وزير التجارة الخارجية المغربي: الرباط ماضية قدما في سياسة تحرير أسواقها رغم الانتقادات

محمد عبو قال لـ {الشرق الأوسط} إن تفاقم العجز التجاري مرتبط بغلاء الطاقة والقمح .. والتجارة مع أميركا تضاعفت أربع مرات

محمد عبو الوزير المغربي المنتدب المكلف التجارة الخارجية («الشرق الأوسط»)
محمد عبو الوزير المغربي المنتدب المكلف التجارة الخارجية («الشرق الأوسط»)
TT

وزير التجارة الخارجية المغربي: الرباط ماضية قدما في سياسة تحرير أسواقها رغم الانتقادات

محمد عبو الوزير المغربي المنتدب المكلف التجارة الخارجية («الشرق الأوسط»)
محمد عبو الوزير المغربي المنتدب المكلف التجارة الخارجية («الشرق الأوسط»)

قال محمد عبو، الوزير المغربي المنتدب المكلف التجارة الخارجية، لـ«الشرق الأوسط»، إن العجز التجاري المغربي ارتفع بنسبة 445 في المائة ما بين الفترة من عام 2000 إلى عام 2013، وبلغت قيمته مستوى أعلى من قيمة الصادرات. وأشار عبو إلى أن هذا العجز ناتج عن عوامل هيكلية مرتبطة بالنموذج التنموي المغربي المتمحور حول الطلب الداخلي، غير أن عوامل ظرفية كغلاء أسعار الطاقة منذ سنة 2005، وارتفاع أسعار القمح والأغذية في السوق العالمية أسهمت في تفاقمه.
وأكد عبو أن المغرب عازم على المضي في تحرير التجارة رغم الانتقادات التي توجه لاتفاقية التجارة الحرة التي أبرمها مع أكثر من 50 بلدا، والتي يعدها البعض سببا رئيسا في تفاقم العجز التجاري للبلاد. وقال إنه يجب أن لا نتعامل مع نتائج هذه الاتفاقيات من منظور محاسبي صرف، وإنما يجب الأخذ بعين الاعتبار آثارها على دينامية التنمية والاستثمارات، والتي أدت بدورها إلى ارتفاع واردات المغرب على التجهيزات والمواد الأولية والمواد نصف المصنعة مساهمة في تفاقم العجز التجاري، إلا أنها تسهم أيضا في وضع أسس اقتصاد قوي ومتنوع وتنافسي في المستقبل.
حول تطورات التجارة الخارجية للمغرب، وإشكالية تفاقم العجز التجاري وخطط الحكومة لمواجهته، وتقييمه لاتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمها المغرب، تحدث الوزير عبو لـ«الشرق الأوسط».. وفي ما يلي نص الحوار.
* بلغ العجز التجاري المغربي مستوى أصبح فيه حجم الواردات يفوق ضعف حجم الصادرات.. أين يكمن الخلل؟
- الميزان التجاري يعاني من عجز هيكلي مرتبط بالنموذج التنموي للاقتصاد المغربي الذي يرتكز أساسا على الطلب الداخلي، حيث إن جزءا كبيرا من هذا الطلب يلبى عبر الواردات. وعرف العجز التجاري للسلع تفاقما ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقل من 44 مليار درهم (الدولار يساوي 8.40 درهم) عام 2000 إلى 196 مليار درهم في عام 2013. والسبب الرئيس في هذا التدهور هو ارتفاع الأسعار العالمية للطاقة والمواد الغذائية، والذي أسهم بحصة 70 في المائة من هذا العجز، كما أن جزءا مهما من هذا العجز يتكون من الواردات الضرورية، والمتعلقة بالحاجيات التنموية لبلادنا، مثل مواد التجهيز التي شكلت21 في المائة من قيمة وارداتنا في 2013، والمنتجات نصف المصنعة التي مثلت21 في المائة، والطاقة بنسبة 32 في المائة، والمواد الأولية التي مثلت نسبة خمسة في المائة من قيمة الواردات المغربية خلال سنة 2013.
وبالإضافة إلى التزايد المتسارع للواردات، أسهمت عوامل أخرى في تفاقم العجز التجاري، منها على الخصوص محدودية العرض المغربي القابل للتصدير كما وكيفا، الشيء الذي لا يمكِّن من تحقيق نمو سريع للصادرات يوازي أو يفوق نمو الواردات. وهناك أيضا أثر الأزمة الاقتصادية التي أثرت سلبا على أهم شركائنا التجاريين في الاتحاد الأوروبي، وكذلك احتدام المنافسة في هذه الأسواق.
* ما الحلول التي تقترحها الحكومة لتجاوز هذا الوضع؟
- إشكالية عجز الميزان التجاري من القضايا ذات الأولوية بالنسبة للحكومة نظرا لارتباطها بالتنمية من جهة، وبضرورة الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية، من جهة ثانية. وهي بالتالي تستدعي تضافر كل الجهود من القطاع العام والقطاع الخاص. وفي هذا الصدد، فإن الحكومة وبتشارك مع جميع المتدخلين في قطاع التجارة الخارجية منكبة على تقييم مدى نجاعة الآليات المعتمدة وتحديد الإجراءات التصحيحية اللازمة لتجاوز الإكراهات التي أثرت بشكل كبير في عجز ميزاننا التجاري. وتتمحور خطة الطريق المعتمدة للنهوض بالتجارة الخارجية بصفة عامة حول النقط التالية: الرفع من مستوى التنسيق بين كل المتدخلين لترشيد الوسائل وضمان مردودية أكبر، تحسين القدرة التنافسية للشركات، وتعزيز العرض الإنتاجي المغربي والرفع من جودته وملاءمته لمتطلبات الأسواق العالمية، واعتماد الإصلاحات الضرورية لملاءمة الإطار القانوني للتجارة الخارجية مع تطور قواعد وممارسات التجارة الدولية.
ويظل التقييم المستمر للإجراءات والبرامج التي سيجري اعتمادها حجر الزاوية لهذه الرؤية قصد تصحيح المسار عند الاقتضاء. وتجدر الإشارة إلى أن المغرب بدأ يجني ثمار مخططاته التنموية القطاعية، الهادفة إلى تنويع اقتصاده وملاءمته مع متطلبات العولمة. وفي هذا السياق، تميزت سنة 2013 بتراجع العجز التجاري للسلع بنسبة 2.8 في المائة مقارنة مع سنة 2012، وذلك على الرغم من تراجع مبيعات الفوسفات ومشتقاته بنحو 22 في المائة. ويرجع الفضل في تراجع العجز التجاري لسنة 2013 على الخصوص إلى ديناميكية القطاعات الصناعية الجديدة، إذ ارتفعت صادرات السيارات بنسبة 21 في المائة، والإلكترونيك بنسبة 12 في المائة، وصناعة الطائرات 13.4 في المائة، وصناعة الأدوية 17.6 في المائة.
* هناك من يعد أن اتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمها المغرب من بين الأسباب المباشرة لتفاقم العجز التجاري حيث استفادت منها الأطراف الأخرى أكثر مما استفاد المغرب.. ما رأيكم في ذلك؟
- إبرام اتفاقيات التبادل الحر يندرج ضمن خيار الانفتاح الذي نهجته بلادنا منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي في إطار التوجيهات الملكية الرامية إلى إدراج المغرب في المدار الاقتصادي العالمي مع تعزيز تنافسيته والرفع من مواقعه في الأسواق الدولية. وبالفعل يظهر التقييم الأولي لحصيلة اتفاقيات التبادل الحر المبرمة مع شركائنا التجاريين، أن حجم ومعدلات نمو الواردات يفوق حجم نمو الصادرات مما أثر سلبا على الميزان التجاري مع جل هذه البلدان. والواقع أن معظم الواردات تتشكل من مواد التجهيز والمواد نصف المصنعة الضرورية للقطاعات المنتجة المغربية، مما يسهم في تخفيض تكلفتها عند استيرادها عبر هذه الاتفاقيات، علما بأن المغرب لا ينتج مثل هذه المواد. ويجب أيضا أن نسجل أن تدهور الميزان التجاري مع البلدان التي تربطنا معها اتفاقيات التجارة الحرة واكبته دينامية جديدة للاستثمارات الخارجية، والتي عرفت قفزة نوعية خلال السنوات الأخيرة، الشيء الذي يؤكد أهمية هذا الإطار الجديد في استقطاب الاستثمارات، سواء الأميركية منها أو الأوروبية أو غيرهما. وعليه، لا يمكن حصر قراءة هذه الاتفاقيات في مقاربة محاسباتية فقط، فالهدف منها هو جلب الاستثمارات وإحداث مناصب الشغل والدفع بالنسيج الإنتاجي الوطني إلى تحسين تنافسيته وجودته. كما أن تفاقم العجز التجاري ليس مرتبطا حتما باتفاقيات التبادل الحر المبرمة مع شركائنا، ولكن يرجع كذلك إلى الوضعية الاقتصادية للمغرب والمتميزة بتنامي الاستثمارات الذي ينعكس على ارتفاع وارداتنا من مواد التجهيز والمواد الأولية ونصف المصنعة، وذلك في إطار مواكبة الأوراش الكبرى التي تعرفها بلادنا، إضافة إلى الطلب المتزايد على بعض المكونات التي يجري تصنيعها وإعادة تصديرها إلى الاتحاد الأوروبي في إطار معاهدات تراكم المنشأ والأنظمة الاقتصادية الجمركية.
* بالنسبة لاتفاقية التجارة الحرة مع أميركا، هل كانت نتائجها في مستوى الأهداف التي وضعها لها المغرب؟
- أود الإشارة في البداية إلى أن اتفاقية التبادل الحر المبرمة بين المغرب والولايات المتحدة التي دخلت حيز التنفيذ ابتداء من أول يناير (كانون الثاني) 2006، تعد خيارا يكرس الانفتاح الذي نهجته بلادنا منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي قصد إدراج المغرب في الاقتصاد العالمي. وتشمل هذه الاتفاقية جميع قطاعات النشاط الاقتصادي، كتجارة السلع والخدمات بما في ذلك الخدمات المالية، والاستثمار، وحقوق الملكية الفكرية. وشكلت هذه الاتفاقية فرصة بالنسبة للمغرب لتحديث وملاءمة تشريعاته التي عرفت عدة تعديلات خاصة فيما يتعلق بالملكية الفكرية وقطاع الخدمات، مع مراعاة التزامات المغرب في إطار المنظمة العالمية للتجارة. وجاءت هذه الاتفاقية وفق تصور نابع من مراعاة المصالح الاقتصادية للمغرب، إذ إنها تهدف إلى تنويع الشراكة الاقتصادية وتحسين ولوج السوق الأميركية وجلب الاستثمارات الأجنبية عبر استغلال موقع بلادنا كأرضية للإنتاج والتصدير. وبعد مضي سبع سنوات من تطبيق اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، نلاحظ أن حجم صادراتنا نحو أميركا تضاعف أربع مرات. ويرجع هذا التطور إلى الإعفاءات الجمركية التي استفادت منها المنتجات المغربية، سواء أكانت صناعية أو زراعية، وكذا الإجراءات المتعلقة بتسهيل الولوج للأسواق إثر تطبيق اتفاقيات الاعتراف المتبادل بالشهادات الخاصة بالمواد الزراعية والحيوانية. أما وارداتنا من أميركا فتضاعفت بدورها ثلاث مرات، وتكون في معظمها من المواد الأساسية التي يحتاجها المغرب، خصوصا المواد النفطية والوقود والغازات البترولية التي تشكل وحدها 56 في المائة من مجموع المواد المستوردة من أميركا. وتسهم هذه الاتفاقية في تخفيض تكلفة هذه المواد عند استيرادها علما بأن المغرب لا ينتج مثل هذه المواد. وتأتي هذه النتائج تثمينا للعمل المشترك بين القطاعين الحكومي والخاص من أجل تطوير صادراتنا إلى هذا البلد، وتحسين عرضنا التصديري وتنويعه والرفع من تنافسيته، مع تكثيف الحملات الترويجية المناسبة لولوج السوق الأميركية.
* هناك أيضا مفاوضات التجارة الحرة الشاملة التي انطلقت السنة الماضية مع الاتحاد الأوروبي.. كيف تسير المفاوضات، وماذا ينتظر منها المغرب؟
- أود أن أذكر أن المفاوضات الرسمية بشأن إبرام اتفاق تبادل حر شامل ومعمق انطلقت رسميا بين المغرب والاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) 2013، تلتها جولتان من المفاوضات في كل من بروكسل والرباط خلال السنة الماضية. والجدير بالذكر أن هذا الاتفاق يتجاوز المفهوم التقليدي لتحرير التجارة، ويتمحور حول إزالة الحواجز غير الجمركية، بحيث يشمل المجالات التنظيمية ذات الاهتمام المشترك، كتدابير الحماية التجارية، والحواجز الفنية أمام التجارة، والإجراءات الصحية والصحة النباتية، وتجارة الخدمات والاستثمار والتجارة الإلكترونية، والصفقات الحكومية، والملكية الفكرية، والمنافسة، والجوانب المتصلة بالطاقة والشفافية والتنمية المستديمة. وتستند هذه المفاوضات إلى منهج واقعي ومتوازن ومرن في مجال التقارب التشريعي، مع الأخذ بعين الاعتبار الفرق في مستوى التنمية الاقتصادية والأولويات التنظيمية للمغرب. وللإشارة فإن هذا الاتفاق لا يعد اتفاقا منفصلا عن اتفاقية الشراكة المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، بل هو استكمال لها. ونعد هذا الاتفاق بمثابة حلقة جديدة في مسلسل التحرير الذي نهجناه، وذلك في أفق تحسين تنافسية صادراتنا وتسهيل ولوجها للسوق الأوروبية وإنعاش الاستثمارات.
* التجارة مع البلدان العربية رغم كل شيء تبقي في مستوى ضعيف.. لماذا؟
- لا بد هنا من التأكيد أن المغرب حرص دائما على تقوية علاقاته الاقتصادية والتجارية مع أشقائه العرب بالنظر إلى خصوصية الروابط التي تجمعه بهذه الدول، والمتمثلة في الصلات الحضارية المشتركة بأبعادها الشاملة والتي تعود إلى مراحل زمنية مبكرة. وانطلاقا من الإيمان العميق بهذه المبادئ، عمل المغرب على تنويع الإطار القانوني المنظم لعلاقاته التجارية مع الدول العربية، فبلدنا عضو في اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية والتي جرى بموجبها إحداث منطقة تجارة حرة عربية كبرى، وهو أيضا منخرط في الاتحاد الجمركي العربي، ومرتبط باتفاقيات ثنائية للتجارة الحرة مع الكثير من الدول العربية منها الإمارات العربية والأردن ومصر وتونس، وهو عضو فعال في إطار الاتفاقية المتوسطية للتبادل الحر (اتفاقية أغادير) والتي تجمعه مع كل من تونس ومصر والأردن. ويسعى المغرب أيضا، إلى جانب أشقائه من دول المنطقة المغاربية، إلى إخراج الاتحاد المغاربي للتبادل الحر إلى حيز الوجود، عبر التبني النهائي للاتفاقية المغاربية للتبادل الحر الموقعة بالأحرف الأولى في يونيو (حزيران) 2010 في طرابلس. وينسق المغرب مع الدول العربية في إطار منظمة التعاون الإسلامي لإنجاح مسلسل الاندماج داخل الفضاء الإسلامي من خلال معاهدة التعريفة التفضيلية بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي. ورغم ضعف المبادلات التجارية مع هذه البلدان، فإنها عرفت مستوى قياسيا في 2012، حيث بلغ حجمها الإجمالي 7.9 مليار دولار، وهو أعلى معدل لهذه المبادلات بالنسبة للمغرب منذ دخول اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية حيز التنفيذ. ومع ذلك يجب بذل مزيد من الجهود على المستوى العربي حتى تحقق منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى الأهداف التي أنشئت من أجلها، خاصة الرفع من مستوى التبادل التجاري بين الدول العربية، وهو ما يستلزم تجاوز بعض المعوقات كغياب خطوط نقل مباشرة الذي يتسبب في طول مدة العبور وارتفاع التكاليف بالنسبة للمتعاملين الاقتصاديين.
* هل سيواصل المغرب سياسة الانفتاح من خلال إبرام اتفاقيات جديدة للتجارة الحرة؟ وما المحطات المقبلة؟
- اختار المغرب منذ عقد الثمانينات نهج سياسة الانفتاح الاقتصادي والتجاري، واليوم سيواصل هذا الانفتاح قصد تنويع مواقعه في الأسواق العالمية وتخفيف التبعية لأوروبا، وخصوصا في الظرفية الحالية التي تعرف تراجعا في الطلب الداخلي للاتحاد الأوروبي، الشريك الأول للمغرب. وفي هذا الصدد، وضعنا استراتيجية جديدة لتنويع الأسواق وتحديد فرص جديدة للتجارة والاستثمار، والتي استهدفت البلدان الواعدة في أفريقيا وأميركا ودول الخليج. فبالنسبة للقارة الأفريقية، هناك روابط جد متينة تجمع المغرب بهذه البلدان، متمثلة في الصلات الحضارية المشتركة بأبعادها الدينية والثقافية والاقتصادية، مما شكل حافزا لبذل الجهود لتطوير العلاقات التجارية مع البلدان الأفريقية، خاصة جنوب الصحراء، من خلال إعادة تحديد الإطار القانوني الذي يحكم العلاقات التجارية مع هذه البلدان قصد تقريب أسواقها من الفاعلين المغاربة والرفع من قيمة المبادلات التجارية والاستثمارات معها. أما بالنسبة لشمال أميركا، فان المغرب انخرط في مفاوضات مع كندا بخصوص اتفاقية التبادل الحر. ولضمان الاستفادة الكاملة من هذه الاتفاقية. يحرص فريق الخبراء المشرف على هذه المفاوضات على الأخذ بعين الاعتبار البعد التنموي بين البلدين عبر المعاملة التمييزية للمغرب وحماية المواد الحساسة التي تحتاج إلى فترة انتقالية لتكون أكثر استعدادا لمواجهة المنافسة الأجنبية.



ارتفاع حاد في أسعار الواردات الأميركية خلال أبريل مع قفزة قياسية للوقود

حاويات شحن مكدّسة على رصيف بمحطة «ريد هوك» في بروكلين (رويترز)
حاويات شحن مكدّسة على رصيف بمحطة «ريد هوك» في بروكلين (رويترز)
TT

ارتفاع حاد في أسعار الواردات الأميركية خلال أبريل مع قفزة قياسية للوقود

حاويات شحن مكدّسة على رصيف بمحطة «ريد هوك» في بروكلين (رويترز)
حاويات شحن مكدّسة على رصيف بمحطة «ريد هوك» في بروكلين (رويترز)

ارتفعت أسعار الواردات الأميركية بشكل حاد خلال شهر أبريل (نيسان)، مع تسجيل أسعار الوقود أكبر زيادة لها في أربع سنوات، في مؤشر إضافي على أن الحرب المدعومة من الولايات المتحدة مع إيران تسهم في تفاقم الضغوط التضخمية.

وأفاد مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل الأميركية، يوم الخميس، بأن أسعار الواردات ارتفعت بنسبة 1.9 في المائة الشهر الماضي، بعد تعديل بالزيادة لقراءة مارس (آذار) إلى 0.9 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع أسعار الواردات، باستثناء الرسوم الجمركية، بنسبة 1 في المائة، بعد زيادة بلغت 0.8 في المائة في مارس.

وعلى أساس سنوي، قفزت أسعار الواردات بنسبة 4.2 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في أبريل، مسجلة أكبر زيادة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، مقارنة بارتفاع بلغ 2.3 في المائة في مارس. ويأتي ذلك بالتزامن مع تسارع التضخم في أسعار المستهلكين والمنتجين خلال الشهر نفسه، إلى أعلى مستوياته في سنوات، وسط اضطرابات في الإمدادات العالمية.

وأدت الحرب في الشرق الأوسط إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، ما انعكس ارتفاعاً في أسعار الطاقة والسلع الأساسية، بما في ذلك الأسمدة والألمنيوم.

وعززت بيانات التضخم المتصاعدة التوقعات بأن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة حتى عام 2027.

وقفزت أسعار الوقود المستورد بنسبة 16.3 في المائة في أبريل، وهو أكبر ارتفاع منذ مارس 2022، بعد زيادة بلغت 10 في المائة في مارس، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية المستوردة بنسبة 0.9 في المائة.

وباستثناء الغذاء والطاقة، ارتفعت أسعار الواردات بنسبة 0.7 في المائة بعد زيادة بلغت 0.2 في المائة في مارس. كما ارتفعت أسعار السلع الرأسمالية المستوردة بنسبة 1.1 في المائة، وسجلت أسعار السلع الاستهلاكية (باستثناء السيارات) ارتفاعاً بنسبة 0.4 في المائة، في حين تراجعت أسعار السيارات وقطع الغيار والمحركات المستوردة بنسبة 0.1 في المائة.

وسجلت الواردات من الصين ارتفاعاً بنسبة 0.8 في المائة، وهو الأكبر منذ يوليو (تموز) 2008، كما ارتفعت أسعار السلع المستوردة من اليابان والاتحاد الأوروبي والمكسيك، بينما قفزت أسعار الواردات من كندا بنسبة 5.6 في المائة، وهو أكبر ارتفاع منذ أربع سنوات.


ارتفاع مبيعات التجزئة الأميركية في أبريل مدفوعاً بتضخم الطاقة الناجم عن الحرب

شخص يتفقد الملابس داخل متجر في مركز وودبري كومون بريميوم أوتلتس بمدينة سنترال فالي بنيويورك (رويترز)
شخص يتفقد الملابس داخل متجر في مركز وودبري كومون بريميوم أوتلتس بمدينة سنترال فالي بنيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مبيعات التجزئة الأميركية في أبريل مدفوعاً بتضخم الطاقة الناجم عن الحرب

شخص يتفقد الملابس داخل متجر في مركز وودبري كومون بريميوم أوتلتس بمدينة سنترال فالي بنيويورك (رويترز)
شخص يتفقد الملابس داخل متجر في مركز وودبري كومون بريميوم أوتلتس بمدينة سنترال فالي بنيويورك (رويترز)

ارتفعت مبيعات التجزئة الأميركية مجدداً في أبريل (نيسان)، إلا أن جزءاً من هذا الارتفاع يُرجّح أنه ناتج عن تسارع التضخم، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأخرى بفعل الحرب مع إيران.

وأعلن مكتب الإحصاء التابع لوزارة التجارة الأميركية، يوم الخميس، أن مبيعات التجزئة ارتفعت بنسبة 0.5 في المائة الشهر الماضي، بعد زيادة معدّلة بالخفض بلغت 1.6 في المائة في مارس (آذار). وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع المبيعات، التي تشمل في معظمها السلع ولا تُعدّل وفقاً للتضخم، بنسبة 0.5 في المائة، بعد قراءة سابقة أظهرت زيادة قدرها 1.7 في المائة في مارس.

ويُسهم الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران في زيادة الضغوط التضخمية. وكانت الحكومة قد أفادت هذا الأسبوع بأن أسعار المستهلكين ارتفعت بقوة للشهر الثاني على التوالي في أبريل، مسجلة أعلى وتيرة سنوية منذ ثلاث سنوات.

كما أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية ارتفاع أسعار البنزين بنسبة 12.3 في المائة خلال أبريل.

ولم يؤثر ارتفاع أسعار الوقود حتى الآن بشكل ملموس على الإنفاق في القطاعات الأخرى، مدعوماً بزيادة المبالغ المستردة من الضرائب هذا العام. ووفقاً لبيانات مصلحة الضرائب الأميركية، ارتفع متوسط المبالغ المستردة بنحو 323 دولاراً حتى 25 أبريل مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

غير أن هذا الدعم المالي بدأ بالتراجع تدريجياً.

وقال اقتصاديون في بنك «بنك بي إن سي فاينانشال» إن تحليلاً لبيانات داخلية أظهر أن «المستهلكين يسحبون المبالغ المستردة من الضرائب بوتيرة أسرع مقارنة بالعام الماضي، خصوصاً بين الأسر ذات الدخل المنخفض»، مضيفين أنهم يلاحظون «تراجعاً في استخدام هذه الأموال لسداد ديون بطاقات الائتمان وغيرها من الالتزامات».

ويخصص المستهلكون من ذوي الدخل المنخفض حصة أكبر من إنفاقهم للبنزين مقارنة بالأسر الأعلى دخلاً. ومع تراجع ثقة المستهلكين إلى مستويات قياسية منخفضة في أوائل مايو (أيار)، وتجاوز التضخم نمو الأجور للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، تزداد المخاوف من تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي بشكل ملحوظ خلال العام الحالي.

وارتفعت مبيعات التجزئة الأساسية، التي تستثني السيارات والبنزين ومواد البناء وخدمات الطعام، بنسبة 0.5 في المائة في أبريل، بعد تعديل قراءة مارس بالرفع إلى 0.8 في المائة. وتُعد هذه الفئة الأكثر ارتباطاً بمكوّن الإنفاق الاستهلاكي في الناتج المحلي الإجمالي، وكانت البيانات السابقة قد أشارت إلى نموها بنسبة 0.7 في المائة في مارس.

وسجل الإنفاق الاستهلاكي، الذي يمثل أكثر من ثلثي الاقتصاد الأميركي، نمواً سنوياً بنسبة 1.6 في المائة في الربع الأول، مقارنة بـ1.9 في المائة في الربع الرابع من العام الماضي، كما جاء أقل بكثير من معدل النمو البالغ 3.5 في المائة المسجل في الربع الثالث من عام 2025.


السعودية تكسر موجة التضخم العالمي بـ«مظلة» العقارات

إحدى أسواق المنتجات الغذائية في السعودية (واس)
إحدى أسواق المنتجات الغذائية في السعودية (واس)
TT

السعودية تكسر موجة التضخم العالمي بـ«مظلة» العقارات

إحدى أسواق المنتجات الغذائية في السعودية (واس)
إحدى أسواق المنتجات الغذائية في السعودية (واس)

في وقت يُصارع الاقتصاد العالمي أمواجاً عاتية من الضغوط السعرية المرتفعة بفعل حرب إيران وتعطل مضيق هرمز، نجحت السعودية في رسم مسارٍ مغاير؛ حيث واصلت معدلات التضخم تباطؤها لتستقر عند مستويات من بين الأدنى عالمياً، مدعومةً باستقرار الإيجارات من جهة وبالإجراءات التنظيمية المحقِّقة للتوازن بين العرض والطلب من جهة أخرى.

هذا الأداء أتى انعكاساً لفاعلية التدابير الاستباقية التي اتخذتها الحكومة، والسياسات المالية والنقدية التي نجحت في عزل السوق المحلية عن تداعيات الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.

وقد أظهرت أحدث البيانات الإحصائية هذا المسار الهبوطي لمعدل التضخم الذي تباطأ في شهر أبريل (نيسان) إلى 1.7 في المائة، على أساس سنوي وفق «الهيئة العامة للإحصاء».

وتتوقع وزارة المالية أن يتباطأ التضخم في المملكة في عام 2026 إلى حدود 2 في المائة مقارنة مع 2.3 في المائة في 2025.

وجاء هذا التباطؤ مدعوماً بتسجيل وتيرة أبطأ لارتفاع تكاليف السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 3.8 في المائة، مقارنة بمستوياتها السابقة.

كذلك، يُشير استقرار الإيجارات الفعلية للمساكن عند 4.8 في المائة للشهر الثاني على التوالي، إلا أن السوق بدأت بالفعل استيعاب التدابير التنظيمية، وهو ما يطرح تساؤلاً ملحاً في الأوساط الاقتصادية حول ما إذا كانت المملكة قد دخلت فعلياً مرحلة كبح الإيجارات المستدامة.

ويرى الخبراء أن هذا الاستقرار يفتح المجال في الفترة المقبلة لمزيد من التراجع، خصوصاً مع اعتماد اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة والهادفة إلى رفع كفاءة المنظومة العقارية، وتحقيق توازن بين العرض والطلب.

فمن المتوقع أن تُسهم هذه الرسوم في زيادة المعروض العقاري، ما سينعكس بدوره على انخفاض الأسعار وتراجعها على المستوى العام في المملكة، بما يعزز مكانتها بوصفها أحد أكثر اقتصادات مجموعة العشرين قدرةً على كبح الضغوط السعرية.

ومن المعلوم أن الحكومة كثفت، ولا تزال، جهودها لخفض أسعار العقارات في الفترة الماضية، بتوجيه من ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، لتنفيذ عدد من الإجراءات في هذا الشأن وتحقيق التوازن في القطاع العقاري، بعد أن شهدت المنظومة -وتحديداً في العاصمة الرياض- موجة ارتفاع في أسعار الأراضي والإيجارات خلال الأعوام الأخيرة.

تفاصيل البيانات

وقد تباطأ نمو أسعار مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود (ثاني أكثر المجموعات تأثيراً في التضخم) إلى 3.8 في المائة خلال أبريل، على أساس سنوي، مقارنة مع 3.9 في المائة في مارس (آذار)، ليُسجل أدنى معدل زيادة منذ بداية العام الحالي.

كما استقر تضخم الإيجارات الفعلية للمساكن للشهر الثاني على التوالي عند 4.8 في المائة، وهو أيضاً أقل معدل ارتفاع منذ مطلع 2026.

المقارنة الشهرية

وعلى أساس شهري، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.2 في المائة مقارنة مع مارس، نتيجة زيادة أسعار الأغذية والمشروبات والسكن والطاقة. وفي المقابل، أسهم استقرار أسعار النقل وتراجع بعض بنود الأثاث والملابس في الحد من تسارع التضخم، ما أبقى المعدلات ضمن مستويات معتدلة مقارنة بالأسواق الإقليمية والعالمية.

العاصمة السعودية الرياض (واس)

في المقابل، تسارع نمو أسعار الأغذية والمشروبات (أكبر المجموعات وزناً في سلة أسعار المستهلكين) إلى 0.6 في المائة خلال أبريل مقارنة مع 0.3 في المائة في مارس، مدفوعاً بارتفاع أسعار الأغذية بشكل رئيسي.

كما ارتفعت أسعار النقل بنسبة 1 في المائة على أساس سنوي، إلا أن ذلك يُمثل تباطؤاً مقارنة بالشهر السابق، ويُعدّ ثاني أقل معدل زيادة منذ بداية العام تقريباً، ما أسهم في الحد من تسارع التضخم الكلي.

وفي هذا الإطار، أكد مختصون عقاريون لـ«الشرق الأوسط»، أن تحركات الحكومة فيما يخص المنظومة العقارية ستُسهم في تراجع الأسعار التي بدورها ستخفض التضخم في السعودية خلال المرحلة المقبلة تدريجياً، مبينين أن مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود، تعد من المجموعات ذات الوزن الكبير المؤثر على المعدل.

الحد من الاحتكار

وردّ المستشار، أستاذ القانون التجاري الدولي، الدكتور أسامة بن غانم العبيدي لـ«الشرق الأوسط»، التباطؤ إلى استقرار إيجارات السكن خصوصاً مع اعتماد لائحة رسوم العقارات الشاغرة التي تفرض رسوماً سنوياً تصل إلى 5 في المائة من قيمة المبنى.

وأوضح أن اللائحة التنفيذية ستحفز الملّاك على استغلال عقاراتهم الشاغرة وعرضها في السوق، ما يؤدي إلى زيادة المعروض، ومن ثم إلى خفض أسعار الإيجارات التي بدورها سوف تؤثر على معدل التضخم العقاري نتيجة تحقيق التوازن بين العرض والطلب.

وأشار إلى أن اللائحة الجديدة جاءت بعد سلسلة من الإجراءات الحكومية من خلال فرض رسوم على الأراضي البيضاء، وتنظيم الأراضي غير المطورة، إلى جانب تثبيت الإيجارات لمدة 5 سنوات؛ إضافة إلى تطوير مشروعات سكنية واسعة، وتحفيز المطورين على زيادة المعروض العقاري في مسعى لتحقيق توازن أكثر استدامة بين العرض والطلب، ما سيؤدي لزيادة خفض التضخم العقاري، ومن ثم تراجع معدل التضخم بشكل عام.

أحد مشروعات وزارة البلديات والإسكان في السعودية (واس)

تراجع أكبر للإيجارات

بدوره، ذكر المختص في الشأن الاقتصادي أحمد الشهري لـ«الشرق الأوسط»، أن تباطؤ معدل التضخم السنوي في السعودية جاء مدعوماً باستقرار مجموعة الإيجارات الفعلية للمساكن، مؤكداً أن التحركات الحكومية فيما يتعلق بالمنظومة العقارية أسهمت في تهدئة وتيرة ارتفاع تكاليف السكن.

وأضاف الشهري، أن هذا التراجع جاء بالتزامن مع اعتماد اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة، بهدف تعزيز المعروض العقاري وتحفيز ملاك الوحدات غير المستغلة على ضخها في السوق، متوقعاً أن تسهم هذه الخطوة في نزول أكبر في أسعار الإيجارات خلال المرحلة المقبلة بشكل تدريجي، بعد تحقيق توازن أكبر بين العرض والطلب، وبما يخفف الضغوط على أسعار الإيجارات، ويُعزز استقرار سوق الإسكان، الأمر الذي قد يدعم استمرار تباطؤ التضخم عند مستويات منخفضة مقارنة بعدد من الاقتصادات الإقليمية والعالمية.

وأوضح أن أسعار العقارات تُعد من المجموعات ذات التأثير الأكبر على التضخم، ومن ثم فإن تراجع المنظومة في المملكة بشكل عام يُسهم في انخفاض المعدل بشكل تدريجي خلال الفترة المقبلة.

في الختام، تُظهر البيانات والتحركات التشريعية المتسارعة أن المملكة لا تكتفي بمراقبة مؤشرات التضخم، بل تعمل بشكل استباقي على معالجة جذور التحديات السعرية، لا سيما في القطاع العقاري الذي يمس جودة حياة المواطن. ومع دخول اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة حيّز التنفيذ الفعلي، وتكاملها مع برامج الإسكان وزيادة المعروض، يبدو أن الاقتصاد السعودي يمضي بثبات نحو ترسيخ مرحلة من الاستقرار السعري المستدام؛ ما يُعزز جاذبية البيئة الاستثمارية، ويدعم قدرة الأسر على التخطيط المالي طويل الأمد.