قلب بيروت الثقافي تعرض لأكبر دمار منذ إعلان لبنان الكبير

حصاد العام الثقافي (3 - 3): نكبات 2020 المتوالية اختتمت بصحوة

أحد عروض مهرجان الرقص المعاصر
أحد عروض مهرجان الرقص المعاصر
TT

قلب بيروت الثقافي تعرض لأكبر دمار منذ إعلان لبنان الكبير

أحد عروض مهرجان الرقص المعاصر
أحد عروض مهرجان الرقص المعاصر

أشدّ المتشائمين وأكثرهم سوداوية، ما كان ليتصور أن مئوية تأسيس لبنان الكبير، ستكون بهذه المأسوية. ما حدث عام 2020 في البلد الصغير، إضافة إلى ما جلبه الوباء، تجاوز في حجمه كل التوقعات. إنه عام السقوط واستمرار السقوط، حيث لا قرار.
بدأ العام صعباً ومسبوقاً بنكسات تلو نكسات. العجلة الثقافية الاعتيادية كانت قد توقفت منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، تاريخ اندلاع الانتفاضة اللبنانية، في وجه السلطة. بدأ الشلل الثقافي فعلياً مع هذا التاريخ حيث لم يعد من مجال للتستر على الانهيار المالي، المخبأ بورقة توت. في الوقت نفسه آثر المثقفون أن ينقلوا جلّ جهودهم إلى ساحات الاعتصام. كل الأنشطة انتقلت إلى هناك، من المحاضرات إلى المناقشات، الموسيقى، الغناء، الحوارات، الرسم. المواعيد الثقافية السنوية بدأت تتساقط بدورها. أول الضحايا كان «معرض بيروت العربي والدولي للكتاب» الذي ينعقد في ديسمبر (كانون الأول). أقدم المعارض العربية الذي صمد أمام الانفجارات والاغتيالات والحروب والاجتياحات، أُلغي هذه المرة لسبب مالي بحت. لا شيء أهم من المال يمكن أن يطيح بالكتب. تلك كانت صدمة معنوية للرواد الذين بدأوا يستشعرون أن ثمة شيئا خطيراً يحدث، وضربة للناشرين، الذين يرون في معرض بيروت متنفسهم الحر لتقديم إصدارتهم دون رقابة أو حسابات مسبقة. وهو أيضاً موضع احتفالاتهم بإصدارتهم الجديدة، ولقاءاتهم وتفاعلهم.
افتتح عام 2020 حزيناً، والجميع يعرف أن القادم ليس بسهل. ومع ذلك بقيت المقاومة كبيرة، ومحاولات التنشيط الثقافي مستمرة وإن ببطء، ليأتي وباء «كورونا» ويباغت الجميع، ويدخل العالم في فترات حجر تطول أو تقصر، فيما يبقى الخروج من المنازل محدوداً. وكما كل المحرومين من نعمة المسرح والأدب والمعارض والسينما، لجأ اللبنانيون إلى ما وفره الإنترنت من أنشطة، وإلى كتبهم القديمة، وجمّدت دور النشر إصداراتها، بسبب الإرباك المالي من جهة، وتوقف حركة النقل والشحن بفعل الوباء من جهة أخرى.
قليل من الدور الكبرى استفادت مما تبقى من خدمات البريد السريع، لتأمين كمية من الكتب إلى مشترين خارج لبنان.
ملاحظ أن المحاضرات والمناقشات التي كان لها مكانها «أونلاين» لم تكن ذات طابع أدبي أو فكري، بقدر ما حلّ مكانها نقاشات حول صعوبة الوضع المعيشي والحياتي، وسبل الخروج من الأزمة المالية والسياسية، التي يجمع كثيرون على أنها من أصعب ما مرّ به لبنان منذ تأسيسه.
لم تكن القراءة أولوية ولا الشاغل الأبرز في فترات الحجر عند اللبنانيين، ولم يصعد نجم الكتاب الإلكتروني، كما كان متوقعاً. كان لا بد من انتظار بداية فصل الصيف كي تستعيد دور النشر شيئاً من حركتها. وإن كانت «الدار العربية للعلوم» تقول إنها لم تترك للحجر أن يغير من برنامجها، وإنها لم تتوقف سوى أيام، ليصدر عنها كل يوم كتاب، فإن هذا ليس حال الدور الأخرى، التي خشيت مغامرة غير مأمونة العواقب. لا يمكن تشبيه عدد الإصدارات بالسنوات التي سبقت. ولا يمكن الحديث عن صيف عادي، اختفت فيه المهرجانات التي كانت تملأ المناطق ضجيجاً. واقتصر الأمر على حفل واحد كبير ومؤثر حمل اسم «صوت الصمود»، أصرت مهرجانات بعلبك على أن تقيمه في القلعة التاريخية المهابة، تأكيداً منها على أنها لا تغيب. نقل الحفل الذي كان دون جمهور، ببث مباشر على كل المحطات التلفزيونية اللبنانية، وحظي بإخراج وإنتاج استثنائيين، بفعل تطوع عشرات الفنانين في هذا العمل، من أجل إعادة الأمل إلى اللبنانيين.
لكن ما كان يحاول أن يردمه الفنانون والموسيقيون، أُحبط في جزء من الثانية. فبعد ما يقارب الشهر من هذا الحفل الكبير، الذي أراد أن يداوي الجروح الغائرة، وفي الرابع من أغسطس (آب)، دوّى انفجار المرفأ الهائل الذي عصف بمنطقة قطرها ثمانية كيلومترات، وأجهز على القلب الثقافي النابض للعاصمة اللبنانية. منطقة تحتضن عشرات المؤسسات الثقافية في مبانيها التراثية. الخسائر لا يمكن حسبانها بعدد غاليريات الفن التي دُمّرت، وهي كثيرة، أو المسارح التي تضررت، وهي أيضاً ليست بقليلة، ولا دور التصميم اللبنانية - العالمية، وأصيبت بعطب بالغ، ولا بعدد المتاحف التي خرجت من الخدمة، وكلها تضم بين حناياها مقتنيات ثمينة، وأعمالاً يصعب تعويضها أو ترميميها. المنطقة التي دمرها الانفجار هي في معظمها تراث معماري يمثل الجزء الأكثر أصالة من بيروت بعد أن أتت الحرب الأهلية على جزء ليس بيسير من وسطها التاريخي. وقدرت مديرية الآثار في وزارة الثقافة اللبنانية عدد المباني التاريخية المدمرة بـ640 مبنى، 60 منها معرضة لخطر الانهيار، مما استدعى حملة دولية من «اليونيسكو» لإنقاذ هذا الإرث الضخم المهدد بالهدم والاندثار، بسبب العجز عن الترميم أو حتى عمل إصلاحات. وإذا كانت بعض الغاليريات والمسارح بدأت تلملم جراحها، فإن عدداً كبيراً منها لا تزال تنظم له حملات تبرعات من أجل المساهمة في إعادة الأنشطة أو جزء منها في أسرع وقت ممكن. ومتحف أساسي لم يمض وقت طويل على إعادة ترميمه من آثار الحرب الأهلية، مثل «سرسق» أضراره الكبيرة ستحتاج إلى سنة على أقل تقدير، لتعاد إليه الحياة. وإذا كان هذا المتحف محظوظاً لأنه تلقى تعاطفاً من جهات عديدة خارج لبنان، فهي ليست حال كل الذين طالهم عصف الانفجار.
وبدأت خطة عمل تتخطى لبنان لتشمل دولاً عربية أخرى تقوم بها «آفاق» و«المورد الثقافي» لمد يد العون للفنانين والمثقفين، الذين تعطلت أعمالهم، بسبب الوباء، أو فقدوا معداتهم أو منازلهم أو أماكن عملهم، بفعل الانفجار، بدعمهم بمبلغ مالي على وجه السرعة، وبالتشبيك بين العاملين الثقافيين، لمساعدتهم على إقامة مشاريع جماعية.
أي أن مسعى كبيراً يتم العمل عليه حالياً في لبنان ودول عربية، لتغيير أنماط العمل، وأسلوب التفكير بالمشاريع، وإخراجها من حيزها الفردي الضيق، بحيث تفتح الآفاق أمام تعاون مشترك، أقل كلفة، وأكثر نجاعة. وهذا قد يمنح الجميع قدرة على النهوض السريع.
بالطبع افتقدت بيروت، نهاية العام الحالي، وللسنة الثانية على التوالي لمعرضي الكتاب الرئيسيين العربي والفرنكوفوني. أما «مهرجان بيروت للرقص المعاصر»، الذي أصرّ منظموه على أن يستمر رغم كل الصعاب، فقد تابعه عشاقه عبر البث المباشر «أونلاين»، بحيث رقصت الفرق من على مسارح في أماكن مختلفة من العالم، ومن بينها ليون وبيروت، وأريد لهذه الدورة ألا تغيب، بانتظار عودتها حية إلى العاصمة اللبنانية في السنة المقبلة.
ويسجل للفنانين والمثقفين عدم استسلامهم، بحيث نشطت في بيروت في الشهر الأخير من السنة، حركة تشبه الانبعاث من الركام. شهدت العاصمة معارض فنية وعروضاً وأنشطة بينها معرضان للرسم أقامهما غاليري «أجيال» للفنانتين هبة كلش وسمر مغربل. وكان هذا الغاليري قد تعرض لضرر مادي، وآخر أشد وطأة بفقد أحد أهم العاملين فيه، وهو الشاب فراس الدحويش الذي قضى في الانفجار. ويغلق العام أيضاً على معرض في «دار النمر» يتضمن عشرات القطع القديمة التي جُمِعت من الأرشيف الحياتي اليومي للناس، تحت عنوان «لزوم ما لا يلزم». والأكثر لفتاً للانتباه هو معرض «الفن الجريح» في فيلا عودة الذي أشرف عليه فنياً جان لوي مانغي، ويقدم اللوحات - وبينها لرسامين كبار - التي تضررت في انفجار المرفأ، في سياق يعيد إليها الحياة، رغم التشوهات الكبيرة التي ألمت بها. كما يشارك في المعرض نفسه 66 فناناً بأعمال لهم أنجزوها قبل الانفجار وبعده، في محاولة لاستقراء التغيرات المزاجية والفنية التي طرأت عليهم.
ولعل الفن الأبرز الذي لم يفقد ألقه خلال هذه الشهور العجاف هو السينما؛ فخلال فترات الحجر أنجز عدد من السينمائيين سلسلة أفلام قصيرة عن هذه التجربة. ومؤخراً أُنجزت سلسلة من 15 فيلماً قصيراً، مستلهمة من 15 قصة حقيقة عاشها ضحايا انفجار المرفأ.
كل الأعمال الفنية باتت تدور حول الانفجار ومفاعيله، إما أنها تحاول أن تفهم ما حدث للنفس الإنسانية التي عاشت تحولات درامية مفاجئة، في لحظة من الثانية، أو أنها تنشط لجمع التبرعات، ومد يد العون لمن لا يزالون يعيشون تحت الصدمة. ومن بين هذه الأنشطة مسرحية «همسات» التي قُدمت عن بُعد، لمساعدة المسارح التي لم تتمكن بعد من النهوض.
عام كان يُفترض أن يكون عيداً يمتد لشهور من الاحتفاليات، لتذكّر وتقييم الإنجازات الثقافية التي حققها اللبنانيون طوال مائة سنة، وهي ليست بقليلة، سواء على مستوى النشر أو الأدب أو الموسيقى والمسرح والغناء. لكن الظروف السوداء شاءت أن يصبح الأمر على غير ذلك. ويبقى الأمل في مخيلة تأبى أن تستسلم، وفي نبض لا يريد أن يخبو.



ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».