أوغور شاهين وأوزلم توريتشي... معركة اللقاح ضد «كورونا»

الطبيبان الزوجان المتحدران من أصول تركية باتا من كبار أغنياء ألمانيا

أوغور شاهين وأوزلم توريتشي... معركة اللقاح ضد «كورونا»
TT

أوغور شاهين وأوزلم توريتشي... معركة اللقاح ضد «كورونا»

أوغور شاهين وأوزلم توريتشي... معركة اللقاح ضد «كورونا»

قبل شهرين تقريباً، لم يكن كثيرون قد سمعوا باسمي أوغور شاهين وأوزلم توريتشي. ولكن بياناً صحافياً واحداً صدر عن شركة «بيونتك» في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، كان كافياً لتحويلهما إلى «شخصي العام» بحسب صحيفة «فايننشال تايمز» و«بطلين» يحتفي بهما العالم لإنقاذه من كابوس فيروس «كوفيد 19». ذلك البيان أكد أن اللقاح الذي كانا يعملان على تطويره منذ يناير (كانون الثاني) 2020، قبل أن يتفشى الفيروس في العالم، وتعلنه منظمة الصحة العالمية «جائحة»، أثبت أن بإمكانه تأمين نجاعة تصل إلى 95 في المائة. وهكذا، تحوّل العالمان الألمانيان المتحدّران من أصول تركية، شاهين (55 سنة) وزوجته توريتشي (53 سنة)، إلى شخصيتين من الأكثر شعبية وشهرة في العالم.
بل اتصلت بهما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في لقاء عبر الفيديو، لتعلمهما بأن الجميع فخور بهما. وبأن دول العالم بدأت تتهافت على شراء اللقاح الذي طوّراه في مختبر صغير بمدينة ماينز الألمانية، حتى أصبح العالمان من بين أغنى أثرياء ألمانيا. ولكن مع ذلك، فإن الزوجين يبدوان أكثر تصميماً من ذي قبل على التركيز على عملهما، إذ إنهما يدرّسان في جامعة ماينز (يوهانس غوتنبورغ)، ويعملان على تطوير لقاح للسرطان، وهو ما كانا يعملان عليه قبل بدء العمل على تطوير لقاح «كوفيد 19»، مستفيدين من التقنية نفسها التي كانا يدرسانها لتطوير لقاح للسرطان.
منذ بداية صعود أوغور شاهين، وزوجته أوزلم توريتشي إلى دائرة الضوء، يتمحور الاهتمام بهما حول أصولهما المهاجرة. وفي ألمانيا على الأقل، كان الاحتفاء بإنجازهما أكبر لكونهما تركيي الأصل، وليسا ألمانيين أصلاً. ولقد كتبت مجلة «فوكس» المحافظة عنهما، معلقة: «مع هذين الزوجين، أصبح لدى ألمانيا مثال لامع على الاندماج الناجح».
تعبير «الاندماج الناجح» تكرّر في تعليقات كثيرة، سياسية وصحافية، وبات كأنه الإنجاز الأكبر الذي حققه هذان العالمان. حتى إن أرمين لاشيت، رئيس وزراء ولاية شمال ووستفاليا، الطامح لخلافة المستشارة ميركل، دعا حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف إلى «التفكير بأشخاص مثلهما لدى الحديث عن المهاجرين». وللعلم، فإن هذا الحزب لا يتردد في تصوير المهاجرين واللاجئين على أنهم «فتيات يرتدين النقاب ورجال يحملون السكاكين»، كما قالت مرة زعيمة الحزب أليس فيدل داخل مبنى البرلمان.
مع ذلك، فإن الزوجين يقولان إنهما لا يحبان استغلالهما سياسياً، ويفضلان الحديث عن العلوم عوضاً عن الهجرة. وفي هذا السياق، نقلت «فايننشال تايمز» عن الدكتورة تورتشي قولها إنها تتفهم أنها وزوجها «يملآن مربعات معينة تثير الاهتمام»، ولكنها توافق زوجها الدكتور شاهين الذي يقول إنه «يفضل الحديث عن العلم» عوضاً عن خلفيته المهاجرة. وإذا كان لا بد من الحديث عن خلفية لنجاحهما، يقول الزوجان للصحيفة إنهما يريدان أن يعكسا شعاراً لمدرسة درس فيها شاهين في مدينة كولون، تحت اسم كاتب للأطفال، يدعى إريش كاستنر، يقول ذلك الشعار: «لا شيء جيداً سيحدث إذا لم تجعله يحدث».
تركيا... وإردوغان
أما في تركيا نفسها، فإن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يبدو أنه هو الآخر يحاول استغلال قصة نجاح الزوجين العالمين سياسياً. وهو دائماً ما يجري اتصالات بألمان من أصول تركية معروفين أو حققوا نجاحات. وصورته الشهيرة مع مسعود أوزيل، نجم كرة القدم الألماني التركي، كانت «بداية النهاية» للاعب لامع بدأ يفقد بريقه عندما وافق على أن يرتبط اسمه بإردوغان. ومن ثم، دفعه انقلاب الصحافة الألمانية عليه في النهاية إلى مغادرة المنتخب الوطني الألماني نهائياً. واليوم، تتناقل مواقع تركية معارضة أن الزوجين لا يردان على اتصالات إردوغان بهما، وأنهما لا يريدان ربط اسميهما به لاعتراضهما على سياسته في تركيا. ولكن، ليس واضحاً بعد ما إذا كان الأمر صحيحاً أم لا. والزوجان نفساهما لم يتحدثا بالأمر.
ولكن الواضح، هو صمت شاهين وتوريتشي أمام التهنئة العلنية التي وجّهها لهما إردوغان من على المنصة الافتراضية للجمعية العامة للأمم المتحدة، والإطراءات التي أمطرهما بها. والواضح أيضاً إحجامهما عن إجراء أي مقابلة مع أي وسيلة إعلام تركية، مع أنهما تكلما لوسائل إعلام بريطانية وأميركية وألمانية، حتى عربية. ولم يمانعا في إجراء مكالمة مطولة عبر الفيديو مع ميركل التي امتدحت عملهما وتحدثت عن «اعتزازها بوجود عالمين مثلهما في ألمانيا»، من دون أن تأتي على ذكر أصولهما المهاجرة.
رغم ذلك، لا شك أن لأصول الزوجين المهاجرة دوراً في جعلهما الشخصين اللذين هما عليه اليوم. فشاهين ولد في مدينة الإسكندرونة، جنوب وسط تركيا، وانتقل إلى مدينة كولون الألمانية مع والديه اللذين قدما للعمل في شركة فورد للسيارات، عندما كان لا يزال في الرابعة من العمر. أما زوجته أوزلم فقد ولدت في ألمانيا لوالدين تركيين مهاجرين، الوالد طبيب. وفي مقابلة أدلى بها شاهين أخيراً لصحيفة «بيلد» الشعبية الواسعة الانتشار، قال عندما سئل عن أصوله المهاجرة: «ليست لديّ نصيحة سياسية أقدمها، فبالنسبة إليّ المهم أن نعيش في مجتمع يحترم فيه بعضنا بعضاً ونخلق إمكانية أن يحقّق كل شخص أحلامه وأهدافه». وتابع متوجهاً بكلامه إلى العائلات الموجودة في ألمانيا والآتية من دول مختلفة، فقال: «بالنسبة لوالدي كان من المهم جداً أن أذهب للمدرسة وأتعلم، فهما كانا يعملان يومياً، ويستيقظان في الساعة الرابعة والنصف كل صباح ويذهبان للعمل، وكان لديهما حلم بأن يصبح أولادهما شيئاً أفضل في المستقبل عن طريق العلم».
اليوم، يفخر أوغور شاهين بأن شركته بيونتك، التي توظّف 1800 شخص، تعبّر عن التنوّع الذي يؤمن به، فهؤلاء جاؤوا من 60 دولة مختلفة بحسب ما يقول، ونصفهم من النساء. وواقع أنه يتحدّر من أصول تركية، ساعده أيضاً على إنشاء علاقة صداقة شخصية مع المدير التنفيذي لشركة فايزر الأميركية الأميركي اليوناني الأصل ألبرت بورلا. وبالتالي، سهّل الاتفاق بين شركتي بيونتك وفايزر للتعاون في تطوير اللقاح بشكل سريع وفعّال. وعن ذلك، يقول شاهين لصحيفة «نيويورك تايمز» في لقاء معه: «عرفنا منذ البداية أنه من اليونان وأنا من تركيا، وكان الأمر شخصياً جداً منذ البداية... الثقة والعلاقة الشخصية مهمة جداً في تعاملات كهذه، لأن الأمور تتطور بسرعة، ونحن ما زلنا لم نوقع اتفاق تعاون شاملاً، وما زلنا نتعاون على أساس ورقة مبادئ».
- بدايات «بيونتك»
عندما بدأت شركة بيونتك التي أسسها شاهين مع زوجته عام 2008 بتطوير لقاح لـ«كوفيد 19» في بداية العام المنتهي، عُرفت سريعاً بأنها، كونها شركة صغيرة، لن تكون قادرة وحدها على تطوير لقاح سريعاً. ولا بد لها من الاستعانة بشركة أكبر تساعدها على إجراء التجارب الواسعة المطلوبة، ثم الإنتاج في مرحلة لاحقة. وهكذا كانت العلاقة الموجودة أصلاً بين الرجلين الذين كانا قد تعارفا قبل سنتين وعملا معاً على تطوير لقاحات للإنفلونزا، مفيدة في تسريع بدء التعاون لإنتاج اللقاح والانتهاء من التجارب سريعاً.
وحقاً، ساهم هذا التعاون السريع بين الشركتين في إنتاج واحد من أسرع اللقاحات تطويراً في التاريخ. والواقع أن رؤية شاهين، وقدرته على توقع تحوّل الفيروس إلى جائحة، قبل شهرين من إعلان منظمة الصحة العالمية كذلك، ساهم أيضاً في تحويل شركته إلى الأولى في سباق العثور على لقاح. ففي يناير 2020 بدأ شاهين العمل على اللقاح بعدما قرأ مقالاً في مجلة «لانسيت» الطبية البريطانية المرموقة جعلته مقتنعاً بأن الفيروس المنتشر في الصين سيتحول إلى جائحة عالمية. وطلب من العلماء العاملين في شركته الصغيرة إلغاء إجازاتهم والتوقّف عن العمل على المشروعات السابقة من أجل التفرغ للعمل على لقاح ضد الفيروس الجديد. وفي حينه، سُمّيت المهمة بـ«سرعة الضوء»، لأنه كان يعلم بأن عليه وفريقه العمل بسرعة الضوء للتوصل إلى لقاح فعال.
ثم إن شاهين نفسه قال عن ذلك في نوفمبر الماضي: «لم تكن هناك شركات كثيرة في العالم لديها القدرة والكفاءة على العمل بالسرعة التي عملنا فيها على اللقاح، لكننا لم نشعر بأنها فرصة، بل بأنها واجب». وفي الشهر الماضي، قال في مقابلة مع «بيلد» إن فريقه كان يعمل ليل نهار 7 أيام في الأسبوع، من دون توقف لتطوير اللقاح، وإن 3 فرق مقسمة للعمل طوال الليل والنهار في نوبات مختلفة. ومما قاله عن بدايات العمل على اللقاح ونتائجه: «سمينا المشروع سرعة الضوء، لأننا كنا نعلم أن الجائحة آتية إلينا، وليس لدينا أي وقت لإضاعته... وعلمنا منذ البداية أننا قد نكون الأوائل في تطوير لقاح، لأننا كنا نبني على تكنولوجيا وخبرات وأبحاث منذ 20 سنة». وبعدما تمكن العلماء في شركة بيونتك من تحديد عدد من اللقاحات المرشحة للنجاح، مستندين إلى تكنولوجيا طوّرها شاهين وزوجته خلال السنوات الماضية بأمل تطوير لقاح للسرطان، بدأ التعاون خلال مارس (آذار) الماضي مع شركة فايزر، مستعيناً بصداقته الشخصية مع مديرها التنفيذي.
- الجوانب التقنية
في الحقيقة، قبل أن يتحوّل الفيروس إلى جائحة، أدرك شاهين أهمية التكنولوجيا التي كانت تعمل عليها شركتها منذ سنوات، وهي تعرف بـmRNA (الحمض الريبي الساعي أو «مسنجر آر إن أيه»). فقبل سنتين، قال في محاضرة كان يلقيها في العاصمة الألمانية برلين إن شركته ستكون قادرة وبسرعة كبيرة على تطوير لقاح في حال انتشار أي وباء استناداً إلى هذه التكنولوجيا. وبالفعل تحقق ذلك. ونجحت «بيونتك» في بداية العام بالحصول على تمويل من الحكومة الألمانية، ثم من الاتحاد الأوروبي، للمساعدة على تطوير وإنتاج اللقاح بسرعة. وخلال الأشهر الأخيرة، ارتفع سعر سهم الشركة بشكل كبير، لتصل قيمتها إلى 21 مليار دولار أميركي، ما وضع الزوجين في لائحة أغنى 100 شخص في ألمانيا. وعن ذلك، تقول زوجته، الدكتورة توريتشي، التي تشغل منصب كبير الأطباء في شركة بيونتك، وفق صحيفة «الفايننشال تايمز» إن زوجها «يصيب في كثير من الأحيان عندما يتعلق الأمر بتنبؤ أشياء ما».
- خلفية شخصية
على الصعيد الشخصي، يقول أوغور شاهين إنه دائماً منذ كان طفلاً يحلم بأن يغدو طبيباً. وبالفعل التحق عام 1984 بجامعة كولون لدراسة الطب، وتخرّج عام 1992 في الجامعة نفسها، حاملاً شهادة دكتوراه الطب في مجالي السرطان والمناعة الخلوية. وخلال التسعينات، التقى شاهين بزوجته أوزلم توريتشي التي درست الطب أيضاً، في جامعة زارلاند بمدينة زاربروكن (جنوب غربي ألمانيا)، وذلك إبان عمله في مستشفى زارلاند الجامعي، بينما كانت تنهي دراستها. وتزوّج الطبيبان الشابان عام 2002 ورزقا ببنت، هي اليوم في السادسة عشرة من العمر، وتعيش معهما. وحتى اليوم ما زالت توريتشي، التي تعد بدورها رائدة في مجال العلاج المناعي للسرطان، أستاذة في جامعة ماينز، إلى جانب زوجها.
مع هذا، لم يكن صعود الزوجين سهلاً. فعندما بدآ أبحاثهما في مجال mRNA لم يحصلا على دعم كبير من زملائهما، ولم يلقيا ثقة بأن أبحاثهما قد تؤدي إلى اكتشافات جادة. ثم إنهما أصلاً اصطدما بكثير من العراقيل التي أوقفت أبحاثهما حول السرطان بعدما اكتشفا بأنه كثير التحوّر والتغيّر. وأكثر من هذا، فإن شركتهما التي تعمل على تطوير لقاحات منذ تأسيسها لم تحصل على ترخيص لاستخدام أي لقاح إلى أن جاء لقاح «كوفيد 19».
- انطباعات العاملين
العاملون مع أوغور شاهين يصفونه بأنه «شديد الذكاء». وذات مرة قال إندرياس كون، الذي يشغل منصب نائب الرئيس الأول للشركة في الكيمياء الحيوية، عنه، إنه «نادراً ما التقى شخصاً بذكاء شاهين، فهو دائماً متقدم بخطوة على الجميع». ثم رغم اضطرار شاهين وتوريتشي في الأشهر الماضية للتحول إلى الأعمال، فإنهما يفضلان العلم على الأعمال. وحول هذا الأمر يعلّق رئيس «فايزر» التنفيذي، ألبرت بورلا: «أوغور شخص فريد للغاية، لا يأبه إلا بالعلم. مناقشة الأعمال ليست ما يفضل، لا يحب ذلك أبداً، إنه عالم ورجل مبادئ، وأنا أؤمن به 100 في المائة».
وبالفعل، بلغ شغف شاهين وزوجته بعملهما وأبحاثهما حد دفعهما للعودة إلى المختبر يوم زفافهما بعد الحفل. وطوال سنواتهما معاً، كتبا مئات الأوراق البحثية في مجال تخصصي للغاية. ومع أنهما كان أول من عثر على لقاح لجائحة غيّرت العالم، فهما يقولان إن الهدف ليس فقط تطوير لقاح فعال، بل إيصال هذا اللقاح لأكبر قدر ممكن العالم، حتى في الدول الفقيرة التي لا يمكنها شراؤه. وهذا ما يوضحه شاهين أكثر بقوله: «هدفنا الآن هو إنتاج 1.3 مليار جرعة من اللقاح في العام 2021. ونحن ندرس الآن كيف يمكننا إنتاج مزيد من الجرعات. هذا الأمر يتطلب تخطيطاً حذراً وتعاوناً مع عدة شركاء». ثم يتابع: «أعتقد أن حاجات الناس في كل مكان من الكوكب هي نفسها، إنهم يتوقعون وصولاً عادلاً للقاح... ونحن نسأل أنفسنا منذ البداية؛ كيف يمكننا ضمان ذلك؟».
هل سينجح أوغور شاهين وزوجته أوزلم توريتشي في إيصال لقاحهما بشكل عادل لكل العالم أم لا؟ يبقى ذلك محل تساؤل حتى الآن... لكن المؤكد أنهما دخلا التاريخ عالمين مميزين سبّاقين إلى تطوير لقاح ضد جائحة أهلكت الدنيا.


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.