تحديات جدية تواجه «فرنسا ماكرون» خلال 2021

بينها «كوفيد ـ 19» وتداعياتها... وإشكاليات الوضع الداخلي والتعقيدات الدولية

تحديات جدية تواجه «فرنسا ماكرون» خلال 2021
TT

تحديات جدية تواجه «فرنسا ماكرون» خلال 2021

تحديات جدية تواجه «فرنسا ماكرون» خلال 2021

نادراً ما عرف رئيس فرنسي، منذ انطلاق «الجمهورية الخامسة»، كماً من المشكلات في الداخل والخارج كالتي واجهها (ويواجهها) الرئيس إيمانويل ماكرون الذي وصل إلى الرئاسة حاملاً مشاريع إصلاحية أرادها أن تقلب أوضاع فرنسا رأساً على عقب، وتحضرها لمواجهة العقد الجديد. ورغم الدينامية الشخصية التي يتحلى بها، وتمتعه بأكثرية مريحة في مجلس النواب، وتراجع مواقع الحزبين التقليديين (اليمين المعتدل واليسار الاشتراكي) اللذين تعاقبا على حكم فرنسا منذ 60 سنة، فإن ماكرون لم يستطع تلافي الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، كالمظاهرات والإضرابات الاحتجاجية على إصلاح قانون العمل وقانون التقاعد والسترات الصفراء وقطاع النقل، وقد التصقت به صفة «رئيس الأغنياء» بعدما كان أول قرار اقتصادي - مالي اتخذه إثر وصوله إلى قصر الإليزيه هو إلغاء الضريبة على الثروة. وما زالت ماثلة في أذهان الفرنسيين صور الحرائق وعمليات الكر والفر بين رجال الأمن والمتظاهرين من خريف عام 2018 حتى ربيع عام 2019. ثم جاءت جائحة «كوفيد-19»، والإرباك الذي دمغ تعاطي السلطات الصحية والسياسية معها، لتزيد من تدهور صورة ماكرون والحكومة، إن فيما خص استخدام الكمامات أو اللقاحات لاحقاً. أما على صعيد سياسة ماكرون الخارجية، فقد أراد اجتراح العجائب بإعادة نفح المشروع الأوروبي بدينامية جديدة، وتسريع الاندماج بين دول الاتحاد، والتوصل إلى «الاستقلالية الاستراتيجية» إزاء الولايات المتحدة الأميركية، وبناء علاقة «خاصة» مع الرئيسين الأميركي والروسي، والانفتاح على الصين، وإعادة موسكو إلى الحضن الأوروبي. كذلك أراد أن تلعب بلاده دوراً رائداً في النزاعات الإقليمية، أكان في سوريا أو لبنان أو ليبيا، أو في ملفات شرق البحر الأبيض المتوسط والنزاعات المزمنة بين أنقره من جهة وأثينا ونيقوسيا من جهة أخرى، وهي الأطراف المتخاصمة بشأن تحديد الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة والثروات الغازية والبترولية الكامنة لكل طرف. وكان ملف الدور العسكري الفرنسي في بلدان الساحل الأفريقي على رأس اهتمامات ماكرون. ولكن لا بد من الإشارة إلى طموحه البين بأن يلعب دور صلة الوصل بين واشنطن وطهران، عبر تشجيع دونالد ترمب على البقاء داخل الاتفاق النووي لعام 2015، بالتوازي مع دفع طهران لإدامة الالتزام بتعهداتها النووية... لكن النتيجة معروفة.
مع انطلاقة العام الجديد، يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومعه الدبلوماسية الفرنسية، مجموعة من التحديات التي يجب التعامل معها، وإيلاء الملفات الداخلية ذات العناوين المتعددة الأولوية: الأزمة الصحية، وتداعياتها الاقتصادية والمالية والسياسية. وفي السياق عينه، يجب على ماكرون أن يبدأ بالتحضير للمعركة الرئاسية المقبلة التي ستجري بعد 16 شهراً من أجل الفوز بولاية ثانية. وفي الخارج، تجد باريس نفسها بحاجة إلى إعادة رسم سياستها الخارجية، على ضوء متغير رئيسي عنوانه نهاية عهد دونالد ترمب، ووصول رئيس جديد هو جو بايدن... بعد أقل من أسبوع إلى البيت الأبيض. إلا أن ذلك لن يسهل بالضرورة مهمات الدبلوماسية الفرنسية للعام الجديد، خصوصاً أن الإدارة الجديدة سوف تحتاج لعدة أشهر حتى ترسخ أقدامها، وترسم ملامح سياسة واشنطن «الجديدة».
- التحدي اللبناني
عندما وصل الرئيس ماكرون إلى بيروت يوم 6 أغسطس (آب) الماضي، بعد 48 ساعة فقط على الانفجارين الهائلين اللذين تسببا بكارثة لا مثيل لها في العاصمة اللبنانية، نظر إليه اللبنانيون على اختلاف مشاربهم على أنه «الرجل المنقذ»، إذ إنه شمر عن ساعديه، ونزل إلى محيط المرفأ المدمر والمنطقة البائسة لملاقاة المواطنين الذين تجمهروا حوله فيما لم يجرؤ أي مسؤول لبناني على مجاراته. ولم يحط ماكرون ركابه فارغ اليدين. فإضافة إلى المساعدات الإنسانية التي حملها وراحت تتدفق على لبنان، حمل معه مشروعاً إنقاذياً بعناوين مختلفة: صحية، إعمارية، مالية، اقتصادية وسياسية. وفي ظل الانهيارات المتراكمة التي عرفها لبنان، ارتفع صوته من بين ركام العاصمة ليقول للبنانيين: «لن أترككم وحدكم». وفي مساء ذاك اليوم، استدعى الرئيس الفرنسي إلى قصر الصنوبر، مقر سفير بلاده، زعماء الأحزاب اللبنانية، بمن فيهم ممثل لـ«حزب الله»، ليطرح عليهم خطة إنقاذية، ولدعوتهم لتحمل مسؤولياتهم «لأن فرنسا لا يمكن أن تحل مكان اللبنانيين»، وليعدهم بدعم دولي. وحث السلطات على «توفير أجوبة واضحة حول تعهداتها بالنسبة إلى دولة القانون والشفافية والحرية والديمقراطية والإصلاحات الضرورية». كذلك أعلمهم أنه سيعود إلى بيروت في مطلع سبتمبر (أيلول) ليرى ما تنفذ منها. وبعد 72 ساعة من رجوعه إلى باريس، نجح ماكرون في دفع «مجموعة الدعم للبنان»، والمؤسسات المالية والاقتصادية الأوروبية والدولية، لتوفير 250 مليون يورو مساعدات إنسانية عاجلة غير مشروطة، كما وعد بمؤتمر دولي لاحق، على غرار مؤتمر «سيدر» لعام 2018 الذي جمع للبنان وعوداً بمساعدات وقروض من نحو 11 مليار دولار. لكن الشرط الأولي البديهي كان -وما زال- القيام بإصلاحات جوهرية لمحاربة الفساد، وتحقيق الشفافية المالية، ومراجعة حسابات البنك المركزي، وإصلاح قطاع الكهرباء...
لكن، ما كاد ماكرون يركب الطائرة في رحلة العودة حتى بدأ التراجع عن الوعود التي سمعها في بيروت، أكان من المسؤولين أو من السياسيين. وجاءت استقالة رئيس الحكومة حسان دياب في 10 أغسطس (آب) لتزيد الطين بلة، ولتوجد فراغاً مؤسساتياً، ولينطلق اللبنانيون في ممارسة هوايتهم المفضلة التي عنوانها المماحكات السياسية. ولم يجرِ تكليف رئيس حكومة جديد بشخص السفير مصطفى أديب إلا عشية عودة ماكرون إلى بيروت في مطلع سبتمبر (أيلول)، حيث عمد مجدداً إلى جمع المسؤولين السياسيين، وأمهلهم أسبوعين لتشكيل «حكومة مهمة» من اختصاصيين، بعيداً عن السياسة والمحاصصة، بحيث تكون مهمتها تنفيذ برنامج إصلاحي إنقاذي متكامل حصل بشأنه على موافقة كل القادة السياسيين. كذلك لوح ماكرون باللجوء إلى إجراءات زجرية وعقوبات، في حال فشلهم في هذه المهمة. لكن، مرة جديدة، خاب ظن ماكرون، إذ انقضى الأسبوعان ولا حكومة، فاستقال أديب، وعاد إلى سفارته في برلين، وغرق اللبنانيون في جدل عقيم انتهى بتكليف سعد الحريري مهمة تشكيل الحكومة الجديدة في 22 أكتوبر (تشرين الأول). وبعد مرور ما يقارب الأشهر الثلاثة، ما زال لبنان بلا حكومة. ولكن قبل ذلك، عقد ماكرون مؤتمراً صحافياً صب فيه جام غضبه وخيبته على الطبقة السياسية اللبنانية بعبارات لم يسبق أبداً أن استخدمت، إذ اتهمها بـ«الخيانة»، مندداً بممارساتها المشينة وفسادها وانتهازيتها. ولإصابته بوباء «كوفيد-19»، ألغى زيارته الثالثة لبيروت التي كانت مقررة في 22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وثمة إجماع لدى المحللين والمراقبين في باريس على أن «مبادرة ماكرون» غرقت في الوحول اللبنانية، وفي التجاذبات الإقليمية، وفي حسابات الأطراف ورهاناتهم تارة على الانتخابات الأميركية، وطوراً على تغير الموازين في المنطقة والحوار الأميركي - الإيراني المرتقب... بيد أن سفيراً سابقاً جيد الاطلاع على الأوضاع اللبنانية وخبايا الدبلوماسية الفرنسية قال لـ«الشرق الأوسط» إن «عيب المبادرة الفرنسية يكمن في أربعة أمور: الأول أن ماكرون ومستشاريه لم يقدروا قدرة النظام السياسي اللبناني وطبقته على امتصاص الصدمات وتغليب غريزة البقاء حق قدرها؛ والثاني أن ماكرون بتعويمه هذه الطبقة مكنها -بشكل غير مباشر- من أن تقاومه، خصوصاً أنه وفر لها الوقت، ولم يكن يحمل بوجهها (الهراوة) الغليظة؛ والثالث أن الوعود التي حصل عليها من الرئيسين الأميركي والإيراني بالامتناع عن التدخل بالشؤون اللبنانية كانت وعوداً فارغة من المعنى، ولم يتم أخذها بعين الاعتبار؛ والرابع أن لبنان ورقة تفاوضية مهمة في الزمن اللاحق، عندما يحين وقت المفاوضات الجدية، ليس فقط بين واشنطن وطهران، ولكن أيضاً بصدد رسم صورة مستقبل المنطقة. وبناء عليه، فإن الوساطة الفرنسية دخلت في حالة (الموت السريري)، ولا أحد يلتفت إليها لبنانياً لأن الأنظار مصوبة لقراءة ما سيصدر عن الإدارة الأميركية الجديدة. ومع ذلك، فإن (التحدي اللبناني) سيكون حاضراً بقوة في الحراك الدبلوماسي الفرنسي لأسباب تاريخية وسياسية وإنسانية».
- الصداع التركي وهموم شرق المتوسط
في الشرق الأوسط أيضاً، يسبب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان صداعاً شديداً للرئيس ماكرون خلال الأشهر المنقضية، إذ إنه لم يكتفِ بالتنديد بالسياسة الفرنسية في الخارج والداخل (وضع مسلمي فرنسا)، بل ذهب إلى حد التجريح الشخصي به، واتهامه بـ«الاختلال العقلي» و«الموت السريري»، ونصحه بالتوجه إلى «طبيب نفسي». وفي المقابل، انتقد ماكرون، ومعه وزيرا الخارجية والدفاع، مراراً وتكراراً، في أكثر من مناسبة، أداء تركيا داخل الحلف الأطلسي (ناتو)، وتدخلها العسكري في سوريا ضد الأكراد، حلفاء التحالف الدولي في محاربة «داعش»، وانتهاك سيادة العراق بسبب غاراتها الجوية في شمال البلاد، وإبقاء قاعدة عسكرية على أراضيه. ولعل أعنف الانتقادات طالت سياسة تركيا في ليبيا التي «تهدد المصالح الاستراتيجية الأوروبية» و«تستجلب المرتزقة والإرهابيين» إلى أبواب الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن «انتهاك السيادة المائية» لعضوين فيه... وكان آخر الغيث تدخلها السافر في حرب ناغورني قره باغ ضد الأرمن، ودعمها للجيش الأذري. وعملت باريس بقوة من أجل فرض عقوبات اقتصادية وتجارية أوروبية على تركيا، والضغط عليها من خلال «الناتو»، ومحاولة عزلها سياسياً. كذلك انتقدت باريس بشدة دعوة تركيا لمقاطعة البضائع الفرنسية بحجة سياسة ماكرون «المعادية للمسلمين». وفي آخر قمة للقادة الأوروبيين، فُرضت عقوبات «مخففة» على أنقره بعد تأجيل متكرر. واتفق الأوروبيون على النظر مجدداً في الملف التركي في قمتهم خلال مارس (آذار) المقبل. وأخيراً، أبرمت باريس مع أثينا صفقة رئيسية لتزويدها بـ18 طائرة «رافال» لغرض تعزيز قدراتها بمواجهة تركيا، بعد أن أرسلت سفناً وطائرات للمشاركة في مناورات عسكرية في المتوسط.
بيد أن الأمور أخذت بالتغير في الأيام القليلة الماضية. فالخطاب التركي، على لسان إردوغان ووزير خارجيته مولود تشاووش أوغلو، راح في منحى مختلف، مع عودة التركيز على أن «مستقبل تركيا مع أوروبا»، والدعوة إلى «فتح صفحة جديدة»، بل إن الخطاب تجاه فرنسا تحول بدوره. وأعلن أوغلو أنه اتصل، بداية العام الحالي، بنظيره الفرنسي، واتفقا على «خريطة طريق» لتطبيع العلاقات المأزومة، وفهم أن أول بنودها هو وقف التراشق الإعلامي. وتربط مصادر فرنسية الاستدارة التركية بعاملين اثنين: العقوبات الأوروبية الحالية والمقبلة، وأثرها على الاقتصاد التركي المتهالك؛ ووصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، ومواقفه المتشددة المعلنة من تركيا وإردوغان بالذات، إذ سبق له أن دعا المعارضة للتخلص منه من خلال الانتخابات، وأعرب عن استعداده لدعمها. أما الانفتاح على فرنسا، فمرده -بحسب المصادر نفسها- رغبة أنقره في «تحييد» باريس داخل الاتحاد. ويبدو أن باريس أيضاً تريد التهدئة، حيث قال الباحث الفرنسي المعروف ديديه بيون لـ«الشرق الأوسط» إن إحدى العلامات تعيين هيرفيه ماغرو سفيراً في أنقره. وقد ولد ماغرو في تركيا، حيث كان والده في مهمة دبلوماسية، ويتكلم اللغة التركية بطلاقة، ويعرف دقائق ملف العلاقات الثنائية، وكيفية التحدث إلى الأتراك.
- الملف النووي الإيراني
بالنسبة إلى الملف النووي الإيراني، تشخص الأنظار ليس إلى باريس، بل إلى واشنطن، حيث التغيير الجذري يتمثل في رغبة الرئيس الأميركي الجديد بايدن في «العودة» إلى الاتفاق النووي مع إيران الذي مزقه سلفه، ولكن شرط عودة طهران إلى الالتزام بتعهداتها. ومن ثم، إطلاق جولة مفاوضات جديدة، تأخذ بالاعتبار برامج الصواريخ الباليستية الإيرانية وسياسة طهران الإقليمية.
وتشير مصادر فرنسية واسعة الاطلاع إلى أن الخط العام لسياسة الرئيس المنتخب يتطابق إلى حد بعيد مع ما كانت تدعو إليه باريس منذ البداية، لكنها لم تحصد نجاحاً يذكر. واليوم، تطرح باريس مجموعة تساؤلات، وتنبه إلى أن الأمور «ليست بالبساطة التي يروج لها الطرف الإيراني» الذي يريد -عملياً- أن تتراجع واشنطن عن العقوبات التي خنقت اقتصادها، ليتراجع بعدها عن تحلله من الالتزامات التي تعهد بها بموجب الاتفاق. والحال أن ما قامت به إيران منذ ربيع العام الماضي قضى على الاتفاق بشكل شبه كامل، وأعاد البرنامج النووي الإيراني إلى ما كان عليه قبل إبرامه، إن لجهة كميات اليورانيوم المخصبة أو لجهة نسبة التخصيب أو نشر الطاردات المركزية. وتطرح الأوساط الفرنسية علامات استفهام جدية حول إمكانية العودة إلى اتفاق لم يبقَ منه سوى النذر القليل، وتحديداً بقاء مفتشي وكالة الطاقة الدولية في إيران.
- الرحيل من مالي... وحسابات باريس الأفريقية
> يوم 8 يناير (كانون الثاني) الحالي، تعرضت قافلة عسكرية تابعة لعملية «برخان» الفرنسية لهجوم انتحاري في الجانب المالي من المنطقة المسماة «الحدود الثلاثية» (مالي - بوركينا فاسو - النيجر)، حيث تنشط التنظيمات المتشددة والإرهابية. وجاءت المحصلة ثقيلة بالنسبة للقوة الفرنسية التي جرح 6 من أفرادها، 3 منهم جروحهم خطرة. وتفيد المصادر العسكرية الفرنسية بأن إحدى العربات المدرعة ضحت إلى حد ما بطاقمها عندما قطعت الطريق على سيارة انتحارية رباعية الدفع، إذ لو نجح قائدها في التسلل إلى القافلة لكانت الخسائر الفرنسية أكبر بكثير. والمهم في هذه الحادثة أمران: الأول أن التنظيمات التي تقاتل «برخان» -خصوصاً في مالي- تفضل زرع العبوات الناسفة على جوانب الطرقات لتفجرها عن بعد، ولا تنهج أسلوب العمليات الانتحارية. والثاني أن ما حصل يوم 8 يناير (كانون الثاني) جاء بعد عمليتين إرهابيتين في المنطقة نفسها، قتلتا 5 جنود فرنسيين، بحيث وصل عدد الضحايا الفرنسيين إلى 50 قتيلاً وعشرات الجرحى. من هنا، فإن «الكلفة» البشرية التي تتحملها القوة الفرنسية مرتفعة للغاية، لكن يجب إضافة الكلفة المادية، إذ إن «برخان» تكلف الخزينة الفرنسية ما يقارب المليار دولار في العام. وبالتوازي، لا يمكن تناسي «الثمن» السياسي الذي تدفعه فرنسا، ذلك أن «برخان» انطلقت في عام 2014، وهدفها محاربة التنظيمات الإرهابية التي تهدد استقرار بلدان الساحل الخمسة، حيث نشرت باريس 5100 عسكري مدعمين بقوة جوية متعددة الأشكال، وبإسناد لوجيستي. والحال أن هذه القوة التي تعمل بالتنسيق مع القوة الأفريقية المشتركة المسماة «جي 5»، وتضم نظرياً وحدات من بلدان الساحل الخمسة (موريتانيا، ومالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وتشاد) وقوة الكوماندوس الأوروبية (تاكوبا)، وتحظى بمساندة لوجيستية واستخباراتية أميركية وبريطانية وألمانية وإسبانية، لم تنجح حتى اليوم في القضاء على التنظيمات الإرهابية، بل إن هذه التنظيمات أعادت -وفق ما يظهر- تنظيم صفوفها، وكسبت مزيداً من الأنصار، وهي تلعب على وتر محاربة الحضور الفرنسي «الاستعماري».
وفي الأسابيع الأخيرة، أخذت تسمع نغمة جديدة، عنوانها خفض عدد القوة الفرنسية التي قرر الرئيس إيمانويل ماكرون، بداية العام الماضي، تعزيزها بـ600 رجل إضافي. وكان رئيس الأركان الفرنسي الجنرال فرنسوا لوكوانتر أول من أشار إلى هذا الخيار في زيارة له إلى المنطقة. وفي الأيام الأخيرة، عمدت وزيرة الدفاع فلورانس بارلي إلى تحضير الرأي العام، لكنها تركت للرئيس إيمانويل ماكرون الإعلان رسمياً عن هذا القرار بمناسبة القمة الفرنسية - الأفريقية المقررة في العاصمة التشادية نجامينا الشهر المقبل، بحضور القادة الأفارقة الخمسة، بحيث تكون استنساخاً للقمة التي استضافتها مدينة بو (جنوب غربي فرنسا). وقالت بارلي في حديث لصحيفة «لو باريزيان»، في معرض تبريرها لخفض عدد «برخان»، إن القوة الفرنسية «أحرزت نجاحات عسكرية كبيرة في عام 2020، سواء من خلال قتل عدد من كبار المسؤولين أو من خلال مهاجمة شبكات التوريد الخاصة» بالتنظيمات الإرهابية. والمرجح أن يعلن ماكرون سحب الـ600 جندي الإضافي، وهو ما لا ترغب فيه السلطات المالية، ولا القائد الأعلى للقوة الأفريقية المشتركة. والمعروف أن باريس تريد نقل مزيد من المسؤوليات لهذه القوة التي تفتقر حتى اليوم للتدريب والتمويل والقدرة على العمل المشترك بين مكوناتها. لكن الصعوبة تكمن في غياب رؤية واضحة لكيفية تطور الأوضاع، وللانعكاسات المترتبة على الأوضاع الميدانية، خصوصاً لمستقبل الحضور الفرنسي العسكري الذي عنوانه الرسمي «محاربة الإرهاب»، وضمان الاستقرار في بيئة ينمو فيها الشعور المعادي لفرنسا.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.