«داعش» و«القاعدة»... حروب «مصغّرة» على هامش النزاعات الأهلية

بقايا «داعش»... محتجزون يُشتبه في تعاونهم مع التنظيم الإرهابي خلال الإفراج عنهم من سجن تديره «قوات سوريا الديمقراطية» في القاملشي (شمال شرقي سوريا) في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
بقايا «داعش»... محتجزون يُشتبه في تعاونهم مع التنظيم الإرهابي خلال الإفراج عنهم من سجن تديره «قوات سوريا الديمقراطية» في القاملشي (شمال شرقي سوريا) في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

«داعش» و«القاعدة»... حروب «مصغّرة» على هامش النزاعات الأهلية

بقايا «داعش»... محتجزون يُشتبه في تعاونهم مع التنظيم الإرهابي خلال الإفراج عنهم من سجن تديره «قوات سوريا الديمقراطية» في القاملشي (شمال شرقي سوريا) في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
بقايا «داعش»... محتجزون يُشتبه في تعاونهم مع التنظيم الإرهابي خلال الإفراج عنهم من سجن تديره «قوات سوريا الديمقراطية» في القاملشي (شمال شرقي سوريا) في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

تشهد الحروب والنزاعات الأهلية، في أحيان كثيرة، حروباً ونزاعات أهلية «مصغّرة»، أي بين الأطراف التي تقاتل في صف واحد ضد «الأعداء» المفترضين. حصل هذا، مثلاً، بين الأحزاب المسيحية خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990). تقاتل حزبا «الكتائب» و«الأحرار»، المسيحيان، قتالاً دامياً فيما يُعرف بمعارك «توحيد البندقية» التي انتهت بهزيمة «نمور الأحرار»، الجناح المسلح لهذا الحزب، وقيام «القوات اللبنانية».
في النزاع الأفغاني، قاتلت فصائل المجاهدين الحكم الشيوعي في كابل وداعميه الروس. لكن ما إن تحقق الانتصار للمجاهدين حتى انقضّوا على بعضهم بعضاً، عام 1992، محولين كابل إلى أنقاض. انتهت حروبهم هذه فقط عندما جاءت «طالبان» وابتلعتهم جميعاً، أو كادت.
أما في الجزائر، فقد ظهرت في تسعينات القرن الماضي عشرات الجماعات المسلحة التي قاتلت نظام الحكم بهدف قلبه وإقامة «حكومة إسلامية» في مكانه، لكنها خاضت في الوقت ذاته الذي كانت تقاتل فيه الجيش الجزائري قتالاً دامياً فيما بينها بهدف «توحيد الراية». ساعد النزاع «الأهلي» بين المجموعات الإسلامية قوات الأمن الجزائرية على استعادة المبادرة وإلحاق الهزيمة بها كلها.
مردّ هذه المقدمة طرح السؤال الآتي: ما نوع العلاقة المتصوَّرة في السنوات المقبلة بين التنظيمين المتنافسين «داعش» و«القاعدة»؟
ينتمي هذان التنظيمان، بحسب ما هو واضح من أدبياتهما، إلى المدرسة الآيديولوجية ذاتها، وإن كان «داعش» نتاج مرحلة لاحقة لمرحلة نشوء «القاعدة».
فالأول نتج في بيئة الغزو الأميركي للعراق، بعد عام 2003. بينما فكرة «القاعدة» نشأت في أواخر الثمانينات في أفغانستان، في بيئة مقاومة «الجيش الأحمر» والشيوعيين، ثم تطورت في سنوات التسعينات من خلال «اندماج» تنظيم «الجهاد» المصري بـ«القاعدة»، وإنشاء ما يُعرف بـ«قاعدة الجهاد». ورغم أن هذا التنظيم الأخير بقي «متعدد الجنسيات»، فإن المصريين شكّلوا، وما زالوا، عنصراً مهيمناً على قيادته وكوادره الأساسية.
وفي واقع الأمر، لم يحدث الشقاق بين «داعش» و«القاعدة» سوى بعد اندلاع النزاع الأهلي السوري، بعد عام 2011. فحتى ذلك التاريخ، كان تنظيم «القاعدة» في بلاد الرافدين يشكّل جزءاً من تنظيم فضفاض أُطلق عليه «الدولة الإسلامية في العراق».
وجاء ذلك نتيجة للصراعات التي نشبت بين فرع «القاعدة» العراقي بقيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي وفصائل سنيّة عديدة كانت تقاتل الأميركيين باعتبارهم محتلين، لكنها لم ترضَ بالخضوع لإملاءات القيادي الأردني الذي أراد فرض هيمنة تنظيمه على جميع الفصائل العراقية. وكما هو معروف، دفعت تصرفات الزرقاوي بالعديد من الجماعات السنية إلى تفضيل العمل مع الأميركيين والحكومة العراقية عوض الانخراط تحت لواء جماعة تقوم بتصرفات يمكن أن تجر البلاد إلى حرب أهلية على خطوط مذهبية، بالإضافة إلى التشاحن الداخلي داخل المكوّن السنّي العراقي ورموزه العشائرية.
ساعدت جماعات «المقاومة» السنيّة (التي باتت تُعرف بـ«الصحوات») في إلحاق الهزيمة بـ«القاعدة»، فاضطر هذا التنظيم إلى «الابتعاد عن الواجهة» وإعطاء القيادة للعراقيين أنفسهم بحكم أنهم أدرى بحساسيات بلدهم، بينما أخذ غير العراقيين مقعداً خلفياً وراء «أهل البلد».
وهكذا جاء بعد الأردني الزرقاوي الذي قُتل عام 2006. قائد أجنبي آخر لفرع «القاعدة» هو أبو الحسن المهاجر (أبو أيوب المصري). لكن القيادة كانت عراقية وباسم عراقي: «الدولة الإسلامية في العراق»، بقيادة أبو عمر البغدادي، ثم، بعد مقتله، أبو بكر البغدادي. وعندما اندلع النزاع السوري عقب الاحتجاجات التي ثارت ضد حكم الرئيس بشار الأسد عام 2011، سارع أبو بكر البغدادي إلى إرسال السوري أبو محمد الجولاني، قيادي «القاعدة» الذي يعمل تحت إمرته في إطار «الدولة الإسلامية في العراق»، إلى بلده سوريا لتنظيم العمل المسلح ضد النظام.
وكما بات معروفاً، تسبب النزاع السوري في «الطلاق» بين البغدادي والجولاني، إذ اعتبر الأول أن الثاني ما زال يعمل تحت إمرته في سوريا، وأنه بالتالي خاضع لـ«الدولة» التي تحولت عام 2013 إلى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» بعد انسحاب قوات النظام السوري من النقاط الحدودية مع العراق وإعلان البغدادي إزالة «حدود سايكس بيكو» بين البلدين.
لكن الجولاني «تمرد» على قائده العراقي، بحسب ما يقول مناصرو الأخير، مستعيناً بالقيادة العامة لـ«القاعدة» التي كانت آنذاك قد باتت تحت قيادة الدكتور أيمن الظواهري، بعد قتل الأميركيين زعيم هذا التنظيم أسامة بن لادن في أبوت آباد عام 2011.
لم يُظهر مقاتلو البغدادي رحمة بمناوئيهم، على جميع مشاربهم، سواء كانوا جنوداً في قوات حكومية في العراق وسوريا، أو مدنيين يُنظر إليهم بوصفهم كفاراً أو مرتدين، أو حتى مقاتلين ينتمون إلى تنظيمات إسلامية لا تبايع تنظيم «الدولة». ففتكوا بهم فتكاً أينما تمكنوا منهم. قطع رؤوس هنا. سبي واسترقاق هناك. سيارات مفخخة وانتحاريون في كل مكان.
حاولت قيادة «القاعدة» تفادي مواجهة مع البغدادي، فأرسلت بعضاً من أبرز قادتها إلى سوريا لحل الخلاف مع تنظيمه أو تقوية الجولاني بمواجهته في حال لم يكن في الإمكان ردم الهوة بينهما. لكن العراقي لم يغفر للسوري أنه «خان البيعة»، في رأيه، بتمرده عليه عندما انتقل إلى سوريا، وأسس «جبهة النصرة»، كفرع مستقل لـ«القاعدة» مرتبط مباشرة بقيادتها في مناطق الحدود الأفغانية - الباكستانية، وليست خاضعة للقادة العراقيين في تنظيم «الدولة».
على أرض الواقع، ابتلع «داعش» فرع «القاعدة» السوري في كل مكان وطئت فيه أقدامه، إلا أن بدء التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، عملياته ضد تنظيم البغدادي، في سبتمبر (أيلول) 2014، سمح للجولاني بالتقاط أنفاسه وإعادة بناء «جبهة النصرة» التي انحصر نشاطها في مناطق شمال غربي سوريا، وهي المنطقة الوحيدة التي لم يتمكن فيها مقاتلو البغدادي من توسيع نطاق سيطرتهم.
لكن الجولاني هنا لم يشذ عن قاعدة البغدادي نفسه، فبدأ حروباً «أهلية» مصغّرة ضد تنظيمات إسلامية متشددة تنشط في مناطق نشاطه لكنها لا تخضع لقيادته.
وقد تمكن زعيم «جبهة النصرة»، بالقوة أحياناً وبالحوار أحياناً أخرى، من تصفية معظم الجماعات المسلحة التي كانت تقاتل النظام السوري في شكل مستقل. لكن بعضها نجا من هيمنته بالعمل مباشرة تحت إشراف جيش تركيا واستخباراتها بعد دخولها العسكري إلى مناطق واسعة من شمال غربي سوريا (إدلب واللاذقية) وشمالها (حلب) وشمالها الشرقي (الرقة).
