديها «واجب اقتصادي» و«التزام أخلاقي» للقيام بذلك.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.