عندما قررت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التنحي عن زعامة حزبها «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» قبل عامين، وإعلان عدم ترشحها لولاية جديدة، كانت شعبيتها في الحضيض. حينها، كانت النقمة ضدها تتزايد بعد سلسلة خسائر متتالية لحزبها في الانتخابات المحلية.
ولكن اليوم، قبل أقل من 9 أشهر على تقاعدها، فإن شعبيتها ارتفعت لدرجات قياسية قد تكون الأعلى خلال فترة حكمها في السنوات الـ15 الماضية، ونسبة الرضا عن أدائها بلغت 70 في المائة مع سيطرتها على الوباء. وفي الشهر الماضي، خلال مشاركتها بآخر قمة أوروبية لها قبل تنحيها عن السلطة، كانت ميركل هي سبب نجاح تلك القمة وتوصلها لاتفاق على حزمة مالية شاملة لدول الاتحاد التي عانت أكثر من وباء «كورونا». وافقت حينها على اتخاذ قرار لطالما كانت ترفضه، بتقاسم الديون المالية بين دول الاتحاد، ونجحت بإقناع بولندا وهنغاريا اللتين كانتا تعارضان من خلال وعود تحفيزية.
وفي وقت تقترب ميركل من تقاعدها الذي عادت وأكدت عليه رغم التكهنات بأنها قد تغير رأيها بسبب شعبيتها التي تزايدت مؤخرا، فإن ألمانيا ما زالت تصارع لتحديد هوية «ما بعد ميركل». وخلال أيام سيقرر حزبها أخيرا من سيقوده للانتخابات العامة في سبتمبر (أيلول) المقبل، بعد تأجيل الانتخابات مرتين بسبب أزمة «كورونا»، واتخاذ قرار بعقد المؤتمر والتصويت عن بعد. فمنذ استقالة ميركل من زعامة الحزب، انتخبت في يوليو (تموز) 2018 أنغريت كرامب كارنباور التي تشغل منصب وزيرة الدفاع وكانت مرشحة ميركل المفضلة لقيادة «الاتحاد المسيحي الديمقراطي». ولكن كرامب كارنباور قدمت استقالتها من زعامة الحزب بعد أقل من عامين لتعود وتفتح باب عدم اليقين مجددا حول خلافة ميركل. ومن يتزعم الحزب سيكون على الأرجح المستشار المقبل، في حال بقي حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي في طليعة استطلاعات الرأي للفوز بالانتخابات العامة. والآن عاد ليتنافس على منصب زعامة الحزب 3 رجال. ولكن رغم المساعي الكبيرة التي يبذلها هؤلاء الثلاثة لإثبات أنفسهم، فإن شبح ميركل يطغى على الحزب، ولا يحظى أي منهم بالشعبية والتأييد الذي تحظى به هي.
فريدريش ميرز، رجل الأعمال الذي أخرجته ميركل من السياسة في التسعينات، هو المرشح الذي يقود استطلاعات الرأي. ويحظى ميرز بشعبية اليمين داخل الحزب، فهو ينظر إليه أنه شخص يحب التفرد بالسلطة وسيقود الحزب بعيدا عن الوسط الذي شدته إليه ميركل في العشرين عاما الماضية. ويحمل ميرز أفكارا متطرفة يعتبرها البعض أقرب لأفكار «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف. فهو مثلا لم يتردد في المناظرة الأخيرة بينه وبين المرشحين الآخرين قبل أيام، باتهام اللاجئين السوريين أنهم وراء ارتفاع البطالة في ألمانيا. وقال: «لو لم تكن هناك أزمة للاجئين في العامين 2015 و2016، لما كان لدينا مليون شخص أقل يأخذون أموالا بدلا عن البطالة». ولا يخفي ميرز معارضته لسياسة ميركل حول مسألة اللجوء، ودائما ما يوجه لها الانتقادات ويتهمها بانخفاض شعبية الحزب و«هجرة» أصواته إلى «البديل لألمانيا».
أما المرشحان الآخران، فأحدهما رئيس حكومة ولاية شمال الراين فستفاليا، أكبر ولاية في ألمانيا، يدعى أرمين لاشيت. لا يحمل لاشيت الكثير من الأفكار الجديدة، ولم يقدم أي جديد باستثناء تعهده بأنه سيكمل عهد ميركل. ووصفته ميركل في أغسطس (آب) الماضي، بأنه قد يكون «مستشارا جيدا» في أوضح تأييد لمرشح حتى الآن. ورغم أنه يحظى بتأييد معسكر ميركل داخل الحزب، فهو أظهر مؤخرا غياب قدرته على القيادة في وقت الأزمات من خلال أخطاء كثيرة ارتكبها خلال إدارته لأزمة «كورونا» في ولايته.
والمرشح الثالث، النائب نورمان روتغين الخبير في الشؤون الخارجية والذي كان في نهاية السباق، لكنه عاد وأثبت نفسه في الأسابيع الماضية. فهو استفاد أولاً من تراجع لاشيت، وأعاد تركيز خطابه على الشباب والاستثمار في مكافحة التغير المناخي ما يبدو أنه أكسبه الكثير من الأصوات وأعاده إلى واجهة السباق.
ولكنّ أيا من هؤلاء الثلاثة، لا يتمتع بشعبية توازي شعبية ميركل أو حتى وزير الصحة يانس شبان الذي انسحب مبكرا من السباق في فبراير (شباط) الماضي معلنا دعمه للاشيت. وهو قرار يبدو بحسب تقارير صحافية، أنه عاد ليندم عليه ويحاول دخول السباق مرة جديدة من خلال إقناع لاشيت بالانسحاب لصالحه، وهو ما لم يحصل. فشعبية شبان كذلك ارتفعت كثيرا بسبب إدارته لأزمة «كورونا»، وحتى أنه حل في أحد الاستطلاعات في طليعة السياسيين الأكثر شعبية في ألمانيا، متقدما على ميركل نفسها. ونافس شبان على زعامة الحزب بعد انسحاب ميركل، ولكنه خرج من الدورة الأولى لينافس ميرز وكرامب كارنباور على الزعامة التي فازت فيها حينها السيدة المعروفة بـ«أ كا كا». ورغم ذلك، فإن شبان يبدو أنه لم يتنازل عن طموحه بعد بأن يصبح المستشار المقبل. وقد نشرت صحيفة «بيلد» ومجلة «شبيغل» تقارير تتحدث عن إبداء شبان رغبته بالترشح لمنصب المستشار في حال فوز حزبه بالانتخابات وبقيت شعبيته مرتفعة. وهو طموح قد يكون من الصعب تحقيقه. فهو لم يحصل أن حكم ألمانيا مستشار لم يكن قائدا لحزبه. وقد يضطر كذلك في هذه الحالة للمنافسة مع زعيم حزب الاتحاد المسيحي البافاري ماركوس زودر الذي يرأس حكومة بافاريا ويعود له ولزعيم حزب «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» ترشيح المستشار المقبل. وزودر نفسه يطمح لشغل منصب المستشار، وهو مثل شبان نجح بتحقيق شعبية كبيرة أبعد من ولايته بافاريا لإدارته الحازمة لأزمة «كورونا»، وأثبت أنه «قائد» أكثر من المرشحين الثلاثة لزعامة حزب ميركل.
11:9 دقيقه
ألمانيا تصارع لتحديد هويتها «ما بعد ميركل»
https://aawsat.com/home/article/2735576/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%B1%D8%B9-%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%AA%D9%87%D8%A7-%C2%AB%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%84%C2%BB
ألمانيا تصارع لتحديد هويتها «ما بعد ميركل»
ارتفاع شعبية المستشارة مع اقتراب مغادرتها منصبها
ميركل خلال قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في كندا عام 2018 (أ.ف.ب)
- برلين: راغدة بهنام
- برلين: راغدة بهنام
ألمانيا تصارع لتحديد هويتها «ما بعد ميركل»
ميركل خلال قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في كندا عام 2018 (أ.ف.ب)
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