مع هزيمة «داعش» عسكرياً في سوريا، بخسارة معقله الأخير في الباغوز بريف دير الزور في ربيع 2019، ثم مقتل البغدادي نفسه بغارة أميركية في ريف إدلب، في خريف العام ذاته، انتهت عملياً المواجهة بين «القاعدة» و«داعش»، بتلاشي التنظيم الأخير، باستثناء بعض خلاياه التي تحاول إعادة بناء نفسها تحت قيادة زعيم «داعش» الجديد أبو إبراهيم القرشي، لكنها ما زالت من الضعف بحيث لا تشكل تهديداً جدياً لأي من خصومها، سواء من النظام السوري أو «هيئة تحرير الشام» التي نشأت كوريث لـ«جبهة النصرة» بعدما قرر الجولاني فك ارتباطه بـ«القاعدة».
أدى انهيار «داعش» في سوريا إلى تلافي استمرار المواجهة المسلحة بينه وبين «القاعدة»، لكن ذلك لم ينسحب على فروع «داعش» الأخرى حول العالم التي بقيت على ولائها لزعيمه الجديد.
وتتباهى إصدارات «داعش» المختلفة حالياً بهجمات يشنها مقاتلو التنظيم ضد من يصفهم التنظيم الإرهابي بـ«الكفار والمرتدين» في مناطق انتشار فروعه، مثل الساحل الأفريقي، واليمن، والصومال، وأفغانستان. لكن المتابع لهذه الإصدارات يلحظ أيضاً، وفي شكل مستمر، إعلانات عن مواجهات تحصل بين عناصر «داعش» ومقاتلي «القاعدة»، خصوصاً في دول الساحل الأفريقي، مثل مالي وبوركينا فاسو. ففي مايو (أيار) الماضي، اتهم «داعش» فرع «القاعدة» في الساحل ممثلاً بـ«جبهة نصرة الإسلام والمسلمين»، بمهاجمة مواقعه، والتضييق على عناصره، وقطع خطوط الإمداد عنهم، بالتزامن مع هجمات تستهدفهم من قوات أفريقية تعمل بمساعدة من الجيش الفرنسي.
وقبل أسابيع، وزع «داعش» شريط فيديو يُظهر عناصره وهم يفتكون بعناصر «القاعدة» ويقتلون عناصر هذا التنظيم خلال مواجهة دامية بينهما. وبحسب نشرة «النبأ» التي يصدرها «داعش» (العدد 260. في نوفمبر «تشرين الثاني» الماضي)، فقد قتل عناصر التنظيم 76 مقاتلاً من «جبهة نصرة الإسلام والمسلمين» خلال الشهور الثلاثة الماضية، بينهم 30 في كمين واحد. وفي 16 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، وزّع «داعش» شريط فيديو توثيقياً وصف فيه عناصر حركة «الشباب»، فرع «القاعدة» في شرق أفريقيا، بأنهم «أعداء الجهاد الحقيقي». كما حملت إصدارات «داعش» إعلانات مماثلة عن هجمات تستهدف «القاعدة» في اليمن، وأخرى تستهدف «طالبان» في أفغانستان.
ولا شك أن هذه «الحروب الأهلية» الصغيرة بين «داعش» و«القاعدة» لديها قابلية الاتساع، كما أن لديها قابلية الانحسار. ولعل ما يتحكم بهذه القابلية حالياً، اتساعاً أو انحساراً، هو أن كلا التنظيمين في حال ضعف، لا يسمح لهما بخوض مواجهة واسعة بهدف فرض انتصار طرف على الآخر ونجاحه بالتالي في «توحيد الراية»، وهو أمر حاولت أن تفعله «الجماعة الإسلامية المسلحة» في الجزائر في تسعينات القرن الماضي، لكنها فشلت به. كما أن هناك عنصراً آخر يتحكم بميزان القوى بين «داعش» و«القاعدة» حالياً، وهو ميزان لم يعد يميل، كما في الماضي، لمصلحة الطرف الأول. ففي حين كان بإمكان «داعش»، أيام قيادة البغدادي، التباهي بأنه يقود «دولة»، بحكم سيطرته على مناطق واسعة من سوريا والعراق، بينما تنظيم «القاعدة» لا يعدو عن كونه جماعة مسلحة لا تحكم «دولة» ولا حتى «إمارة»، بل تخضع لإمرة «أصحاب الأرض»، كـ«طالبان» في أفغانستان.
أما الآن، في عهد أبو إبراهيم القرشي، خليفة البغدادي، فقد بات «داعش» مساوياً فعلياً لـ«قاعدة» بحكم أن «دولته» المزعومة اختفت عن الخريطة وبات بالتالي مجرد جماعة مسلحة... رغم أن فروعه ما زالت تتصرف وكأن «دولة داعش» ما زالت «باقية وتتمدد»، بحسب ما دأب على ترديده قادة تنظيم البغدادي أيام ذروة نفوذهم.
وهكذا فإن التوقع المنطقي للعلاقة بين التنظيمين في السنوات المقبلة هو بقاء التنافس بينهما في شن هجمات إرهابية حول العالم، وفي الوقت ذاته مواصلة «الحروب الأهلية المصغرة» بين فروعهما، في حال استمرار تعذر الوصول إلى توافق بين قيادتيهما.



إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
TT

إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)

أثارت مجزرة حوثية في محافظة حجة بشمال غربي اليمن، موجة إدانات رسمية وحقوقية واسعة، حيث قتل وأصيب نحو 38 مدنياً، بينهم أطفال، جراء قصف مدفعي شنته الجماعة على تجمّع للأهالي أثناء تناولهم وجبة الإفطار في مديرية حيران.

ووفق مصادر محلية، استهدف القصف، مساء الأحد، ساحة أحد المنازل، حيث كان الأهالي مجتمعين لتناول الإفطار في إحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، في مشهد اجتماعي معتاد يعكس تقاليد التكافل بين سكان المنطقة.

وأفادت معلومات رسمية أولية بأن القصف أسفر عن مقتل 8 مدنيين بينهم طفلان، إضافة إلى إصابة أكثر من 30 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة، في حين سارعت فرق الإسعاف والأهالي إلى نقل المصابين إلى المراكز الطبية القريبة.

الحوثيون رفعوا صوراً ضخمة للمرشد الإيراني علي خامنئي عقب مقتله (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر، فإن الهجوم وقع بعد عملية رصد جوي باستخدام طائرة مسيّرة لتحديد موقع التجمع المدني، قبل أن يتم استهدافه بالقصف المدفعي، وهو ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة وترك آثار صادمة في أوساط السكان المحليين.

وأشارت التقارير الميدانية إلى أن شدة القصف تسببت في إصابات خطيرة بين الضحايا، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة القتلى.

إدانة حكومية

وأدانت الحكومة اليمنية الهجوم بشدة، ورأت أنه يمثل جريمة حرب وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

وقالت وزارة حقوق الإنسان في بيان رسمي، إن الهجوم لم يكن عشوائياً؛ بل جرى تنفيذه عقب عملية رصد جوي دقيقة، ما يشير إلى وجود نية مسبقة لاستهداف المدنيين.

وأوضحت الوزارة أن التقارير الميدانية التي تلقتها تؤكد أن الضحايا كانوا مدنيين مجتمعين لتناول وجبة الإفطار، الأمر الذي يجعل الهجوم استهدافاً مباشراً لتجمع مدني.

عناصر حوثيون على متن عربة أمنية خلال تجمع في صنعاء دعا له زعيمهم (إ.ب.أ)

وأضافت أن هذا النوع من الهجمات يندرج ضمن الجرائم التي قد ترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين عنها وفق القوانين الدولية.

كما أكدت الوزارة أن استمرار الصمت الدولي تجاه مثل هذه الانتهاكات، يشجع على تكرارها، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح لمنع استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وجددت الوزارة تأكيدها أن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين لن تسقط بالتقادم، وأن مسار العدالة للضحايا سيظل أولوية حتى تتم محاسبة جميع المتورطين.

اتهامات بالرصد المسبق

من جهتها، قالت منظمات حقوقية يمنية إن المعلومات الميدانية تشير إلى أن القصف جاء بعد استخدام طائرة مسيّرة لرصد موقع التجمع المدني قبل استهدافه.

وأوضحت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن فريقها الميداني في محافظة حجة، وثق أن القصف استهدف ساحة مجلس المواطن عادل جنيد في مديرية حيران، حيث كان الأهالي مجتمعين حول مائدة الإفطار.

وأكدت الشبكة أن استهداف تجمع مدني في وقت الإفطار خلال شهر رمضان يمثل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما مبادئ حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.

وأضافت أن استخدام وسائل الاستطلاع الجوي لتحديد تجمعات مدنية ثم قصفها بشكل مباشر، قد يرقى إلى هجوم متعمد ضد المدنيين، وهو ما يندرج ضمن الجرائم الجسيمة التي تستوجب المساءلة الجنائية الدولية.

كما أشارت إلى أن مثل هذه الهجمات تعكس نمطاً متكرراً من الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في مناطق النزاع داخل اليمن، داعية إلى تحقيق دولي مستقل لكشف ملابسات الهجوم وتحديد المسؤولين عنه.

وقالت منظمة «تقصي للتنمية وحقوق الإنسان» إن الهجوم الصاروخي الذي استهدف تجمع الإفطار في مديرية حيران، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بينهم أطفال، في حادثة تعكس خطورة استمرار استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وشددت المنظمة على أن استهداف تجمعات مدنية خلال شهر رمضان، يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، داعية الأمم المتحدة إلى فتح تحقيق مستقل في الحادثة.

كما طالبت بتقديم مساعدات طبية عاجلة للجرحى ودعم أسر الضحايا الذين فقدوا أقاربهم في الهجوم.

التحقيق والمساءلة

ودعا مسؤولون حكوميون ومنظمات حقوقية يمنية، المجتمع الدولي، إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً إزاء الهجمات الحوثية التي تستهدف المدنيين في اليمن.

وقال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، إن استهداف مدنيين أثناء تجمعهم حول مائدة الإفطار، يمثل جريمة بشعة وانتهاكاً صارخاً للقيم الإنسانية والدينية.

وأضاف أن الهجوم يكشف مجدداً خطورة استمرار العنف ضد المدنيين، مشيراً إلى أن هذه الجريمة تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات التي شهدتها مناطق النزاع في البلاد.

وطالب الإرياني، الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، بإدانة الجريمة بوضوح، والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكداً أن الإفلات من العقاب يشجع على استمرار الانتهاكات.

بدورها، حمّلت السلطة المحلية في محافظة حجة، جماعة الحوثيين، المسؤولية الكاملة عن الهجوم، داعية المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط حقيقية لوقف استهداف المدنيين.

كما ناشدت السلطات المحلية المنظمات الإنسانية والإغاثية تقديم الدعم الطبي للجرحى ومساعدة أسر الضحايا في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها المناطق المتضررة.


وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية، محذراً من الخلط بين الاعتداءات الإيرانية على دول عربية وبين صراع طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي بيان صدر الأحد بعدما تقدمت به وزارة الدولة للإعلام في مصر ووافقت عليه الدول العربية، حذر المجلس من «الانسياق وراء ما يتم ترويجه من مغالطات تستهدف الوقيعة وإثارة الفتن بين الشعوب العربية وبعضها البعض».

ووجَّه المجلس التحية لوسائل الإعلام العربية التي نقلت تطورات الأحداث «بمهنية وشرف والتزام بالثوابت القومية العربية، وجسدت تماسك وقوة المجتمعات والدول العربية الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات، ونقلت حالة الإجماع الرسمي والشعبي العربي على التضامن مع شعوب الدول العربية وإقرار حقها في الدفاع الشرعي عن النفس، والإدانة الكاملة للعدوان عليها».

وناشد البيان جميع وسائل الإعلام العربية، التقليدية والرقمية، المسموعة والمقروءة والمرئية، القيام بدورها في توعية الرأي العام العربي والعالمي بشأن حقائق التطورات الجارية، مع التأكيد على أن ما تتعرض له بعض الدول العربية من هجمات إيرانية هو «اعتداء غاشم غير مبرر على دول مسالمة لم تبادر بالاعتداء على أي طرف، ولم تستخدم قواتها العسكرية في توجيه أي هجمات لإيران أو لأي طرف في الصراع الجاري».

وأكد البيان على أهمية اطلاع الرأي العام على حقيقة أن الهجمات الإيرانية على بعض الدول العربية «قد استهدفت في معظمها مرافق مدنية، والبنية التحتية المدنية، ومقدرات الشعوب العربية وثرواتها، وإلحاق الضرر بأمن مواطنيها».

«خلط متعمد أو مغلوط»

وشدد البيان على ضرورة تجنب وقوع وسائل الإعلام «في الخلط المتعمد أو المغلوط بين الموقف من العمليات العسكرية والصراع المسلح بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وبين الهجمات الإيرانية العدوانية على بعض الدول العربية».

وتابع: «أياً كان الموقف من الصراع بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، فإنه لا يبرر مطلقاً الخلط بينه وبين عدوان إيراني صريح وواضح على أهداف في دول عربية لم تستخدم قواتها في مهاجمة إيران، ولم تمس أراضيها أو أهدافها العسكرية أو المدنية».

كما ناشد المجلس مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء الشعوب العربية «عدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من شائعات مدسوسة على هذه الوسائل، تستهدف الوقيعة بين الشعوب العربية».

وأشار إلى أن الظروف الراهنة «تتطلب من كل مواطن عربي التعبير عن التضامن العربي الكامل مع الشعوب التي تتعرض للعدوان، والحفاظ على وحدة الموقف العربي الثابت في وجه كل مساس بأي شعب عربي مسالم».

ودعا المجلس إلى تعاون وسائل الإعلام العربية العامة والخاصة في نقل الحقائق إلى الرأي العام العربي استناداً إلى البيانات والمعلومات الرسمية التي تصدر عن الدول العربية التي تتعرض للاعتداءات الإيرانية، «لقطع الطريق على ما يتم ترويجه من أكاذيب متعمدة بشأن أهداف ونتائج هذه الاعتداءات».

كما دعا إلى «تعاون عربي شامل لاطلاع الرأي العام العالمي بحقائق الأمور بشأن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية وانتهاك سيادتها، والتواصل مع وسائل الإعلام الدولية الكبرى وتزويدها بالحقائق وتصحيح ما يتم ترويجه من مغالطات وأكاذيب».

المعلومات الموثقة

عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقاً، ليلى عبد المجيد، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن من الطبيعي أن يقف أي عربي مع الدول العربية الشقيقة «لأننا كتلة واحدة نؤثر ونتأثر ببعضنا البعض، وبالتالي من البديهي أن يصدر وزراء الإعلام العرب بياناً تضامنياً وداعماً للدول التي تتعرض لاعتداءات من إيران».

وأضافت أن البيان تضمن لغة الخطاب التي حددت مجموعة من الأمور الأساسية المتفق عليها، «فكلنا ضد ما تتعرض له دول عربية من ضربات إيرانية رداً على الحرب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل عليها».

واستطردت: «يمكن أن نحقق ما جاء في البيان من خلال وسائل الإعلام المهنية مثل الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية».

ثم قالت: «الإشكالية تكمن في مواقع التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بعض الشخصيات غير المسؤولة والذين ليس لديهم معلومات موثقة أو رؤية واضحة ويتحدثون بشكل غير مسؤول لا يعكس وعياً بحقيقة الأمر».

وتابعت: «أتصور أن تكون هناك توعية لمن يوجدون على وسائل التواصل الاجتماعي العربي، كما أن هناك حسابات كثيرة مزيفة تحاول بث الفرقة ونشر الشائعات يجب التصدي لها، وفي المقابل هناك بعض الصحافيين المهنيين يحاولون توضيح الأخبار المزيفة ويعطون المعلومات الحقيقية للجمهور».


مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».