محمد البحيري... من صيدلاني إلى منسق طعام

محمد البحيري... من صيدلاني إلى منسق طعام

رحلة عشقه للطعام غيرت حياته
الأحد - 27 جمادى الأولى 1442 هـ - 10 يناير 2021 مـ رقم العدد [ 15384]

«العين تأكل قبل الفم» مقولة أثبتت صحتها بعد أن احتلت الأطباق أهمية خاصة على موقع الصور العملاق «إنستغرام»؛ فكما تتسابق مدونات الموضة في نشر صور الإطلالات الأنيقة، نجح طُهاة في المنافسة وجذب المتابعين بأطباق تثير الشهية.

فوراء هذه الصور الجذابة التي تشاهدها في الإعلانات وعبر مدونات الطعام، شخص ربما لا يمتلك أنامل الطاهي المحترف؛ لكن له عيناً عاشقة للأكل؛ إنه منسق الطعام أو ما يُعرف بالإنجليزية «فوود ستايليست».

من هنا كان الشغف بالطعام ووصفاته وأسراره الدافع لتحول المصري محمد البحيري، من صيدلي إلى «منسق طعام» محترف يقف وراء آلاف الصور والوصفات الجذابة.

ويروي البحيري رحلة عشقه للطعام التي غيرت مسار حياته، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «قبل احترافي تنسيق الطعام، بدأت الرحلة بدراسة الصيدلة وتكنولوجيا المعلومات، ثم التصميم، وكأنها كانت رحلة بحث عن الذات، استقرت فقط حين وجدت مهنة تجمع بين جزء من دراستي وشغفي معاً، فأنا عاشق للطهي»، ويمضي قائلاً: «لا أحب الطهي فحسب، ولكن المطبخ هو أيضاً مكاني المفضل في المنزل، يستهويني ضجيج الأدوات، واحتكاك الأواني، أحياناً أشعر بالصداع فأقرر أن أذهب للمطبخ كي أحضر أكلة، ولا أُفاجأ بأن الألم قد زال وحل محله شغف انتظار تناول ما صنعته بيدي».

علاقة البحيري بالأكل يمكن أن نطلق عليها «ولعاً» كما يفضل هو أن يصفها، ويقول: «أول هدية حصلت عليها في طفولتي كانت خلاطاً، وأتذكر أنني في سن العاشرة كنت أجهز أكلة كاملة بمفردي». في البداية ذهب البحيري إلى مهنة «الكاترينج» أو تقديم الطعام، بعد دراسة فنون الطهي بشكل أكاديمي، ولكنه وجد ضالته بعد مشاركته في دورة تدريبية في تنسيق الطعام أقيمت في القاهرة، ويقول عنها: «هنا تغيرت حياتي».

مهنة «منسق الطعام» تتطلب مهارات عديدة، يقول عنها البحيري: «صحيح أن المنسق لا يجهز الوصفة بنفسه، فهو يعتمد على طاهٍ محترف أحياناً؛ لكن عليه أن يكون مُلماً بفنون الطهي وخصائص مكونات الأكلة، ويمتلك حس التذوق، حتى ينجح في إخراج الطبق بشكل جذاب يثير شهية العملاء». وبالإضافة إلى الطهي، تتطلب هذه المهنة حساً فنياً في التصوير والتصميم والإضاءة، جميعها مهارات أساسية حتى تصبح منسق طعام بارعاً في مهنتك.

ويشاركنا البحيري بجزء من أسرار عرض الأطباق قائلاً: «بعض الأطباق نقدمها غير مكتملة النضج بغرض التصوير فقط، وذلك للحفاظ على ألوان وقوام بعض المكونات، هذا لا يعني أنها بعد اكتمال النضج لن تصبح جذابة كما تظهر في الصور؛ لكن هناك معايير تتعلق بعين الكاميرا التي تختلف عن العين البشرية».

ويلخص البحيري مهنة «منسق الطعام» في ثلاث مهارات أساسية تأتي بعد حب المطبخ، وهي: «شخص يهتم بالتفاصيل، له حس فني، يتميز بالدقة»، ويضيف: «أي شخص لا يمتلك هذه الصفات أعتقد أنه لن ينجح كمنسق طعام، فكل مكون داخل الطبق هو بطل قصتك».

جزء من تاريخ الشعوب يُكتب داخل أطباقهم الشعبية، فكرة يؤمن بها البحيري بشدة؛ بل ويعتبر أن مهنته تساهم في تأريخ الثقافات، ما يدفعه أحياناً للقراءة والمذاكرة قبل تنسيق طبق من ثقافة ربما لا يعرفها من قبل. ويقول: «دور منسق الطعام هو أن يروي قصة الطبق من خلال لقطة واحدة تختصر المذاق وتدون تفاصيل الحكاية. عند تقديم طبق مكسيكي مثلاً، أفكر في الطريقة التي تثير شهية المواطن الأصلي في المكسيك عندما يشاهد الصورة، وإلا لن يتحقق الهدف».

بيد أن حب الطهي عامل مشترك بين منسقي الطعام، حتى أن المصرية علياء الصاوي (منسقة طعام ومطورة وصفات مُقيمة في دبي) وضعته شرطاً لأي شخص يسعى لامتهان تنسيق الطعام. وتقول في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «العلاقة بين منسق الطعام والطهي تشبه علاقة الرسام بلوحاته. لا يمكن أن يقدم فناً حقيقياً إلا إذا كان لديه شغف بما يقدمه. على الأقل حتى يشعر بقيمة رسالته».

وتروي حكايتها مع تنسيق الطعام، المهنة التي ربما لا يعرفها كثيرون في الشرق الأوسط، وتقول: «علاقتي بالطهي قديمة، فهو من البداية هوايتي التي أواجه بها القلق، وتساعدني في الخروج من الأزمات؛ لكن مهنياً بدأت تقديم الوصفات في عام 2000. قدمت 5 كتب في فنون الطهي والوصفات، بالتعاون مع (دار الشروق للطباعة)»؛ فمنذ خمسة عشر عاماً بدأت علياء الصاوي تقوم بمهمة تنسيق الطعام، بجانب عملها كمطورة وصفات ومستشارة لمطاعم دولية في دبي.

وراء الكواليس أسرار لا يعرفها إلا صُناع المهنة، فمهمة منسق الطعام لا تقتصر على تحضير الطبق بأسلوب يجذب العين فحسب. تقول الصاوي إن المهمة تبدأ من التسوق، وتضيف: «الطبق الجذاب يبدأ بمكونات طازجة، لذلك أفضل أن أقوم بالمهمة من الألف للياء، أتسوق لتحضير المكونات، وفي أغلب الظروف أحضر الوصفة بنفسي لأن تحضير طبق للتصوير له معايير مختلفة، ربما لا يهتم بها الطاهي العادي»؛ وهنا تؤكد أنه لا يوجد منسق طعام محترف لا يعرف على الأقل أساسيات الطهي، فهو شرط أساسي.

عندما يشاهد المستهلك صورة تثير خياله، تنطق بمذاق طيب وتفوح منها رائحة ذكية، يتبادر إلى ذهنه أن وراءها مصوراً محترفاً فحسب، بينما ما كان للعمل أن يخرج هكذا إلا بفضل منسق طعام محترف. وتصف الصاوي العلاقة بين المصور ومنسق الطعام بأنها علاقة تكاملية لا يمكن لأي منهما أن يحل محل الآخر. وتقول «نحن فريق عمل ضخم، هدفنا في النهاية أن نسجل لحظة تنطق بمذاق ورائحة الطبق».

وعن اهتمام الجيل الصاعد بفنون الطهي ومهاراته المختلفة، تقول الصاوي إن فنون الطهي بشتى تخصصاتها أصبحت محل اهتمام كثير من الشباب العربي، ليس فقط من خلال التدوين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن هناك أيضاً كيانات أكاديمية في مصر والعالم العربي تقدم دورات تدريبية يشرف عليها متخصصون. وتقول: «شرفت بالتعاون مع أكاديمية مصرية كبرى لفنون الطهي، وأشارك في تدريس دورات تنسيق الطعام مرتين في العام الواحد، لذلك أتوقع خروج جيل جديد من الطهاة ومنسقي الطعام على قدر من الاحترافية».


مصر مذاقات

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة