{النواب} يعزل ترمب للمرة الثانية

جمهوريون يدعمون الخطوة... ومجلس الشيوخ يستعد لمحاكمة تاريخية

{النواب} يعزل ترمب للمرة الثانية
TT

{النواب} يعزل ترمب للمرة الثانية

{النواب} يعزل ترمب للمرة الثانية

للمرة الثانية في عهده، يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب شبح عزله في الكونغرس. فقد مضت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي قدماً بخطتها لعزل ترمب بسبب «تحريضه على التمرد» في عملية اقتحام الكابيتول، في خطوة حظيت بدعم بعض الوجوه البارزة من الحزب الجمهوري. فانضمام النائبة الجمهورية ليز تشيني إلى داعمي العزل سلّط الضوء على انقسام الجمهوريين التقليديين عن الرئيس الأميركي. إذ إن تشيني هي الثالثة من حيث تراتبية القيادات الجمهورية في مجلس النواب، ودلالات انضمامها للمصوّتين لصالح العزل كبيرة. وقد فسّرت موقفها ببيان قاسي اللهجة، قالت فيه: «ما فعله الرئيس هو خيانة عظمى لمنصبه وقسم اليمين الذي أدلى به لحماية الدستور». وتابعت تشيني، وهي ابنة نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني: «الرئيس ترمب دعا هذه العصابة، وجمعها وأشعل نار هذه الاعتداء. وكل أمر حصل بعد ذلك كان من فعله هو. هذه الأمور ما كانت لتحصل من دون الرئيس. سوف أصوت لعزله».
وقد دفع موقف تشيني بعدد من الجمهوريين لدعم جهود العزل، فقالت الجمهورية جايمي هيريرا بوتلر: «أنا استمعت إلى الحجة التي تقول إن تجنب العزل هو أفضل طريق لعدم إشعال البلاد أو تجاهل الناخبين الجمهوريين. لكني ناخبة جمهورية وأعتقد أن حزبي سيكون أفضل عندما نختار الحقيقة». واتهمت بوتلر الرئيس بالفشل في اتخاذ أي خطوات لوقف اعتداء الكابيتول ووصفت التصريحات التي أدلى بها بعد الحادث بأنها «إدانة مشفقة لأعمال العنف أرسل من خلالها رسالة ضمنية لمباركة المقتحمين».
كما انضم النائب الجمهوري آدم كيزينغر إلى داعمي العزل، فاتهم الرئيس بتحريض «عصابة غاضبة» ما تسبب بمقتل 5 أشخاص. وقال كيزينغر الذي صوت كذلك لدفع نائب الرئيس باتجاه تفعيل التعديل 25 من الدستور: «لا شك لدي أن ترمب نكث بقسم اليمين وحرّض على التمرد».
والتحريض على التمرد كان البند الوحيد المطروح في ملف عزل ترمب الذي صوت عليه المجلس بالأغلبية، لتكون هذه المرة الأولى في التاريخ الأميركي التي يتم عزل فيها رئيس أميركي بسبب هذه التهمة. ويقول البند إن الرئيس الأميركي «أدلى عمداً بتصريحات شجعت ضمنياً وأدت إلى التحركات الخارجة عن القانون في الكابيتول». وذكر نص العزل تصريحات ترمب التي قال فيها: «إن لم تقاتلوا بقوة، فلن يكون لدينا بلد بعد الآن». وغيرها من التصريحات الصادرة عنه والتي اعتمدها المشرعون كحجج أساسية لإثبات قضيتهم. وقال رئيس لجنة القواعد الديمقراطي جيم ماكغوفرن خلال طرح بند العزل: «نناقش هذا الإجراء التاريخي في موقع الجريمة نفسه هنا. والسبب هو رئيس الولايات المتحدة».
وبهذا التصويت، يكون ترمب قد أصبح الرئيس الأول في التاريخ الأميركي الذي يعزل مرتين في مجلس النواب، بعد عزله العام الماضي في قضية أوكرانيا.
* مجلس الشيوخ والمحاكمة
تتوجه الأنظار الآن إلى مجلس الشيوخ، الذي لم يعلن بعد عن برنامج محدد لعقد محاكمة ترمب. وقال دوغ أندريس، المتحدّث باسم زعيم الأغلبية الجمهورية ميتش ماكونيل، إن الأخير لن يستدعي المجلس قبل تاريخ انعقاده في 19 يناير (كانون الثاني)، أي قبل يوم واحد من تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن، وهو ما يعقّد جهود إطلاق محاكمة الرئيس المنتهية ولايته.
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد نقلت قبل ذلك بساعات أن ماكونيل يعتبر أن ترمب ارتكب مخالفات يستحق العزل من خلالها، معرباً عن أمله في أن تساعد إجراءات العزل على فصل الحزب الجمهوري عن ترمب. وترددت أصداء هذه التسريبات في صفوف أعضاء الحزب الجمهوري، الذي تحفظ البعض منهم على دعم جهود العزل. وإن تأكد موقف ماكونيل الداعم لجهود الديمقراطيين، فقد ينضم عدد من الجمهوريين إلى زملائهم للتصويت لصالح إدانة الرئيس الأميركي في مجلس الشيوخ، حيث تحتاج العملية هناك إلى أغلبية ثلثي الأصوات.
وقد تحدث ماكونيل، الذي أعرب عن غضبه الشديد من تصرفات ترمب الأخيرة والتي أدت إلى اقتحام الكابيتول، مع الرئيس المنتخب جو بايدن هذا الأسبوع لمناقشة توقيت المحاكمة. وأعرب بايدن عن قلقه من عقدها في الأيام الأولى من رئاسته، خشية أن تؤثر سلباً على أجندته والمصادقة على تعييناته الرئاسية التي يجب أن يبت فيها مجلس الشيوخ. وفسّر البعض هذا التواصل بين الرجلين على أنه محاولة من بايدن لدفع ماكونيل باتجاه استدعاء مجلس الشيوخ هذا الأسبوع للبت في موضوع المحاكمة تجنباً لعقدها بعد العشرين من يناير.
وخيّب رفض ماكونيل استدعاء «الشيوخ» قبل 19 يناير، أمل الديمقراطيين الذين كانوا يسعون لإقناعه بالتجاوب مع مطالبهم، خاصة في ظل تصريحاته الأخيرة الغاضبة من ترمب والتي تحمله مسؤولية خسارة الجمهوريين لأغلبيتهم في الشيوخ. كما أن ماكونيل معروف بنفوذه الشديد على بعض الجمهوريين في المجلس، ومما لا شك فيه أن يؤدي دعمه للعزل، أو عدم معارضته له، إلى انضمام عدد من الجمهوريين إليه، ما قد يزيد من احتمالات إدانة ترمب في مجلس الشيوخ.
لكن الإدانة وحدها غير كافية للحؤول دون ترشح ترمب مجدداً للرئاسة في عام 2024، و«إزاحته» عن الحزب الجمهوري كما يريد ماكونيل، لهذا يتوقع أن يصوت مجلس الشيوخ في حال الإدانة على هذا الحظر، الذي يتطلب أغلبية الأصوات فقط في المجلس.
وبانتظار التوقيت النهائي للمحاكمة، عينت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي فريق الادعاء في المحاكمة، وسيكون هذا الفريق المؤلف من نواب مسؤولاً عن عرض القضية والأدلة والحجج خلال سير المحاكمة. ويتألف الفريق من تسعة نواب ديمقراطيين على رأسهم النائب جايمي راسكن، وهو أستاذ سابق للقانون الدستوري في الجامعة الأميركية في واشنطن.
** تاريخ العزل في الولايات المتحدة
قبل ترمب، صوت مجلس النواب لعزل رئيسين فقط في التاريخ: الأول هو أندرو جونسون في عام 1868 والثاني هو بل كلينتون في عام 1998. ويحتاج عزل الرئيس إلى الأغلبية البسيطة في مجلس النواب.
أما في مجلس الشيوخ فلم تتم إدانة أي منهما إذ تتطلب الإدانة والخلع أغلبية ثلثي الأصوات.
إذن في حال أدان مجلس الشيوخ ترمب، فسيكون الرئيس الأول في التاريخ الأميركي الذي يدان ويخلع من منصبه.
وبحسب الدستور الأميركي، فإن مجلس النواب هو المسؤول عن البدء بعملية العزل من خلال طرح بنود والتصويت عليها بالأغلبية البسيطة، فيما تنص مهمة مجلس الشيوخ على عقد محاكمة للنظر في الأدلة التي يقدمها لهم النواب المسؤولون عن القضية والتصويت لإدانة الرئيس أو تبرئته في المحاكمة التي يترأسها كبير قضاة المحكمة العليا، ويؤدي فيها أعضاء مجلس الشيوخ دور هيئة المحلفين.
وينص الدستور على أن المحاكمة في مجلس الشيوخ تبدأ في اليوم نفسه الذي يتلقى فيه المجلس بنود العزل من مجلس النواب. ويعطي الدستور رئيس مجلس النواب صلاحية تحديد الوقت المناسب لإرسال البنود.
وبهذا يطرح السؤال: هل يحق لمجلس الشيوخ عقد محاكمة لرئيس بعد انتهاء عهده؟
في حال اعتمد المجلس على محاكمة ترمب بعد نهاية عهده، فستكون هذه سابقة في التاريخ الأميركي، لهذا فليس هناك نص واضح في الدستور يحول دون عقد المحاكمة. الأمر الذي سيفتح الطريق أمام تأجيلها في حال قرر المشرعون اعتماد ذلك. ويشرح أحد المختصين في الدستور الأميركي مايكل غيرهارد القضية من خلال مقال قال فيه: «من غير المنطقي أن يتمكن مسؤولون سابقون أو أي شخص يستقيل في الوقت المناسب من التهرب من هذه الآلية التصحيحية. إذن من الطبيعي أن نقول إنه إذا بدأت إجراءات عزل شخص وهو في منصبه، فقد تستمر الإجراءات إلى ما بعد استقالته أو مغادرته لهذا المنصب». ويتفق الكثيرون مع هذا الرأي القانوني القاضي بأن إجراءات العزل تستمر طالما أنها بدأت خلال فترة حكم ترمب، ليبقى التساؤل الوحيد هو ما إذا كان كبير القضاة في المحكمة العليا سيترأس المحاكمة أم لا في هذه الحالة.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended