ألمانيا تصارع لتحديد هويتها «ما بعد ميركل»

ارتفاع شعبية المستشارة مع اقتراب مغادرتها منصبها

ميركل خلال قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في كندا عام 2018 (أ.ف.ب)
ميركل خلال قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في كندا عام 2018 (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا تصارع لتحديد هويتها «ما بعد ميركل»

ميركل خلال قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في كندا عام 2018 (أ.ف.ب)
ميركل خلال قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في كندا عام 2018 (أ.ف.ب)

عندما قررت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التنحي عن زعامة حزبها «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» قبل عامين، وإعلان عدم ترشحها لولاية جديدة، كانت شعبيتها في الحضيض. حينها، كانت النقمة ضدها تتزايد بعد سلسلة خسائر متتالية لحزبها في الانتخابات المحلية.
ولكن اليوم، قبل أقل من 9 أشهر على تقاعدها، فإن شعبيتها ارتفعت لدرجات قياسية قد تكون الأعلى خلال فترة حكمها في السنوات الـ15 الماضية، ونسبة الرضا عن أدائها بلغت 70 في المائة مع سيطرتها على الوباء. وفي الشهر الماضي، خلال مشاركتها بآخر قمة أوروبية لها قبل تنحيها عن السلطة، كانت ميركل هي سبب نجاح تلك القمة وتوصلها لاتفاق على حزمة مالية شاملة لدول الاتحاد التي عانت أكثر من وباء «كورونا». وافقت حينها على اتخاذ قرار لطالما كانت ترفضه، بتقاسم الديون المالية بين دول الاتحاد، ونجحت بإقناع بولندا وهنغاريا اللتين كانتا تعارضان من خلال وعود تحفيزية.
وفي وقت تقترب ميركل من تقاعدها الذي عادت وأكدت عليه رغم التكهنات بأنها قد تغير رأيها بسبب شعبيتها التي تزايدت مؤخرا، فإن ألمانيا ما زالت تصارع لتحديد هوية «ما بعد ميركل». وخلال أيام سيقرر حزبها أخيرا من سيقوده للانتخابات العامة في سبتمبر (أيلول) المقبل، بعد تأجيل الانتخابات مرتين بسبب أزمة «كورونا»، واتخاذ قرار بعقد المؤتمر والتصويت عن بعد. فمنذ استقالة ميركل من زعامة الحزب، انتخبت في يوليو (تموز) 2018 أنغريت كرامب كارنباور التي تشغل منصب وزيرة الدفاع وكانت مرشحة ميركل المفضلة لقيادة «الاتحاد المسيحي الديمقراطي». ولكن كرامب كارنباور قدمت استقالتها من زعامة الحزب بعد أقل من عامين لتعود وتفتح باب عدم اليقين مجددا حول خلافة ميركل. ومن يتزعم الحزب سيكون على الأرجح المستشار المقبل، في حال بقي حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي في طليعة استطلاعات الرأي للفوز بالانتخابات العامة. والآن عاد ليتنافس على منصب زعامة الحزب 3 رجال. ولكن رغم المساعي الكبيرة التي يبذلها هؤلاء الثلاثة لإثبات أنفسهم، فإن شبح ميركل يطغى على الحزب، ولا يحظى أي منهم بالشعبية والتأييد الذي تحظى به هي.
فريدريش ميرز، رجل الأعمال الذي أخرجته ميركل من السياسة في التسعينات، هو المرشح الذي يقود استطلاعات الرأي. ويحظى ميرز بشعبية اليمين داخل الحزب، فهو ينظر إليه أنه شخص يحب التفرد بالسلطة وسيقود الحزب بعيدا عن الوسط الذي شدته إليه ميركل في العشرين عاما الماضية. ويحمل ميرز أفكارا متطرفة يعتبرها البعض أقرب لأفكار «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف. فهو مثلا لم يتردد في المناظرة الأخيرة بينه وبين المرشحين الآخرين قبل أيام، باتهام اللاجئين السوريين أنهم وراء ارتفاع البطالة في ألمانيا. وقال: «لو لم تكن هناك أزمة للاجئين في العامين 2015 و2016، لما كان لدينا مليون شخص أقل يأخذون أموالا بدلا عن البطالة». ولا يخفي ميرز معارضته لسياسة ميركل حول مسألة اللجوء، ودائما ما يوجه لها الانتقادات ويتهمها بانخفاض شعبية الحزب و«هجرة» أصواته إلى «البديل لألمانيا».
أما المرشحان الآخران، فأحدهما رئيس حكومة ولاية شمال الراين فستفاليا، أكبر ولاية في ألمانيا، يدعى أرمين لاشيت. لا يحمل لاشيت الكثير من الأفكار الجديدة، ولم يقدم أي جديد باستثناء تعهده بأنه سيكمل عهد ميركل. ووصفته ميركل في أغسطس (آب) الماضي، بأنه قد يكون «مستشارا جيدا» في أوضح تأييد لمرشح حتى الآن. ورغم أنه يحظى بتأييد معسكر ميركل داخل الحزب، فهو أظهر مؤخرا غياب قدرته على القيادة في وقت الأزمات من خلال أخطاء كثيرة ارتكبها خلال إدارته لأزمة «كورونا» في ولايته.
والمرشح الثالث، النائب نورمان روتغين الخبير في الشؤون الخارجية والذي كان في نهاية السباق، لكنه عاد وأثبت نفسه في الأسابيع الماضية. فهو استفاد أولاً من تراجع لاشيت، وأعاد تركيز خطابه على الشباب والاستثمار في مكافحة التغير المناخي ما يبدو أنه أكسبه الكثير من الأصوات وأعاده إلى واجهة السباق.
ولكنّ أيا من هؤلاء الثلاثة، لا يتمتع بشعبية توازي شعبية ميركل أو حتى وزير الصحة يانس شبان الذي انسحب مبكرا من السباق في فبراير (شباط) الماضي معلنا دعمه للاشيت. وهو قرار يبدو بحسب تقارير صحافية، أنه عاد ليندم عليه ويحاول دخول السباق مرة جديدة من خلال إقناع لاشيت بالانسحاب لصالحه، وهو ما لم يحصل. فشعبية شبان كذلك ارتفعت كثيرا بسبب إدارته لأزمة «كورونا»، وحتى أنه حل في أحد الاستطلاعات في طليعة السياسيين الأكثر شعبية في ألمانيا، متقدما على ميركل نفسها. ونافس شبان على زعامة الحزب بعد انسحاب ميركل، ولكنه خرج من الدورة الأولى لينافس ميرز وكرامب كارنباور على الزعامة التي فازت فيها حينها السيدة المعروفة بـ«أ كا كا». ورغم ذلك، فإن شبان يبدو أنه لم يتنازل عن طموحه بعد بأن يصبح المستشار المقبل. وقد نشرت صحيفة «بيلد» ومجلة «شبيغل» تقارير تتحدث عن إبداء شبان رغبته بالترشح لمنصب المستشار في حال فوز حزبه بالانتخابات وبقيت شعبيته مرتفعة. وهو طموح قد يكون من الصعب تحقيقه. فهو لم يحصل أن حكم ألمانيا مستشار لم يكن قائدا لحزبه. وقد يضطر كذلك في هذه الحالة للمنافسة مع زعيم حزب الاتحاد المسيحي البافاري ماركوس زودر الذي يرأس حكومة بافاريا ويعود له ولزعيم حزب «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» ترشيح المستشار المقبل. وزودر نفسه يطمح لشغل منصب المستشار، وهو مثل شبان نجح بتحقيق شعبية كبيرة أبعد من ولايته بافاريا لإدارته الحازمة لأزمة «كورونا»، وأثبت أنه «قائد» أكثر من المرشحين الثلاثة لزعامة حزب ميركل.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended