تحديات جدية تواجه «فرنسا ماكرون» خلال 2021

بينها «كوفيد ـ 19» وتداعياتها... وإشكاليات الوضع الداخلي والتعقيدات الدولية

تحديات جدية تواجه «فرنسا ماكرون» خلال 2021
TT

تحديات جدية تواجه «فرنسا ماكرون» خلال 2021

تحديات جدية تواجه «فرنسا ماكرون» خلال 2021

نادراً ما عرف رئيس فرنسي، منذ انطلاق «الجمهورية الخامسة»، كماً من المشكلات في الداخل والخارج كالتي واجهها (ويواجهها) الرئيس إيمانويل ماكرون الذي وصل إلى الرئاسة حاملاً مشاريع إصلاحية أرادها أن تقلب أوضاع فرنسا رأساً على عقب، وتحضرها لمواجهة العقد الجديد. ورغم الدينامية الشخصية التي يتحلى بها، وتمتعه بأكثرية مريحة في مجلس النواب، وتراجع مواقع الحزبين التقليديين (اليمين المعتدل واليسار الاشتراكي) اللذين تعاقبا على حكم فرنسا منذ 60 سنة، فإن ماكرون لم يستطع تلافي الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، كالمظاهرات والإضرابات الاحتجاجية على إصلاح قانون العمل وقانون التقاعد والسترات الصفراء وقطاع النقل، وقد التصقت به صفة «رئيس الأغنياء» بعدما كان أول قرار اقتصادي - مالي اتخذه إثر وصوله إلى قصر الإليزيه هو إلغاء الضريبة على الثروة. وما زالت ماثلة في أذهان الفرنسيين صور الحرائق وعمليات الكر والفر بين رجال الأمن والمتظاهرين من خريف عام 2018 حتى ربيع عام 2019. ثم جاءت جائحة «كوفيد-19»، والإرباك الذي دمغ تعاطي السلطات الصحية والسياسية معها، لتزيد من تدهور صورة ماكرون والحكومة، إن فيما خص استخدام الكمامات أو اللقاحات لاحقاً. أما على صعيد سياسة ماكرون الخارجية، فقد أراد اجتراح العجائب بإعادة نفح المشروع الأوروبي بدينامية جديدة، وتسريع الاندماج بين دول الاتحاد، والتوصل إلى «الاستقلالية الاستراتيجية» إزاء الولايات المتحدة الأميركية، وبناء علاقة «خاصة» مع الرئيسين الأميركي والروسي، والانفتاح على الصين، وإعادة موسكو إلى الحضن الأوروبي. كذلك أراد أن تلعب بلاده دوراً رائداً في النزاعات الإقليمية، أكان في سوريا أو لبنان أو ليبيا، أو في ملفات شرق البحر الأبيض المتوسط والنزاعات المزمنة بين أنقره من جهة وأثينا ونيقوسيا من جهة أخرى، وهي الأطراف المتخاصمة بشأن تحديد الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة والثروات الغازية والبترولية الكامنة لكل طرف. وكان ملف الدور العسكري الفرنسي في بلدان الساحل الأفريقي على رأس اهتمامات ماكرون. ولكن لا بد من الإشارة إلى طموحه البين بأن يلعب دور صلة الوصل بين واشنطن وطهران، عبر تشجيع دونالد ترمب على البقاء داخل الاتفاق النووي لعام 2015، بالتوازي مع دفع طهران لإدامة الالتزام بتعهداتها النووية... لكن النتيجة معروفة.
مع انطلاقة العام الجديد، يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومعه الدبلوماسية الفرنسية، مجموعة من التحديات التي يجب التعامل معها، وإيلاء الملفات الداخلية ذات العناوين المتعددة الأولوية: الأزمة الصحية، وتداعياتها الاقتصادية والمالية والسياسية. وفي السياق عينه، يجب على ماكرون أن يبدأ بالتحضير للمعركة الرئاسية المقبلة التي ستجري بعد 16 شهراً من أجل الفوز بولاية ثانية. وفي الخارج، تجد باريس نفسها بحاجة إلى إعادة رسم سياستها الخارجية، على ضوء متغير رئيسي عنوانه نهاية عهد دونالد ترمب، ووصول رئيس جديد هو جو بايدن... بعد أقل من أسبوع إلى البيت الأبيض. إلا أن ذلك لن يسهل بالضرورة مهمات الدبلوماسية الفرنسية للعام الجديد، خصوصاً أن الإدارة الجديدة سوف تحتاج لعدة أشهر حتى ترسخ أقدامها، وترسم ملامح سياسة واشنطن «الجديدة».
- التحدي اللبناني
عندما وصل الرئيس ماكرون إلى بيروت يوم 6 أغسطس (آب) الماضي، بعد 48 ساعة فقط على الانفجارين الهائلين اللذين تسببا بكارثة لا مثيل لها في العاصمة اللبنانية، نظر إليه اللبنانيون على اختلاف مشاربهم على أنه «الرجل المنقذ»، إذ إنه شمر عن ساعديه، ونزل إلى محيط المرفأ المدمر والمنطقة البائسة لملاقاة المواطنين الذين تجمهروا حوله فيما لم يجرؤ أي مسؤول لبناني على مجاراته. ولم يحط ماكرون ركابه فارغ اليدين. فإضافة إلى المساعدات الإنسانية التي حملها وراحت تتدفق على لبنان، حمل معه مشروعاً إنقاذياً بعناوين مختلفة: صحية، إعمارية، مالية، اقتصادية وسياسية. وفي ظل الانهيارات المتراكمة التي عرفها لبنان، ارتفع صوته من بين ركام العاصمة ليقول للبنانيين: «لن أترككم وحدكم». وفي مساء ذاك اليوم، استدعى الرئيس الفرنسي إلى قصر الصنوبر، مقر سفير بلاده، زعماء الأحزاب اللبنانية، بمن فيهم ممثل لـ«حزب الله»، ليطرح عليهم خطة إنقاذية، ولدعوتهم لتحمل مسؤولياتهم «لأن فرنسا لا يمكن أن تحل مكان اللبنانيين»، وليعدهم بدعم دولي. وحث السلطات على «توفير أجوبة واضحة حول تعهداتها بالنسبة إلى دولة القانون والشفافية والحرية والديمقراطية والإصلاحات الضرورية». كذلك أعلمهم أنه سيعود إلى بيروت في مطلع سبتمبر (أيلول) ليرى ما تنفذ منها. وبعد 72 ساعة من رجوعه إلى باريس، نجح ماكرون في دفع «مجموعة الدعم للبنان»، والمؤسسات المالية والاقتصادية الأوروبية والدولية، لتوفير 250 مليون يورو مساعدات إنسانية عاجلة غير مشروطة، كما وعد بمؤتمر دولي لاحق، على غرار مؤتمر «سيدر» لعام 2018 الذي جمع للبنان وعوداً بمساعدات وقروض من نحو 11 مليار دولار. لكن الشرط الأولي البديهي كان -وما زال- القيام بإصلاحات جوهرية لمحاربة الفساد، وتحقيق الشفافية المالية، ومراجعة حسابات البنك المركزي، وإصلاح قطاع الكهرباء...
لكن، ما كاد ماكرون يركب الطائرة في رحلة العودة حتى بدأ التراجع عن الوعود التي سمعها في بيروت، أكان من المسؤولين أو من السياسيين. وجاءت استقالة رئيس الحكومة حسان دياب في 10 أغسطس (آب) لتزيد الطين بلة، ولتوجد فراغاً مؤسساتياً، ولينطلق اللبنانيون في ممارسة هوايتهم المفضلة التي عنوانها المماحكات السياسية. ولم يجرِ تكليف رئيس حكومة جديد بشخص السفير مصطفى أديب إلا عشية عودة ماكرون إلى بيروت في مطلع سبتمبر (أيلول)، حيث عمد مجدداً إلى جمع المسؤولين السياسيين، وأمهلهم أسبوعين لتشكيل «حكومة مهمة» من اختصاصيين، بعيداً عن السياسة والمحاصصة، بحيث تكون مهمتها تنفيذ برنامج إصلاحي إنقاذي متكامل حصل بشأنه على موافقة كل القادة السياسيين. كذلك لوح ماكرون باللجوء إلى إجراءات زجرية وعقوبات، في حال فشلهم في هذه المهمة. لكن، مرة جديدة، خاب ظن ماكرون، إذ انقضى الأسبوعان ولا حكومة، فاستقال أديب، وعاد إلى سفارته في برلين، وغرق اللبنانيون في جدل عقيم انتهى بتكليف سعد الحريري مهمة تشكيل الحكومة الجديدة في 22 أكتوبر (تشرين الأول). وبعد مرور ما يقارب الأشهر الثلاثة، ما زال لبنان بلا حكومة. ولكن قبل ذلك، عقد ماكرون مؤتمراً صحافياً صب فيه جام غضبه وخيبته على الطبقة السياسية اللبنانية بعبارات لم يسبق أبداً أن استخدمت، إذ اتهمها بـ«الخيانة»، مندداً بممارساتها المشينة وفسادها وانتهازيتها. ولإصابته بوباء «كوفيد-19»، ألغى زيارته الثالثة لبيروت التي كانت مقررة في 22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وثمة إجماع لدى المحللين والمراقبين في باريس على أن «مبادرة ماكرون» غرقت في الوحول اللبنانية، وفي التجاذبات الإقليمية، وفي حسابات الأطراف ورهاناتهم تارة على الانتخابات الأميركية، وطوراً على تغير الموازين في المنطقة والحوار الأميركي - الإيراني المرتقب... بيد أن سفيراً سابقاً جيد الاطلاع على الأوضاع اللبنانية وخبايا الدبلوماسية الفرنسية قال لـ«الشرق الأوسط» إن «عيب المبادرة الفرنسية يكمن في أربعة أمور: الأول أن ماكرون ومستشاريه لم يقدروا قدرة النظام السياسي اللبناني وطبقته على امتصاص الصدمات وتغليب غريزة البقاء حق قدرها؛ والثاني أن ماكرون بتعويمه هذه الطبقة مكنها -بشكل غير مباشر- من أن تقاومه، خصوصاً أنه وفر لها الوقت، ولم يكن يحمل بوجهها (الهراوة) الغليظة؛ والثالث أن الوعود التي حصل عليها من الرئيسين الأميركي والإيراني بالامتناع عن التدخل بالشؤون اللبنانية كانت وعوداً فارغة من المعنى، ولم يتم أخذها بعين الاعتبار؛ والرابع أن لبنان ورقة تفاوضية مهمة في الزمن اللاحق، عندما يحين وقت المفاوضات الجدية، ليس فقط بين واشنطن وطهران، ولكن أيضاً بصدد رسم صورة مستقبل المنطقة. وبناء عليه، فإن الوساطة الفرنسية دخلت في حالة (الموت السريري)، ولا أحد يلتفت إليها لبنانياً لأن الأنظار مصوبة لقراءة ما سيصدر عن الإدارة الأميركية الجديدة. ومع ذلك، فإن (التحدي اللبناني) سيكون حاضراً بقوة في الحراك الدبلوماسي الفرنسي لأسباب تاريخية وسياسية وإنسانية».
- الصداع التركي وهموم شرق المتوسط
في الشرق الأوسط أيضاً، يسبب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان صداعاً شديداً للرئيس ماكرون خلال الأشهر المنقضية، إذ إنه لم يكتفِ بالتنديد بالسياسة الفرنسية في الخارج والداخل (وضع مسلمي فرنسا)، بل ذهب إلى حد التجريح الشخصي به، واتهامه بـ«الاختلال العقلي» و«الموت السريري»، ونصحه بالتوجه إلى «طبيب نفسي». وفي المقابل، انتقد ماكرون، ومعه وزيرا الخارجية والدفاع، مراراً وتكراراً، في أكثر من مناسبة، أداء تركيا داخل الحلف الأطلسي (ناتو)، وتدخلها العسكري في سوريا ضد الأكراد، حلفاء التحالف الدولي في محاربة «داعش»، وانتهاك سيادة العراق بسبب غاراتها الجوية في شمال البلاد، وإبقاء قاعدة عسكرية على أراضيه. ولعل أعنف الانتقادات طالت سياسة تركيا في ليبيا التي «تهدد المصالح الاستراتيجية الأوروبية» و«تستجلب المرتزقة والإرهابيين» إلى أبواب الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن «انتهاك السيادة المائية» لعضوين فيه... وكان آخر الغيث تدخلها السافر في حرب ناغورني قره باغ ضد الأرمن، ودعمها للجيش الأذري. وعملت باريس بقوة من أجل فرض عقوبات اقتصادية وتجارية أوروبية على تركيا، والضغط عليها من خلال «الناتو»، ومحاولة عزلها سياسياً. كذلك انتقدت باريس بشدة دعوة تركيا لمقاطعة البضائع الفرنسية بحجة سياسة ماكرون «المعادية للمسلمين». وفي آخر قمة للقادة الأوروبيين، فُرضت عقوبات «مخففة» على أنقره بعد تأجيل متكرر. واتفق الأوروبيون على النظر مجدداً في الملف التركي في قمتهم خلال مارس (آذار) المقبل. وأخيراً، أبرمت باريس مع أثينا صفقة رئيسية لتزويدها بـ18 طائرة «رافال» لغرض تعزيز قدراتها بمواجهة تركيا، بعد أن أرسلت سفناً وطائرات للمشاركة في مناورات عسكرية في المتوسط.
بيد أن الأمور أخذت بالتغير في الأيام القليلة الماضية. فالخطاب التركي، على لسان إردوغان ووزير خارجيته مولود تشاووش أوغلو، راح في منحى مختلف، مع عودة التركيز على أن «مستقبل تركيا مع أوروبا»، والدعوة إلى «فتح صفحة جديدة»، بل إن الخطاب تجاه فرنسا تحول بدوره. وأعلن أوغلو أنه اتصل، بداية العام الحالي، بنظيره الفرنسي، واتفقا على «خريطة طريق» لتطبيع العلاقات المأزومة، وفهم أن أول بنودها هو وقف التراشق الإعلامي. وتربط مصادر فرنسية الاستدارة التركية بعاملين اثنين: العقوبات الأوروبية الحالية والمقبلة، وأثرها على الاقتصاد التركي المتهالك؛ ووصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، ومواقفه المتشددة المعلنة من تركيا وإردوغان بالذات، إذ سبق له أن دعا المعارضة للتخلص منه من خلال الانتخابات، وأعرب عن استعداده لدعمها. أما الانفتاح على فرنسا، فمرده -بحسب المصادر نفسها- رغبة أنقره في «تحييد» باريس داخل الاتحاد. ويبدو أن باريس أيضاً تريد التهدئة، حيث قال الباحث الفرنسي المعروف ديديه بيون لـ«الشرق الأوسط» إن إحدى العلامات تعيين هيرفيه ماغرو سفيراً في أنقره. وقد ولد ماغرو في تركيا، حيث كان والده في مهمة دبلوماسية، ويتكلم اللغة التركية بطلاقة، ويعرف دقائق ملف العلاقات الثنائية، وكيفية التحدث إلى الأتراك.
- الملف النووي الإيراني
بالنسبة إلى الملف النووي الإيراني، تشخص الأنظار ليس إلى باريس، بل إلى واشنطن، حيث التغيير الجذري يتمثل في رغبة الرئيس الأميركي الجديد بايدن في «العودة» إلى الاتفاق النووي مع إيران الذي مزقه سلفه، ولكن شرط عودة طهران إلى الالتزام بتعهداتها. ومن ثم، إطلاق جولة مفاوضات جديدة، تأخذ بالاعتبار برامج الصواريخ الباليستية الإيرانية وسياسة طهران الإقليمية.
وتشير مصادر فرنسية واسعة الاطلاع إلى أن الخط العام لسياسة الرئيس المنتخب يتطابق إلى حد بعيد مع ما كانت تدعو إليه باريس منذ البداية، لكنها لم تحصد نجاحاً يذكر. واليوم، تطرح باريس مجموعة تساؤلات، وتنبه إلى أن الأمور «ليست بالبساطة التي يروج لها الطرف الإيراني» الذي يريد -عملياً- أن تتراجع واشنطن عن العقوبات التي خنقت اقتصادها، ليتراجع بعدها عن تحلله من الالتزامات التي تعهد بها بموجب الاتفاق. والحال أن ما قامت به إيران منذ ربيع العام الماضي قضى على الاتفاق بشكل شبه كامل، وأعاد البرنامج النووي الإيراني إلى ما كان عليه قبل إبرامه، إن لجهة كميات اليورانيوم المخصبة أو لجهة نسبة التخصيب أو نشر الطاردات المركزية. وتطرح الأوساط الفرنسية علامات استفهام جدية حول إمكانية العودة إلى اتفاق لم يبقَ منه سوى النذر القليل، وتحديداً بقاء مفتشي وكالة الطاقة الدولية في إيران.
- الرحيل من مالي... وحسابات باريس الأفريقية
> يوم 8 يناير (كانون الثاني) الحالي، تعرضت قافلة عسكرية تابعة لعملية «برخان» الفرنسية لهجوم انتحاري في الجانب المالي من المنطقة المسماة «الحدود الثلاثية» (مالي - بوركينا فاسو - النيجر)، حيث تنشط التنظيمات المتشددة والإرهابية. وجاءت المحصلة ثقيلة بالنسبة للقوة الفرنسية التي جرح 6 من أفرادها، 3 منهم جروحهم خطرة. وتفيد المصادر العسكرية الفرنسية بأن إحدى العربات المدرعة ضحت إلى حد ما بطاقمها عندما قطعت الطريق على سيارة انتحارية رباعية الدفع، إذ لو نجح قائدها في التسلل إلى القافلة لكانت الخسائر الفرنسية أكبر بكثير. والمهم في هذه الحادثة أمران: الأول أن التنظيمات التي تقاتل «برخان» -خصوصاً في مالي- تفضل زرع العبوات الناسفة على جوانب الطرقات لتفجرها عن بعد، ولا تنهج أسلوب العمليات الانتحارية. والثاني أن ما حصل يوم 8 يناير (كانون الثاني) جاء بعد عمليتين إرهابيتين في المنطقة نفسها، قتلتا 5 جنود فرنسيين، بحيث وصل عدد الضحايا الفرنسيين إلى 50 قتيلاً وعشرات الجرحى. من هنا، فإن «الكلفة» البشرية التي تتحملها القوة الفرنسية مرتفعة للغاية، لكن يجب إضافة الكلفة المادية، إذ إن «برخان» تكلف الخزينة الفرنسية ما يقارب المليار دولار في العام. وبالتوازي، لا يمكن تناسي «الثمن» السياسي الذي تدفعه فرنسا، ذلك أن «برخان» انطلقت في عام 2014، وهدفها محاربة التنظيمات الإرهابية التي تهدد استقرار بلدان الساحل الخمسة، حيث نشرت باريس 5100 عسكري مدعمين بقوة جوية متعددة الأشكال، وبإسناد لوجيستي. والحال أن هذه القوة التي تعمل بالتنسيق مع القوة الأفريقية المشتركة المسماة «جي 5»، وتضم نظرياً وحدات من بلدان الساحل الخمسة (موريتانيا، ومالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وتشاد) وقوة الكوماندوس الأوروبية (تاكوبا)، وتحظى بمساندة لوجيستية واستخباراتية أميركية وبريطانية وألمانية وإسبانية، لم تنجح حتى اليوم في القضاء على التنظيمات الإرهابية، بل إن هذه التنظيمات أعادت -وفق ما يظهر- تنظيم صفوفها، وكسبت مزيداً من الأنصار، وهي تلعب على وتر محاربة الحضور الفرنسي «الاستعماري».
وفي الأسابيع الأخيرة، أخذت تسمع نغمة جديدة، عنوانها خفض عدد القوة الفرنسية التي قرر الرئيس إيمانويل ماكرون، بداية العام الماضي، تعزيزها بـ600 رجل إضافي. وكان رئيس الأركان الفرنسي الجنرال فرنسوا لوكوانتر أول من أشار إلى هذا الخيار في زيارة له إلى المنطقة. وفي الأيام الأخيرة، عمدت وزيرة الدفاع فلورانس بارلي إلى تحضير الرأي العام، لكنها تركت للرئيس إيمانويل ماكرون الإعلان رسمياً عن هذا القرار بمناسبة القمة الفرنسية - الأفريقية المقررة في العاصمة التشادية نجامينا الشهر المقبل، بحضور القادة الأفارقة الخمسة، بحيث تكون استنساخاً للقمة التي استضافتها مدينة بو (جنوب غربي فرنسا). وقالت بارلي في حديث لصحيفة «لو باريزيان»، في معرض تبريرها لخفض عدد «برخان»، إن القوة الفرنسية «أحرزت نجاحات عسكرية كبيرة في عام 2020، سواء من خلال قتل عدد من كبار المسؤولين أو من خلال مهاجمة شبكات التوريد الخاصة» بالتنظيمات الإرهابية. والمرجح أن يعلن ماكرون سحب الـ600 جندي الإضافي، وهو ما لا ترغب فيه السلطات المالية، ولا القائد الأعلى للقوة الأفريقية المشتركة. والمعروف أن باريس تريد نقل مزيد من المسؤوليات لهذه القوة التي تفتقر حتى اليوم للتدريب والتمويل والقدرة على العمل المشترك بين مكوناتها. لكن الصعوبة تكمن في غياب رؤية واضحة لكيفية تطور الأوضاع، وللانعكاسات المترتبة على الأوضاع الميدانية، خصوصاً لمستقبل الحضور الفرنسي العسكري الذي عنوانه الرسمي «محاربة الإرهاب»، وضمان الاستقرار في بيئة ينمو فيها الشعور المعادي لفرنسا.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.