الصوف.. جعلته الحرب العالمية عملة نادرة وحولته «شانيل» إلى خامة أنيقة

طريقة غزله وحياكته وألوانه تحدد جماله

من عرض شانيل «ميتييه داغ».. النقوش تبدو رائعة على أما الطفل بالنسبة للشاب فإنه يستحسن الابتعاد على الألوان المتضاربة والنقشات الكثيرة  -  بوتشي  -  «لويس فويتون»  -  «هيرميس»
من عرض شانيل «ميتييه داغ».. النقوش تبدو رائعة على أما الطفل بالنسبة للشاب فإنه يستحسن الابتعاد على الألوان المتضاربة والنقشات الكثيرة - بوتشي - «لويس فويتون» - «هيرميس»
TT

الصوف.. جعلته الحرب العالمية عملة نادرة وحولته «شانيل» إلى خامة أنيقة

من عرض شانيل «ميتييه داغ».. النقوش تبدو رائعة على أما الطفل بالنسبة للشاب فإنه يستحسن الابتعاد على الألوان المتضاربة والنقشات الكثيرة  -  بوتشي  -  «لويس فويتون»  -  «هيرميس»
من عرض شانيل «ميتييه داغ».. النقوش تبدو رائعة على أما الطفل بالنسبة للشاب فإنه يستحسن الابتعاد على الألوان المتضاربة والنقشات الكثيرة - بوتشي - «لويس فويتون» - «هيرميس»

تأكد أنك ما إن تدخل أي محل من محلات الموضة هذه الأيام، ستواجهك شماعات مصفوفة، تكاد كل واحدة منها تتهاوى من ثقل كنزة محبوكة بالصوف، بعضها بلون واحد وأغلبها بأكثر من لون ونقشات مختلفة. فهذه القطعة التي كانت إلى عهد قريب ترتبط بصغار السن في الأعياد أو بأبطال بعض أفلام ديزني، تسللت إلى خزانة الرجل والمرأة على حد سواء. بعضها لا يزال يثير الريبة في نفس أي متابع للموضة ويرسل قشعريرة في بدنه رغم دفئها، لأنه بقي وفيا للتصاميم القديمة من حيث الحياكة والنقشات، وبعضها الآخر تطور وأصبح أكثر جاذبية بفضل أحجار شواروفكسي التي ترصعه أو الدانتيل الذي يزين بعض جوانبه، بالنسبة للمرأة، أو بفضل خاماته التي زادت خفة بالنسبة للرجل. في عرض دار شانيل السنوي الذي تحتفل فيه بـ«الميتييه داغ» أي بالورشات التي تنجز كل التفاصيل المترفة، والذي أقامته في مدينة سالزبورغ النمساوية مؤخرا، اقترح مصممها كارل لاغرفيلد مجموعة أنيقة من هذه الكنزات. أغلبها موجه للمرأة وعدد منها للرجل، بحكم أن دار شانيل غير متخصصة في الأزياء الرجالية لكنها لا تريد أن تتجاهله. في كل الحالات، اتسمت بالدفء والعملية والأناقة الكلاسيكية، بما فيها تلك التي استوحاها من تقاليد الحياكة النمساوية ونقشاتها الواضحة. السبب الذي يجعل هذه القطع كلاسيكية ومقبولة للجنسين في كل مكان وزمان، أنها بألوان حيادية من جهة، ولم تغرق في النقشات الكارتونية التي نراها في بعض الكنزات التي تطرحها شركات وبيوت أزياء أخرى في موسم الشتاء، من جهة ثانية. وهذا ليس جديدا على دار شانيل التي قدمت منذ فترة أيضا مجموعة صوفية في عرضها «باريس - أدنبره» تزامنا مع ضمها الشركة الأسكوتلندية «باري» المتخصصة في الصوف والكشمير إلى ورشاتها الأخرى، مثل لوساج، ماسارو وغيرهما. ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن علاقة شانيل بهذه الخامة ليست من بنات أفكار كارل لاغرفيلد، بل تعود إلى المؤسسة «كوكو شانيل»، التي كان لها الفضل في تحويلها من خامة عملية، أولا وأخيرا، تستعمل لمقاومة البرد، إلى خامة تضج بالأناقة الراقية. فالمصممة اعتمدت عليها في بدايتها، إلى جانب قماش الجيرسيه الذي كان حكرا على الرجل، لأنهما، الجرسيه والصوف، كانا رخيصين آنذاك ومتاحين لها أكثر في بداية مشوارها في العشرينات والثلاثينات. مما يحسب لها أنها أضفت عليهما لمساتها «الميداسية» وحولتهما إلى ما نراه اليوم على منصات عروض الأزياء والمحلات: قطع دافئة وفي غاية الأناقة والنعومة.
وهذا تحديدا ما سلط عليه الضوء معرض بعنوان «الملابس المحبوكة من شانيل إلى فيفيان ويستوود» في متحف «الموضة والنسيج»Fashion and Textile Museum، الذي أقيم في لندن مؤخرا. فقد تتبع تاريخ هذه الخامة المتواضعة عبر عدة عقود، مذكرا أنه كان خامة الفقراء يستعمل في ملابسهم العادية، وتحيكه الأمهات والجدات على شكل كنزات متضاربة الألوان، قبل أن يكتسب بعد الحرب العالمية الثانية أهميته، نظرا لشحه.
زيارة المتحف أكدت أنه لم يكن بنفس الأناقة التي يشهدها الآن، بل كان سميكا لا يضفي على الجسم أي رشاقة أو جمالا، لهذا كان من الطبيعي أن يرتبط في أذهان البعض بالجدات ويتعامل معه كحاجة ضرورية لا علاقة لها بالموضة. تم عرض 150 قطعة، بعضها نادر جدا، تشمل تايورات محبوكة من شانيل، وفساتين تعود إلى الثلاثينات من القرن الماضي من دار ميسوني وبيل غيب. ويسلط المعرض الضوء على دور الآنسة شانيل في تغيير صورته، بعد أن استعملته في تايورات وفساتين وقطع منفصلة أخرى. ولم يمر سوى وقت وجيز، حتى تبعها مصممون آخرون وكأنها فتحت عيونهم على جمالياته. يسلط المعرض الضوء أيضا على تطوره عبر السنين من خلال صور فوتوغرافية التقطتها كاميرات مصورين مهمين مثل هورست بي هورست، علما أن هذه المتابعة لم تكن من منظور الموضة فحسب بل أيضا من منظور تقني، بما في ذلك تطور ماكينات الحياكة.
يشير المعرض إلى أن النقلة كانت بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، حيث انخفض إنتاجه بعد أن استعمل في صناعة ملابس الجنود، ما جعله يصبح بالنسبة للعامة ترفا وخامة نادرة. وربما هذا ما ساعد كوكو شانيل على تسويقه للطبقات المخملية بسهولة في العشرينات، الفترة التي دخل فيها عالم الموضة.

* كيف تختار كنزتك؟
- رغم أنه في كل مكان، وأي محل تدخله، إلا أنه من الواجب تجنب الكنزات المنقوشة أو المتعددة الألوان، إلا إذا كان عمرك أقل من 14 سنة، لأنها تبدو رائعة على الأطفال وصغار السن أكثر، أو تجاوزت السبعين، لأنك في هذه الحالة لا تهتم برأي الآخرين وتفضل الدفء على الموضة.
* اخترها بلون واحد، على أن يكون هذا اللون كلاسيكيا مثل الرمادي أو البني الغامق أو الأخضر الزيتوني أو الأحمر النبيذي.
* إذا كان من الممكن للمرأة أن تعانق كنزات مرصعة بالأحجار ومطرزة بالدانتيل، فإن المفضل بالنسبة للرجل أن يستثمر في كنزة من الكشمير من بريوني أو لورو بيانا بلون واحد، على أن يستعمل وشاحا أو إيشاربا بلون مختلف إذا كانت الرغبة ضخ بعض اللون على مظهره.

* محطات تتبع تطوره
* في الأربعينات أصبح من الخامات الأساسية، وأدى اندلاع الحرب العالمية الثانية إلى اختراع طرق جديدة للحصول عليه أو استعماله. لم تكن النتيجة أنيقة بالضرورة، لأن المرأة كانت تضطر أحيانا إلى إعادة استعمال صوف كنزات قديمة وخلطها مع بعض لصنع قطعة جديدة، ما كان ينتج عنه قطعة متعددة الألوان تعكس واقع الحرب المرير أكثر ما تعكس الأناقة. انتهت الحرب فاستعاد رونقه من جديد. والفضل هنا كان لنجوم هوليوود، الذين لعبوا دورا كبيرا في ترويجه، مثل أودري هيبورن، مارلين مونرو وغيرهما، ممن ظهرن بكنزات محددة على الصدر، أو مطرزة أحيانا مما جعل نساء العالم يتقن لمثلها.
وفي الستينات تسلم مصممون آخرون المشعل من شانيل وقدموه في فساتين مستقبلية وجد حداثية، مثل كوريج ورودي غيرنرايش وغيرهما. وسرعان ما أصبحت الفساتين القصيرة المصنوعة من الصوف مطلب المرأة في النهار والمساء على حد سواء، لأنه أصبح مغزولا بطريقة تبرز جماليات الجسم من دون أن تشده فتبرز تضاريسه.
أما الكنزات الملونة، بشكلها التقليدي، فلم تعد إلى الواجهة سوى في السبعينات على يد مصممين مثل كنزو، أوسي كلارك، بيبا، بيل غيب، ماري كوانت وغيرهم.
* في الثمانينات اكتسب قوة أكبر على يد فيفيان ويستوود، راي كواكوبو مؤسسة ماركة «كوم دي غارسون»، سونيا ريكييل وآخرون.
* في التسعينات أصبح من الأساسيات التي لا يمكن الاستغناء عنها ولا يخلو منها أي عرض لموسمي الخريف والشتاء، وأحيانا لموسمي الربيع والصيف أيضا مثلما هو الحال بالنسبة لسونيا ريكييل التي جعلته ماركتها المسجلة. مصممون شباب آنذاك مثل جوليان ماكدونالد ومارك فاست وستيلا ماكارتني أيضا ساعدوا في تألقه وترسيخ مكانته.
* هذا الموسم، كما كل شتاء، يعتبر من الأساسيات سواء كان على شكل فستان سهرة أو كنزة صوفية أو بدلة رجالية.



جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.